جلال الطالباني ودم قراطية الحكم!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2051 )

ديموس تعني الشعب وقراطية تعني حكم وبمزجها حسب كيمياء لغة الاغريق سيتكون لنا مصطلح حكم الشعب ـ الديمقراطية ـ!

في حالتنا العراقية التي تمتاز بالتشوه العضوي حد النخاع لا مجال لهذا المزج لان نواميس هذه الكيمياء غير قابلة للفعل، والعلة معللة بكون اطراف التفاعل محكومة بفقدان خصائص عناصرها الاولية، فالتعامل مع الشعب لا ينم عن الاعتراف بحقه بالحكم ومن دون لف ودوران، وانما يجري فرزه الى قطعان متميزة عن بعضها رغم تداخل مساحات عمرانه، بوشم ذي ملامح عصبوية فارقة، كالسنية والشيعية والعربية والكردية والتركمانية والمسيحية وو لتسهيل عملية استلابه وتغريبه وبالتالي التحكم به من خلال عصبيات القطيع والراعي!

اما الحكم فلا ينظر له كوظيفة عامة وانما كملكية خاصة بالراعي وهو لا يبخل في تسخير كل ما يمكن لجعلها متوارثة، فيستبقيها ويغذيها ويسمدها مستعينا بماله ونفوذه واجهزته القمعية التي تستفيد من اي تأويل يناهض الاصل، او اي تحريف او تزوير او تحوير يمكنها من اخصاء الواقع، وما نعرفه عنه اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا، او اي شيء اخر يمكن ان يستثمر في عمليات تثبيت حكمه وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لكنه حريص كل الحرص على التمظهر باثواب الشرعية السائدة، وبحسب سمات عصر كل هوجة من الهوجات او مرحلة من المراحل ـ كالشرعية العشائرية او الشرعية الثورية والشرعية القومية او الشرعية الطائفية او الشرعية الانتخابية والدستورية، والتي يسهل ترويضها ما دامت ثقافة القطيع هي السائدة!

اي تحليل مختبري او جدلي او معلوماتي ـ كومبيوتري ـ او سياسي لديمقراطية جمهورية الطالباني يعطينا نتيجة معرفية مؤكدة، تعرف لنا ديمقراطيته بانها ـ حكم الدم ـ او حكم التناسل الدموي، وتحديدا عندما نحاول ترجمتها ترجمة تسري بها الروح!

دم قراطية او حكم الدم عند الطالباني كنموذج مثالي من نماذج حكام جمهورية العراق الجديد ذي البصمة البنفسجية، هي لم تكن وليدة ساعتها ـ ساعة مابعد احتلال العراق ـ او ساعة توليه منصب رئاسة الجمهورية وانما هي حصيلة لمقدمات غائرة في تاريخه السياسي ومنذ ان كان عضوا قياديا في حزب البارزاني الاب ثم انشقاقه عنه وتكوينه لفصائل الفرسان ـ الجحوش ـ بدعم من حكومات بغداد في ستينيات القرن الماضي، ثم تواصل مسلسل بحثه عن السلطة بالخوض بالدماء وبوسائل اخرى، حتى اصبح زعيما لاكبر حزب كردي منافس لحزب البارزاني ـ اوك ـ وذلك في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبعد ذلك بدأت مقاولاته في اعمال ـ الكفاح المسلح ـ ضد نظام بغداد، ثم انخراطه بحلف مع سلطة البعث في العراق في الاعوام الاولى للحرب مع ايران، وفي هذه الفترة دفع بحزبه لارتكاب مجازر عديدة بحق الفصائل الحزبية الاخرى في المناطق الحدودية من شمال العراق وكانت مجزرة ـ بشتاشان ـ واحدة من اكثرها دموية وعنصرية بحيث جرى قتل وتشريد المئات من العرب العاملين مع الحزب الشيوعي العراقي وعلى الهوية، وذلك في الاول من ايارعام 1983، ثم انقلب الطالباني على سلطة البعث ليكون عونا لايران وجيشها هذه المرة، وقام بدور المرشد والمساند لاحتلال ايران لمنطقة حلبجة الحدودية والتي تعرضت لقصف بالغازات الكيمياوية على اثر تكاثف القتال بين الجيشين العراقي والايراني فيها وعلى تخومها، ومما يذكر ان للجلاليين كان دورا كبيرا في السقوط المجاني للمئات من الضحايا المدنيين الاكراد فيها، وذلك لتشديد مقاتلي الطالباني على عدم مغادرة سكان مدينة حلبجة والذين كانوا يحاولون تلافي اثار القصف المتبادل، حيث كان الجيش العراقي قد نصح السكان بترك المدينة تجنبا لنيران الهجوم العراقي المعاكس لتحريرها من الاحتلال الايراني، وتفادي انتقامه!

