عن إنتخابات أخرى…ومصالحة أخرى وتمويل آخر

د. عادل سمارة

رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2047 )

عُقدت في قاعة بلدية البيرة يوم 6 أكتوبر ندوة (مائدة مستديرة) بعنوان: “الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة بين الاستحقاق الدستوري والوفاق الوطني) شارك فيها ممثلون عن القوائم والكتل البرلمانية وممثلي القوى والأحزاب السياسية”. وذلك بدعوة من إحدى مؤسسات الأنجزة : ( المرصد: مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات: مؤسسة فريديريش من أجل الحرية- ناوفريديريش ناومان[1]).

تركز حديث المتحدثين/ات على عنوان الندوة، أي الاستحقاق الدستوري والوفاق الوطني. واستخدم كل منهم لدعم وجهة نظره نصوصاً من القانون الأساسي (فالمناطق المحتلة/الحكم الذاتي/السلطة الفلسطينية ما تزال بدون دستور). ويمكن تلخيص مواقفهم في مسألة اساسية هي: هل سيذهبوا إلى الانتخابات بدون حل مشكلة حكومتي غزة والضفة، اي بدون المصالحة؟ أي إذا لم تُحل هذه المشكلة؟ وعليه، فالمسألة الدستورية ليست الفيصل، أو ليست وحدها، بل وفاق القوى هو الأساس وهذا خلل قاتل للديمقراطية، هذا ناهيك عن حقيقة أن عبارة “الاستحقاق الدستوري” توحي بوجود استقلال، وهذا خلل في فهم وإفهام الوضع والمرحلة! خطأ من موروث أوسلو الذي خُدع به المواطن حتى اليوم.

وإلى جانب اعتماد نصوص في القانون الأساسي استخدمها البعض ضد تفسير الآخر، و/أو بتفسير مخالف للآخر، كان هناك جانباً وعظياً لا يستقيم مع النقاش القانوني، وهو: “أن تخلص النوايا للوصول إلى المصالحة الوطنية”.

ولا تكمن المشكلة في الوعظ بالطبع، لكن الوعظ بالوفاق الوطني مسألة، والعملية الانتخابية المفترض انها ديمقراطية جوهرياً مسألة ثانية بمعنى ان الوفاق والتكتلات مسالة عادية في تحالفات القوى ولا علاقة لها بالنصوص الواردة في القانون الأساسي. وتشابك المسألتين يؤكد امتطاء القوى السياسية للقانون الأساسي والديمقراطية معاً. وهذا يفتح على مسألة أهم من الانتخابات والديمقراطية والقوى السياسية معاً، وهي الوطن تحت الاحتلال، أي هل هناك إمكانية لديمقراطية تحت الاحتلال طالما لا توجد سيادة لأحد على البلد غير الاحتلال؟ ناهيك عن أن الاقتتال جاء “مبكراً”، أي قبل التحول من مقاومة إلى دولة، ولا داعٍ للقول قبل تحرير فلسطين!

ولو قلبنا السؤال: ألا يعني حصول انتخابات تحت الاحتلال أن ذلك قبول بوجود الاحتلال، قبول شعبي هذه المرَّة، وليس فقط قبول قوى سياسية، أو بعض المثقفين بذلك؟ فذهاب المواطن إلى صناديق الاقتراع لينتخب رأس السلطة التنفيذية وممثليه في مجلس الحكم الذاتي وهذا اسمه الحقيقي وليس “التشريعي” يعني أن المواطن يعيش على أرض وطنه وأن هاتين السلطتين وكذلك القضائية تسيطران سيادياً على البلد، وهذا غير حاصل. صحيح أن هناك أجهزة أمن بوسعها اعتقال من تشاء والتحقيق معه، بغض النظر عن الزعم بعدم وجود تعذيب، وهذه متروكة لمحاميي المعتقلين، وهناك “جيش دايتون” كما قال دايتون نفسه الذي اقتلع حماس من نابلس والخليل، وصحيح أن هناك قضاة يحكمون في قضايا مدنية وجزائية…الخ . ولكن كل هذا خاضع لقرارات الاحتلال، بل إن كثيرا من أعضاء هذه الأجهزة يُعتقلون من الاحتلال.

