واشنطن والاستيطان الصهيوني في فلسطين

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2046 )

بمناسبة ما يقال عن إفشال الإسرائيليين لمهمة المبعوث الأمريكي ميتشل في فلسطين المحتلة، وما يقال عن الحرج في موقف الرئيس أوباما، المغلوب على أمره أمام الإسرائيليين، نعرض ما يلي: إنّ اغتصاب فلسطين، وتبديد شعبها، واستيطانها بالصهاينة اليهود أو غير اليهود، هي عملية تقع في صلب إستراتيجية الولايات المتحدة منذ تأسّست، فإذا تجاوزنا البدايات، ولم نتوقف عند حكاية اجتياز المستوطنين الأوائل (الأنكلوسكسون اللوثريين) للمحيط الأطلسي على أنّه صحراء سيناء، (الخروج فراراً من الملك الإنكليزي على أنّه فرعون!) واجتياح أمريكا الشمالية على أنّها أرض الميعاد (فلسطين!) وإبادة شعوبها على أنّهم الكنعانيون! إذا تجاوزنا تلك البدايات التي تشير إلى أنّ الولايات المتحدة ليست سوى ‘إسرائيل الكبرى’ كما أرادوها، وانطلقنا من نقطة التوجّه العملي لاغتصاب فلسطين وإبادة شعبها واستيطانها، فسوف نجد أنّ البدايات العملية لهذا التوجّه تنطلق في العام 1840، أي قبل حوالي مائة وسبعين عاماً!

في ذلك التاريخ (1840) بعث مؤسس الكنيسة المورمونية اللوثرية الأمريكية جوزيف سميث تلميذه أورسون هايد إلى القدس للعمل على ‘تسهيل نبؤة بعث إسرائيل’! وقد حمل هايد معه توصية من وزير الخارجية الأمريكي وأخرى من حاكم ولاية الينوي إلى البعثات الدبلوماسية في المنطقة لمساعدته في مهمته. وتتحدّث الوثائق الرسمية عن نشاط محموم استمرّ حوالي ثلاثين عاماً لإقامة مستعمرات أمريكية لوثرية في فلسطين بالتعاون مع اليهود المحليين، غير أنّ تلك المحاولات فشلت لأسباب عديدة، منها عدم تعاون اليهود الفلسطينيين، وبناء على ذلك اقتنعت واشنطن أنّ استيطان المتهّودين الخزريين (الأشكينازيم) هو الوحيد الممكن، وهو ما كانت لندن اللوثرية البيوريتانية تعمل من أجله منذ عام 1749، أي منذ عهد كرومويل!

في العام 1917 تبادل الوزير البريطاني بلفور الرسائل مع الرئيس الأمريكي ولسون للاتفاق على الصيغة النهائية للتصريح الذي سوف تصدره لندن بشأن ‘الوطن القومي اليهودي’، وقد وافق ولسون سرّاً على مشروع التصريح، وظلت الموافقة طيّ الكتمان بسبب موقع واشنطن في الحرب العالمية الأولى، وعندما تأكّدت نهائياً هزيمة الدولة العثمانية، في آب/أغسطس 1918، أدلى ولسون بالتصريح التالي: ‘أعتقد أنّ الأمم الحليفة قد قرّرت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا’!

في الحرب العالمية الثانية كانت لندن تحاول الاحتفاظ بمستعمراتها ونفوذها في المنطقة العربية، حيث بدأت واشنطن تحلّ محلّها. ومن أجل عدم استفزاز العرب وكسب ودّهم خفّفت من إظهار حماستها للهجرة اليهودية إلى فلسطين، غير أنّ واشنطن دعت إلى عقد مؤتمر صهيوني في نيويورك (مؤتمر بلتيمور في أيار/مايو 1942) معلنة دعمها القويّ للهجرة والاستيطان. وفي ذلك المؤتمر قال ديفيد بن غوريون: ‘لم يعد باستطاعة اليهود الاعتماد على الإدارة البريطانية في تسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين’!

في الشهر الأخير من العام نفسه (1942) شكّل 67 سناتوراً في مجلس الشيوخ كتلة لمناصرة الصهيونية، وانتسب 143 ممثّلاً سينمائياً لما سمّي ‘اللجنة الأمريكية لفلسطين’، وانضمّ ثلث مجلس الشيوخ إلى 1500 شخصية أمريكية في التوقيع على ‘عريضة تصحيحية’ تطالب بتشكيل جيش يهودي!