بعد حرب الخليج الثانية وفرض الدول الغربية للجيب الامن في شمال العراق عاد الطالبانيون الى مناطق سيطرتهم السابقة في سوران، السليمانية واربيل وعاد البارزانيون ليحكموا مناطق بادينان، ونتيجة لتنافس الحزبين على النفوذ والسلطة دخلا بصدامات دموية عنيفة راح ضحيتها الالاف من الابرياء الاكراد، واستطاع الطالبانيون فرض سيطرتهم على كل اربيل وبذلك اصبحوا هم من يتحكم بالحصة الكبرى من المناطق التي يقطنها الاكراد في العراق، وكان الطالباني وقتها يغازل الايرانيين ثانية، مما دفع بالبارزاني للجوء الى حكومة بغداد طلبا للعون بالضد من اطماع الطالباني وفعلا قاد الجيش العراقي حملة واسعة بمعية قوات البارزاني لالحاق الهزيمة بالطالبانيين فحرروا اربيل من سيطرتهم ولاحقوهم حتى الحدود الايرانية، وبهذا عادت اربيل مجددا لحكم البارزاني، وبعد احتلال العراق ومشاركة الحزبين ومقاتليهم في دعم القوات الغازية تم تعزيز قدراتهما وانفرادا بحكم المنطقة الشمالية من العراق مناصفة حتى وقتنا الحاضر، عمل الحزبان على تجيير الواقع الجديد في العراق لخدمة توجهاتهما في التكريس المطلق للحزبية العشائرية الفاسدة، فاصبح للحزبين سلطة كاملة مكتسبة بالسطوة العسكرية والمالية المنهوبة من ثروات الشعب ذاته، وراحت تعمل على تكريسها بالانتخابات الخاضعة لشروطها هي لتعطي لنفسها شرعية دستورية تغطي على البناء القمعي للسلطة الفعلية الخاضعة لها!

بعد ان اضطر الحزبان لتشكيل اطار اداري وسياسي موحد لمواجهة استحقاق المحاصصات الطائفية والاثنية التي افرزتها العملية السياسية العراقية الجارية وفق خطة خارطة الطريق الامريكية المتحكمة بالجميع، ومن اجل انتزاعهما للمزيد من المكاسب والمغانم، صار لابد عليهما التكيف مع المجرى العام لتثبيت شرعية تواصلهما في حكم مايسمى بمنطقة الاقليم الفدرالي في ذات الوقت الذي يعملان فيه على مضاعفة دورهما المؤثر على مركز الحكم في بغداد، وصار التمسك بالدورات الانتخابية المحلية والعامة جزءا من مظاهر تكريس الحال على ما هو عليه!