قد يزعم البعض أن قبول المواطن بحمل بطاقة الهوية التي فرضها الحكم العسكري الإسرائيلي لا يختلف عن المشاركة في الانتخابات؟ وهذا غير صحيح قطعياً. فالقبول بحمل هذه الهوية هو من أجل البقاء في الوطن، أما المشاركة في الانتخابات بوجود الاحتلال (حتى لو غابت دورياته المسلحة يوم إجراء الانتخابات) فمعناه القبول بوجوده والتخيُّل أننا محررين! بينما الاحتلال يفرض كل شيء حتى بطاقة الهوية نفسها أو بدءاً منها. ولا أعتقد أن الحضور الفاشي للاحتلال بحاجة للشرح والتجريب فنتائجه على جلود فلسطينيي الضفة والقطاع من جهة، كما أن كل ما قيل بعد 1993 عن “مناطق محررة” أي المدن، قد لمسه المواطن على الأرض. وفي الحقيقة، يشعر المرء حين يسمع عبارات من طراز “مناطق محررة” كأنه يسمع لغة لا يعرفها.

الأحزاب والسلطة

قامت القوى السياسية التي شاركت في الانتخابات في المرة والمرتين السابقتين بتبرير المشاركة على أرضية التعريف الدارج للأحزاب بأن هدف الحزب: “الوصول للسلطة”. وهذا تفسير مبتسر جداً للحزبية بعمومها. وهو تفسير يقفز عن المرحلة إلى مرحلة غير موجودة. فالأحزاب تقترن بوجود شعب سيِّد على وطنه، وغياب السيادة على الوطن، يفترض ويشترط المقاومة وليس وصول السلطة لأن السلطة بيد العدو.

وهذا يطرح النقاش مجدداً حول مشروع أوسلو بأكمله الذي كان سماحاً إسرائيلياً بهندسة أميركية، بإقامة حكم ذاتي محدود في الضفة والقطاع، وهو محدود بكافة المعاني الجغرافية والاقتصادية والسياسية والأمنية…الخ ولا أعتقد أن أي مواطن عاقل لم يلمس هذه المحدودية حتى داخل منزله. وعليه، فهذا الحكم المحدود هو حكم محلي يمكن ان يدير الشؤون المدنية والمعاملات الاقتصادية داخل مناطقه المسموح له بها وليس خارجها، وبالتالي فهذا الحكم يجب أن لا يأخذ على عاتقه التفاوض سياسياً لأنه ليس حراً، لا من حيث الوجود الجغرافي في بطن الحوت، ولا من حيث قيود اتفاقات مدريد-أوسلو نفسها، واتفاق باريس الاقتصادي بالطبع.

وهنا حصل التفسير المزدوج للحكم الذاتي. ففي الدور المحلي هو حكم ذاتي على المواطنين بمعنى الضرائب والشرطة والتعليم…الخ ومع ذلك كل هذه مرتبطة باجهزة الاحتلال، سواء الضرائب أو شبكة الكمبيوتر على سبيل المثال. ومن ناحية سياسية وسيادية فالاحتلال متحكم بالأرض والأنفس والتنقل البشري والبضائعي، وما يسميه الأمن. وهذه تنفي كلياً وجود سيادة. وهكذا يغدو المواطن منقسماً إلى شخصيتين:

· فهو تابع محلياً كفلسطيني لسلطة الحكم الذاتي

· وهو أمنياً، وحركةً ونشاطاً وعلاقات خارجية…الخ محكوم بجيش الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي مرتبطة مرجعياً باتفاقات مع الاحتلال تؤكد النقطتين أعلاه.

وبهذا المعنى، فإن القوى السياسية التي تزعم أن هدف الحزب السياسي وصول السلطة، إنما تتحدث عن أمر غائب وهو السيادة على الوطن التي هي بيد الاحتلال.