وفي 6/10/1943 وصلت إلى البيت الأبيض 500 كاهن لوثري عرضوا على نائب الرئيس والاس مطالب الصهاينة. وفي الشهر الأول من عام 1944 قدّمت إلى مجلسي الشيوخ والنواب مشاريع قرارات بالمصادقة على برنامج مؤتمر بلتيمور وبخاصة ما يتعلّق بتشكيل الجيش اليهودي. وفي ما بعد أدخلت المطالب الصهيونية التي تضمنها برنامج بلتيمور في مقرّرات مؤتمرات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وأصدر الكونغرس (ولا يزال) أعداداً لا تحصى من القرارات تنفيذاً لتلك المطالب!

وكان الرئيس روزفلت قد استقبل حاييم وايزمان في العام 1942، وبما أنّه كان منهمكاً في دخول المملكة السعودية فقد راح يتحدّث عن تسوية عربية يهودية ‘للمشكلة الفلسطينية’، فقال وايزمان أنّه إذا اعتمد إنشاء الوطن القومي اليهودي على موافقة العرب فإنه لن ينشأ أبداً، واقترح أن يجبر العرب على الإذعان مثلما أجبروا على الإذعان لتصريح بلفور! وقد استمرّ روزفلت في محاولاته التوفيق بين مصالحه العربية واتجاهه الصهيوني إلى ما بعد مؤتمر يالطا، غير أنّ ذلك لم يمنع أن ترسخ في عهده بالذات تلك التقاليد الصهيونية التي ظلّت ثابتة مستمرّة حتى عهد باراك أوباما الحالي، وقد ظلّت الحكومات العربية تجد عذراً للسياسة الأمريكية بسبب تلك التقاليد التي أظهرت وتظهر الأمريكيين، مثلهم مثل العرب، ضحية من ضحايا الصهيونية اليهودية، الأمر الذي حقّق ويحقّق وضعاً مريحاً لواشنطن ولأصدقائها الحكام العرب!

في العام 1945 كان الرئيس ترومان يتبنّى بقوة الفكرة القائلة بفرض الإذعان على العرب، وهو أرغم الحكومة البريطانية كي توافق على دخول مائة ألف مستوطن يهودي إلى فلسطين، معلناً أنّ الولايات المتحدة سوف تتحمّل العبء المالي في نقلهم. وفي عام 1946 تردّدت الحكومة البريطانية مرّة أخرى في الموافقة على نقل مائة ألف مستوطن آخر، فلوّح المسؤولون الأمريكيون بإمكانية رفض الكونغرس الموافقة على قرض لبريطانيا(3750 مليون دولار) فكان ذلك كافياً لانصياع لندن على حساب نفوذها في البلاد العربية! وفي عام 1947، وبأمر مباشر من الرئيس ترومان المؤسس الحقيقي للكيان الإسرائيلي، أعلن وفد الولايات المتحدة في هيئة الأمم تأييده لمشروع اغتصاب فلسطين (التقسيم) ومارس الأمريكيون ضغوطاً جبارة على عدد كبير من حكومات العالم لإلزامها بالتصويت إلى جانب الاغتصاب، فكان لهم ما أرادوا، وفي العام 1948، عندما أعلن عن قيام الكيان الإسرائيلي، بعث ترومان باعترافه بعد إحدى عشرة دقيقة!

إنّ هذا الذي عرضناه، وهو غيض من فيض، يدلّ على أنّ الجولة الأخيرة للمبعوث الأمريكي ميتشل لم تفشل بسبب تعنّت نتانياهو، بل هو التظاهر الأمريكي بالفشل، وأنّ الرئيس أوباما ليس في وضع حرج ومغلوب على أمره أمام الإسرائيليين، بل هو التظاهر بذلك أيضاً، فهي التقاليد/الألاعيب الصهيونية الأمريكية، غير اليهودية واليهودية، المعمول بها منذ عهد روزفلت، والتي سوف تستمرّ حتى طيّ صفحة فلسطين المحتلة نهائياً، إمّا بزوالها أو بتحريرها!