ومن جهة ثانية، فإن هدف وصول السلطة من قبل الأحزاب هو قراءة سطحية للحزبية، وهي أقرب إلى حالة هجينة بين العقل الانقلابي المباشر واللامباشر. يقفز الانقلابيون إلى السلطة لأنهم لا يؤمنون بالعمل الشعبي والديمقراطي بين الجماهير. اما الانقلاب غير المباشر فهو قرار الوصول إلى السلطة بدخول مباشر إلى الانتخابات، بدلا من الطريق الطبيعي (تراث عقائدي وكفاحي واقتصادي واجتماعي وثقافي، للمرأة والرجل، كان الحزب قد قدمه للبلد) هو العمل بين الناس، إعادة بناء البلد اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وتحرير البلد، وهذه هي الآليات الديمقراطية التي تجذب الناس للحزب، ليدفعوا ويرفعوا، في الوضع الصحي، ذلك الحزب إلى السلطة وبالطبع يبقى جمهور الحزب مثابة برلمان يراقب سلوك الحزب.

لذا، فإن تبرير البعض بأن هدف الحزب هو وصول السلطة هو تبرير يتجاوز الحقائق الأساسية تاريخيا وإنسانياً اي وجود استقلال ووجود سيادة، ودور اجتماعي اقتصادي نضالي عقائدي للحزب في المجتمع. فهل هذه متوفرة في حالتنا؟

الاستحقاق الدستوري والوفاق الوطني

كما أشرت، كان هذا عنوان الندوة. وهو عنوان متناقض مع بعضه ومع الواقع. ففي غياب السيادة وغياب دستور في بلد بلا سيادة يصبح الحديث عن استحقاق دستوري مسألة متخيلة، وبالتالي تصبح كلمة استحقاق مقحمة على الواقع، لأن الاستحقاق الحقيقي هو مقاومة الاحتلال، وليس الاعتقاد والتهيئة للمواطن أنه في بلد مستقل.

لقد خلق هذا الخطاب حالة من الفُصام لدى المواطن، والخطير أنه اعتاد عليها، فهو يتخيل ويقبل في لحظات أنه في بلد مستقل، ويقبل في لحظات أخرى أنه تحت الاحتلال ويتعاطى مع الحالتين دون شعور بهذا التناقض، إلى أن يقع في قبضة الاحتلال، لأي سبب كان، ويكتشف أن سلطة الحكم الذاتي لا تستطيع مساعدته في شيىء إلا الطلب من منظمات حقوق الإنسان أن تضغط على الإحتلال للإفراج عن الأسرى، عن أحد عشر ألف اسير، يتزايدون كلما زاد ترجي الاحتلال بالإفراج عنهم. بل كلما انحصرت مطالب فريق التسوية الفلسطيني في الإفراج عن الأسرى، بدون سلام حقيقي، والمطالبة بالقدس عاصمة لدولة لم توجد، وتصوير الصراع كما لو كان على الأماكن المقدسة وليس على وطن بأكمله.

المشكلة غياب الديمقراطية وليس صراع الحركتين

سواء اتفق القارىء على العنوان أم لا، وسواء كانت المشكلة في الديمقراطية هنا، أم أن المشكلة هي الديمقراطية، فإن مناطق الحكم الذاتي قد لبست اثواباً فضفاضة لا تبين هي من تحتها. مثل الديمقراطية السياسية الفلسطينية والاستقلال والمناطق المحررة وخطط التنمية…الخ.

ما يهمنا هنا الندوة قيد الحديث.

فرغم ان موضوع الندوة هو الانتخابات والديمقراطية، إلا أن أكبر كتلة في المجلس “التشريعي” كانت غائبة. صحيح أنها أُبلغت بالموعد، ولكن عدم حضورها، لا ينم عن كسل سياسي بل عن عدم توفر مناخ ديمقراطي! قد يقول البعض وهل هذا المناخ متوفر في غزة؟ بالطبع لا. وعليه، فإن مبدأ مناقشة الاستحقاق الدستوري وفنيَّة تبرير أو تشريع الانتخابات بغياب المناخ الديمقراطي تصبح بلا معنى.

بل إن كل هذا مرتبط بأمر آخر هو صراع القوى ، الصراع المسلَّح بالبندقية أولاً ثم بالقمع لاحقاً، وعليه، ورغم ان الحديث عن الوفاق الوطني لا يستقيم مع الديمقراطية، إلا أنه مفتاح الدخول إلى الديمقراطية، وبغيابه، يكون كل حديث مثابة زوائد.

يتبارى الفلسطينيون في الأرض المحتلة على نسب الخلل في الديمقراطية المختلة بذاتها إلى الصراع في غزة والانتهاء لما نحن عليه. وهذا أمر أو سلوك ينسجم مع الكثير من التفكير الغريب في الأرض المحتلة، التفكير المختل وغير المنطقي كالكثير من الشعارات والممارسات حتى على مستوى المواطن العادي.

إن اساس الخلل، وهو اساس خطير بما لا يُقاس ناجم عن سببين:

· قرار صانعي أوسلو إقامة سلطة تحت الاحتلال بغلاف ديمقراطي، لم يفعله صانعوا هذه السلطة

· تورط القوى السياسية في انتخابات تحت الاحتلال وما ترتب عليه من صراع على السلطة والمال والقرار وأمور طبقية.

صانعو الديمقراطية الفلسطينية

لم يتطور في مسيرة حركة المقاومة تراث ديمقراطي لا على مستوى تغيير وتبديل وتبادل الأدوار القيادية ولا على مستوى العلاقة بين القيادة والقاعدة. ولتقصير النقاش، دعنا نقول ان العمل السري والكفاح المسلّح لا يوفران مناخات للديمقراطية. ولكن الأهم أن منظمة التحرير نفسها لم تتحول قط إلى جبهة وطنية بقيادة واحدة كما كان في فيتنام والجزائر وغيرها.

وحتى مفاوضات مدريد-أوسلو لم تأت قط بناء على استفتاء ديمقراطي، ناهيك عن الاعتراف بإسرائيل بموجب مقدمات هذه الاتفاقية اي “إعلان الاستقلال”، والذي كان عمليا إعلان الاعتراف بإسرائيل وشكلياً إعلان استقلال.

وعليه، فلا الفلسطينيون الذين جاؤوا مع التسوية ولا الذين فُرضت عليهم التسوية أتوا من تراث ديمقراطي. فلماذا اشترطت التسوية، اتفاق أوسلو إجراء انتخابات ل مجلس الحكم الذاتي رغم عدم وجود استقلال؟ وما معنى استخدام السلطة الفلسطينية في مراسلاتها الداخلية كلمة “دولة و السلطة الوطنية الفلسطينية” ومع الاحتلال كلمة السلطة الفلسطينية فقط؟

هذا التراث غير الديمقراطي والكيان غير السيادي هو الذي قبل بمشروع ديمقراطية تحت الاحتلال، وهي ديمقراطية كان مقصود بها إشغال الفلسطينيين في الأرض المحتلة بأجهزة ومهام سلطة وفي التنافس والصراع على السلطة مما يقود بالضرورة إلى صراع أهلي من جهة وإلى انشغال عن المقاومة من جهة ثانية.

والانشغال عن المقاومة له تجليين اثنين:

الأول: ان المواطن حين يعتقد أنه في دولة، فذلك يقوده لا مباشرة إلى الاعتقاد بأن لا ضرورة للمقاومة.

والثاني: أن الصراع على السلطة والثروة سوف يقود عمليا إلى الابتعاد عن المقاومة.

يمكننا رد اعتقاد المواطن بأنه في دولة، والصراع على السلطة، إلى هيمنة إيديولوجيا التسوية التي وفرت إمكانات مالية للتقاسم أو الفساد، هذا العرض الاستعماري ليس جديداً، فهو مألوف في نظريات ما بعد الاستعمار (سواء الاتجاه المؤسس والثوري (فانون ومن ثم كابرال)، أو الجناح التحريفي (إدوارد سعيد وسبيفاك وغيرهما) ، وما بعد استعمار هو مفهوم افتراضي بناء على الوقائع، إلا إذا حصرناه في أدبيات أُنتجت أكاديمياً من مثقفين من المستعمَرات. أما في حالتنا فقد وقعنا في هذا الفخ والاحتلال رابض في كل شبر ووعي، بمعنى أنه إذا كانت بلدان قد استقلت سياسياً، فهذا لم يحصل هنا!

التورط في الانتخابات

في الانتخابات الأولى للحكم الذاتي، اقتصرت المشاركة على قرابة نصف الحركة الوطنية، اي دخل النصف مطهر التسوية. وفي الانتخابات الثانية دخل النصف الثاني تقريباً، باستثناء الجهاد الإسلامي. هذا مع أن عدم المشاركين من المواطنين وصلوا 24 بالمئة.

أحد جوانب هذه الإشكالية ليست فقط دخول انتخابات تحت الاحتلال، وهذه المعصية الكبرى، ولكن ايضاً دخولها دون تراث ديمقراطي حقيقي. لذلك، ما أن بانت نتائج الانتخابات الثانية حتى بدأ “الإنقلاب المعولم” من الذين “حقنوا” القوى الفلسطينية بحقنة الديمقراطية، اي من الدول الغربية التي عبر “منحها” الأموال للفلسطينيين، تمكنت من إدخالهم في معبر أو نفق الانتخابات تحت الاحتلال.

كان انقلاب المانحين انقلاب قوة، قوة المال! أليسوا هم الذين يُنفقون على السلطة الفلسطينية التي تشغل قرابة 300 ألف شخص، أليست منظمات الأنجزة التي خلقوها هي التي تشغل أعداداً كبيرة برواتب مغرية؟ ماذا يعني هذا؟

يعني هذا أن أهل الضفة والقطاع لا ينتجون مما يُعيلهم سوى القليل. والقطاعات الإنتاجية تتراجع سريعاً أمام قطاع الخدمات الممول خارجياً. فلماذا يهتم المانحون بتغذيتنا؟ ولماذا لا يهتمون بالتنمية ولا يوقفون الفساد؟ هل كل هذا عمل إنساني؟ أليست هذه الدول المانحة هي الدول الاستعمارية؟ أليست هي التي احتلت العراق وأفغانستان ويوغسلافيا …الخ هل هي معادلة عجيبة الحل؟ كلا.

جوهر الأمر أن المانحين يحملون مشروعاً سياسياً هو شطب حق العودة، عبر شكليات من طراز “إعلان الاستقلال”، “إقامة دولة”…الخ. وهذا ما لم يتحقق على الأرض.

وعليه، حين وصلت حماس إلى المجلس ورفضت الاعتراف بإسرائيل، رغم أن مجرد المشاركة في الانتخابات هو اعتراف، حينها حصل الانقلاب التمويلي. وتحولت المنافسة على صناديق الاقتراع إلى صراع بالقوة على سلطة تحت الاحتلال.

تجدر الإشارة، دون إطالة هنا إلى أن الحركتين المقتتلتين، تلتقيان تركيبياً بدرجة كبيرة. فالقشرة القيادية لهما من نفس الطبقة تقريباً اي البرجوازية بشرائحها الكمبرادور والبيروقراط والتجاري. وعليه فالتنافس بين هذه الشرائح يعيدنا إلى قراءات أخرى للماركسية بأن الصراع الطبقي يمكن ان يحصل داخل شرائح الطبقة الواحدة. كما أن القاعدة القتالية والمقتتلة للقيادتين هي ايضاً من نفس الطبقات الشعبية.

ولكن، كي لا نبسط الأمور إلى درجة التسطيح، فإن الخلاف بين الحركتين له اساسه السياسي، اي الاعتراف وعدم الاعتراف بإسرائيل. وفي هذا تسجيل نقطة اساسية لحركة حماس، ولكنه يسجل عليها نقطة ربما بنفس القدر وهي: لماذا المشاركة في الانتخابات اساساً طالما الأمر على هذا النحو؟ وحتى لماذا قبول تشكيل الحكومة؟

الخلاف الحقيقي والمصالحة الخطرة

ولكن، طالما أن الديمقراطية ليست أصيلة في ألبنية السياسية/التنظيمية وإلى حد ما الثقافوية الفلسطينية، فاين الخلل الداخلي الذي قاد إلى الصراع المسلَّح بين الحركتين، ومن اصطف وراء كل منهما؟

لم يعد خافياً أن هناك نهجين في الحركة السياسية الفلسطينية:

· نهج يرفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، ويعتمد الكفاح المسلَّح وغيره ضد هذا الاحتلال.

· ونهج يعترف بالكيان الصهيوني ويقول، بعض منه باعتماد الكفاح ويقول البعض الآخر باعتماد المفاوضات.

في هذا الصدد، أود الإشارة إلى أن من حقق نقطة لصالحه هو الفريق اللبرالي الثقافوي الفلسطيني، بدءاً من الراحلين إدوارد سعيد وإبراهيم ابو لغد وتمفصلاتهما هنا في الأكاديميا المحلية بمعنى أنهم، (والحق-أو غير الحق- يُقال) وقفوا ضد الكفاح المسلَّح بكل نشاط!. ما أقصده أن الكفاح المسلَّح لم يحرر البلاد والعباد ولكنه حاول بشرف. لكن هؤلاء جروا معهم م.ت.ف إلى كفاح الاستجداء والترجي من عدو لا يفهم سوى لغة السلاح وصولا إلى اغتصاب كل الأرض.

من هنا، فإن عدم توازي القوة لا يعني قط إلقاء السلاح، أو تسليمه! وعليه، ففي حقبة عدم تعادل القوى، يجدر التمسك بالموقف المبدئي وهو على اية حال موقف أخلاقي، وهو رفض الاعتراف بالعدو، ومواصلة مقاومته بكل السُبل المتاحة في اللحظة والسبل غير المتاحة.

وكما هي الديمقراطية مستوردة، أو مفروضة بشرط التمويل الأجنبي، فإن التمسك بالمفاوضات، لم يعد خياراً، بل انحصاراً، وهو نفسه مشروط ومفروض من قبل الممولين أيضاً، تحت ذريعة ما تسمى بالمقررات الدولية. وهي ذريعة مثابة “عذر اقبح من ذنب”. فما هي الأسرة الدولية؟ أليست الأنظمة الرسمية الرأسمالية الغربية تحديداً التي خلقت الكيان، اي طردت شعبنا، وسلحته بالنووي ليسيطر على الوطن العربي بأسره، وتعلن جهاراً نهاراً أنها لن تسائله عن سلاحه النووي؟ وكيف لها أن تفعل وهي صاحبة ترسانته؟

لا يليق بفلسطيني أن يرتكز على هذه “الشرعية الدولية الرسمية”، مقابل الشرعية الدولية الحقيقية، الشرعية الشعبية. وإذا كانت قيادة م.ت.ف قد وقعت في خطيئة اتفاقات حالمة مع هذا العدو وبإملاء هذه “الشرعية”، فقد آن الأوان للتخلص من هذه القيود والتحديدات. ويكفي القول أن النتيجة كانت معاقبة كل من وقَّع هذه الاتفاقات ودعى لها. لقد قتلوا ياسر عرفات ولا فرق إن كان بالرصاص أو بالسم. أما إدوارد سعيد الذي كان وسيط “رسائل الغرام” بين قيادة المنظمة والإدارة الإمبريالية الأميركية، وهو الذي وافق على الاعتراف بالكيان إلى جانب من وقَّعوا “وثيقة الاستقلال 1988 “، والذي انتهى إلى “مساواة حق العودة ب “قانون العودة” الصهيوني فقد عيَّره ميرون بنفنستي أنه وأهله هربوا مع أول رصاصة عام 1948. وهذا يبيِّن أية لغة يفهمها العدو.

بكلمة أخرى، إذا كان موقف القوى الرافضة للاعتراف بالكيان كما صدر في دمشق مؤخراً، هو عدم الاعتراف الحقيقي بالكيان، وإذا كان موقف القوى المرتكزة على التفاوض وحده، إذا تمترس كل طرف عند موقفه، فما هي حظوظ المصالحة، وما هي حظوظ التمسك بها حتى لو تم توقيعها؟ فالمصالحة الفعلية تعني انتقال طرف إلى برنامج الطرف الآخر! وهذا غير وارد حتى اللحظة.

وقد يكون الخيار المؤقت والمقبول في اللحظة هو الانتظار وليس التصعيد، بمعنى، أن يحاول كل طرف حصد نتائج برنامجه مع الإبقاء على الوضع الحالي دون انتخابات لا في كانون ثان القادم ولا في القرن القادم. والذي تحمَّل قيادة فلسطينية لأربعين سنة دون انتخابات يتحملها إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود، وإن غداً لناظره قريب.

خدعة “التبييض السياسي” المال العربي

يزعم البعض أن الخروج على الأسرة الرسمية الدولية سوف يحرم الأرض المحتلة من التمويل. هذا التمويل الذي جاء لنا بالديمقراطية الفجَّة (العجر)، وجاء لنا بشرط الاعتراف بالكيان، الأمر الذي يشطب حق العودة بالقوة.

وهذا يطرح السؤال المشروع، هل حقاً أن أموال هؤلاء المانحين ليست أموالاً عربية جرى “تبييضها” رسمياً لتُعطى للسلطة الفلسطينية كما لو كانت من دافعي الضرائب في بلدانها؟ هذه الأموال ليست في أحسن الأحوال سوى قسطاً ضئيلاً من فوائد الأرصدة العربية في مصارف تلك الدول. فلا يُعقل أن الغرب الراسمالي الذي بنى الكيان ولا يزال، يمكن أن يتبرع دون حسابات تؤدي إلى مردود اعلى بما لا يُقاس؟ والمردود واضح وهو اعتراف كل مواطن فلسطيني وعربي بأن فلسطين هي وطن المستوطنين اليهود.

وعليه، لماذا لا يُطالب الفلسطينيون بأن يتم تمويل الأرض المحتلة عربياً؟ ما هو السر وراء عدم الطلب الفلسطيني بأن يُحال التمويل إلى البلدان العربية؟ من الذي يمنع ذلك؟ من الذي يرفضه؟ وإذا كانت السلطة الفلسطينية لا تتبنى هذا الطلب، لماذا لا تتبناه المنظمات الشعبية، الشارع الفلسطيني؟ لماذا نظل في إسار مانحين يقدموا لنا الأموال المسمومة بل القاتلة؟

لماذا لا تقوم الدول العربية، والمنظمات الشعبية العربية بالضغط كي تتبنى تمويل الأرض المحتلة؟

هذا التمويل يحررنا من شروط المانحين باستبدال الوطن بأموال اصلها عربي؟ وبالتالي ننزع فتيلاً من فتائل الصراع الداخلي؟ الإصرار على تحريرنا من الدعم المسموم، هو خضوع لإملاءات الأعداء وهذا يعني أن هناك خللآً قاتلاً في الموقف السياسي العربي الرسمي من الصراع نفسه وبمجمله.

ولنأخذ إعادة إعمار غزة كنموذج أوَّلي وعاجل. لماذا لا يتم الإصرار العربي على إعادة الإعمار، وهو مطلب إنساني، لا سيما أن العدوان أُدين من مختلف أمم العالم ومعظم أنظمتها! لماذا لا نأخذ نتائج تقرير جولدستون للبناء عليها في هذا المستوى للإصرار على البدء بالتعمير عربياً؟

بكلمة مختصرة، لا بد من تحرير الأرض المحتلة من المعادلة الجديدة الخطرة، وهي الخروج الشكلي للاحتلال من بعض الأجزاء والدخول الفعلي للاحتلال الأميركي والغربي عامة كأنظمة ومنظمات أنجزة.

انتخابات لسلطة محلية لأجل مقاومة حقيقية

إذا كانت الديمقراطية تحت الاحتلال قد أعطت هذه النتائج الكارثية سواء :

· الخضوع للتمويل الأجنبي المشروط بتصفية حق العودة

· الصراع الداخلي على سلطة غير حقيقية

· اعتماد معظم المواطنين على الأعمال الوظيفية الممولة من “المانحين” وليس الإنتاجية

وإذا كانت سلطة الحكم الذاتي قد ربطت بوجودها نسبة عالية من المجتمع بما يجعل حلَّها المباشر والفوري أمراً صعباً على كل من يعيش من وظائفها، يصبح من الضروري البحث عن مخرج آخر للأزمة.

فإضافة إلى وجوب إضطلاع العرب بالتمويل، لا بد من تشكيل جبهة محلية لخوض انتخابات محلية مدنية لا سياسية ولا تفاوضية. أي وجوب إناطة التفاوض بمنظمة التحرير في الخارج، أو بمنظمة تحرير أخرى، إذا لم يكن إسعاف الأولى ممكناً. أي لا بد من سحب ملف التفاوض إلى خارج الأرض المحتلة. وإذا لم يقبل العدو بهذا، سيكون الأفضل إغلاق هذا الملف الخطر طبقاً لمعايير المرحلة.

وحين تكون الانتخابات بلا أجندة سياسية/تفاوضية، يصبح الفلسطيني محرراً من قيود المانحين وأجندتهم، ويصبح من هو في المجلس الجديد، بعيداً عن التناقض مع المقاومة بكافة اشكالها.

وهنا يجدر طرح السؤال التالي: ما الذي تحتاجه الأرض المحتلة وما هو الممكن؟

يزعم البعض أن هناك دولة فلسطينية على الطريق، وهذه الدولة بالطبع هي نفس الحكم الذاتي مع تغيير الإسم، وقبول الكيان بهذا الإسم. بينما سيبقى الاحتلال كما هو، وستخضع المناطق المحتلة لكل من جيش الاحتلال والجنرال الأميركي دايتون، وربما جنرالات عرب من نفس الهوية، وستكون هناك محاكمات علنية للمقاومين باعتبارهم يعتدون على دولة مجاورة وصديقة؟ هذا إلى جانب القمع كما جرى في نابلس والخليل.

إن ما تحتاجه الأرض المحتلة هو سلطة محلية ، مجموع أعلى لسلطات البلديات تقوم بإعادة بناء البلد، مثل تصفية الفساد، تبني موديل التنمية بالحماية الشعبية، الاحتفاظ بأجهزة شرطية ودفاع مدني…الخ.

وإذا ما قُرن هذا مع موقف عربي في التمويل، سنجد أنفسنا في حالة من إعادة البناء للقدرة على مواصلة النضال من أجل حقنا في العودة والتحرير.

لن يرضى العدو عن هذا، لا في تل أبيب ولا في واشنطن وغيرها. وهذا ما يستدعي الضغط على العرب كي يصطفوا مالياً على الأقل مع الفلسطينيين. فليست لا الدولة الشكلية ضرورة ملحة ولا غير ملحة. فالمطلوب بناء المجتمع والعمل على حق العودة، وليس بناء أجهزة أمنية، وعساكر لا تحمي الحدود، وشراء سجادات حمراء وحرس شرف وكلف إدارية لا حدود لها ولا فائدة منها.

إن ثمن تحويل الحكم الذاتي إلى دولة بالإسم هو شطب حق العودة. فهل نحن بحاجة لدفع هذا الثمن؟ ومن الذي له الحق بدفع هذا الثمن رغماً عن الفلسطينيين والعرب؟

بقي السؤال الأخير: ما موقف الأنظمة العربية من محاولة فلسطينية جادة لإعادة البناء، بدءاً من تجاوز انتخابات سياسية تفاوضية، وتمويل عربي لحاجات الفلسطينيين؟

هذا السؤال هو تحدٍ حقيقي للأنظمة العربية. هو خلق حالة اشتباك أخرى، بالفعل أو الإحتمال بين الشارع العربي والأنظمة التي تطبق الأجندة الأميركية الصهيونية. الأنظمة التي تعترف بالعدو والأنظمة التي تتشوَّق لذلك الإعتراف. الأنظمة التي تتشاغل في التحضير لحرب ضد إيران، أو دعم تلك الحرب التي لا مصلحة للعرب فيها.

لا شك أن معظم الأنظمة العربية منغمسة في مشروع الشرق الأوسط الجديد. منطقة نهب اقتصادي لأميركا والاتحاد الأوروبي، قيادتها العسكرية والتكنولوجية في تل ابيب. منطقة تتشقق وتنشطر كالأميبا، يتم فيها رفع “فرِّق تسُدْ” إلى التفكيك والتذرير الداخلي لكل قطر على حدة.

ومع ذلك، لن يكون هذا المشروع سهلاً، حتى في ظل الوضع المقاوماتي المتردي. فلا بد للمقاومة السلبية أن تتحول إلى المقاومة الجادة، المقاومة الداخلية التي تستهدف في البداية تفكيك مفاصل الدولة القطرية.


[1] طبعاً في الأرض المحتلة “لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن” إلا بتمويل أجنبي. فلا يدري المرء ما ضرورة وجود مؤسسة أجنبية لدولة زودت الكيان في الأعوام الأخيرة فقط ب 4 غواصات تعمل بالوقود النووي، وكانت أول من وافق على حصار غزة بعد هيروشيما زة في نهاية العام الماضي وبداية الجاري؟ وأكثر، فالمؤسسات الألمانية في الأرض المحتلة بين مهندسة لتوحيد اليسار وبين متدخلة في الانتخابات. فماذا بقي!