في الانتخابات المحلية الاخيرة التي جرت في كردستان العراق لانتخاب رئيس الاقليم وبرلمانه برزت مظاهر جديدة ترفض الطابع الاستبدادي الفاسد الذي ميز حكم العائلتين ـ الطالبانية والبارزانية ـ المتقاسمتين للسلطة والشرعية في الاقليم، الطالبانية تحكم سوران والبارزانية تحكم بادينان، فعلاوة على المعارضة التقليدية للاسلاميين الاكراد، برزت هناك قوى جديدة شكلت بزخمها تهديدا فعليا لكل صيغة ـ الففتي ففتي ـ المناصفة في تقاسم السلطة بين الطالباني والبارزاني والتي سادت الاقليم اغلب احايين الفترة الممتدة من عام 1992 وحتى الانتخابات الاخيرة، كان الخروج القوي لقائمة التغيير التي يقودها نوشيروان مصطفى القيادي المخضرم والمنشق عن حزب الطالباني بمثابة خروج كاسح وناضج على القاعدة السائدة، فقد حصدت القائمة 26 مقعدا من اصل 111 مقعد واصبحت بذلك القوة الثالثة الى جانب حزب الطالباني والبارزاني، وما له دلالة اكثر ان القائمة حازت على اغلبية الاصوات في محافظة السليمانية والتي تعتبر مركز القوة المضمونة لحزب الطالباني، والاكثر اهمية من كل ذلك ان الطالباني استعان قبل الانتخابات بحليفه البارزاني لمحاولة النيل من هذا الخطر المتصاعد على نفوذيهما معا، مما حدى بالبارزاني لارسائل قوات مسلحة الى السليمانية تقدر بحوالي 6000 مسلح ليكونوا على اهبة الاستعداد وتحت امرة جهاز الاسايش التابع للطالباني لتنظيم حملة ضغط نفسي على قيادات قائمة التغيير وعلى مؤيديها، لكن قائمة التغيير من جانبها استعرضت قوتها واعلنت انها قادرة على تجهيز 60 الف مسلح خلال ساعة واحدة، واكد قادتها على ان اي تجاوز امني من قبل قوات الطالباني سيكون مقدمة لطرده وطرد اتباعه من السليمانية كلها، ويبدو ان معرفة جماعة الطالباني بقدرة نو شيروان مصطفى واتباعه على تحقيق ما اعلنوا عنه، منعهم من القيام باي عمل مسلح مباشر ضد قيادات قائمة التغيير، لقد التزمت قائمة التغيير بكل الاصول القانونية المعلنة بخصوص استيفاء شروط المنافسة الانتخابية وراحت تطالب الاخرين بالالتزام مثلها لكن الطالباني وحزبه تمادوا بتطبيقات مقولة الغاية تبرر الوسيلة فقبل الانتخابات تم تعبئة الاجهزة الامنية والاستخبارية للدعاية الانتخابية وللضغط على المصوتين واستغلال نقاط ضعفهم لضمان تصويتهم لقائمة الطالباني، ومن الاساليب المتبعة شراء الاصوات وتهديد منتسبي الدوائر العامة بالفصل من الوظيفة اذا صوتوا لغير الطالباني، في هذا الوقت عينه ركزت قائمة التغيير على فضح الفساد المستشري في حزب الطالباني وعائلته وفي كل الجهاز الاداري والعام لحكومة الاقليم وبالادلة الدامغة التي نشرتها وسائل الاعلام، ثم فضحت سرقات بيع النفط السري والعمولات الكبيرة التي تجري خارج الحسابات الرسمية، فقد اعلن د. شاهو سعيد المتحدث باسم قائمة التغيير ان حزبي الطالباني والبارزاني يسخران اموال الحكومة لخدمة حزبيهما وشراء الذمم وزيادة الارصدة الشخصية للقيادات في الخارج، واضاف ان كل منهما يستولي على 360 مليون دولار سنويا، هذا دون حساب العمولات والسرقات المباشرة من المستثمرين المحليين والاجانب ودون حساب سرقات النفط!

وقفت قائمة التغيير موقفا حازما ضد طبخة تمرير دستور اقليم كردستان معتبرة هذا التمرير غير شرعي لانه جاء في وقت انتهاء الولاية التشريعية للبرلمان السابق، وعرت القائمة اسباب اصرار البارزاني بمعية الطالباني على تمرير الدستور المختلف عليه داخل وخارج الاقليم، فاضحة نوايا البارزاني بجعل البرلمان خاضعا لسلطات منصب الرئيس وليس العكس، وانه يقزم من دور السلطات الاتحادية في الاقليم لينفرد بحكمه من يملك السلطة فيه حاليا، اي فصل تفصيلا لخدمة البارزاني اولا والطالباني ثانيا، وعلى اثر ذلك تقدمت قائمة التغيير بشكاوى قضائية للاجهزة المركزية في بغداد ومنها المحكمة الاتحادية بخصوص لاشرعية اقرار دستور اقليم كردستان، وايضا قدمت للحكومة وثائق تثبت عدم استفادة مواطنو الاقليم من اي مبيعات نفطية تجري فيه!

بعد ان جرت الانتخابات وبعد ان حققت قائمة التغيير اختراقا قويا في نتائجها، عمل الطالباني وحزبه على النيل من انصار القائمة ومؤيدوها وخاصة العاملين منهم في الاجهزة الحكومية، ففصل من فصل ونقل من نقل، وعوقب من عوقب، وعلى اثر ذلك خرجت مظاهرات حاشدة في السليمانية منددة بهذه الاجراءات وهدد زعماء قائمة التغيير بنقل حيثيات المشكلة الى البرلمان العراقي في بغداد ومطالبته بسحب الحصانة عن جلال الطالباني كونه المسؤول المباشر عن هذه الممارسات التي اقل ما توصف بانها قمعية واستبدادية وليس لها علاقة لا من قريب او بعيد بما يتبجح به رئيس جمهورية العراق بانه رئيس لجمهورية ديمقراطية!

على اثر هذه الاحداث اجتمع الطالباني والبارزاني في منتجع صلاح الدين مؤخرا لتدارس ما يجب عمله لحصر هذه الشرارة والعمل على عدم انتشارها في اماكن اخرى من الاقليم، لان الاوضاع تتفاقم والكل يريد ان يعبر عن نفسه، ولم يعد مجديا التحجج بالصراع مع المركز لاشغال الناس عن همومها الحقيقية، لانهم يجدون ما تدعو اليه قائمة التغيير في مخاطباتها لبرلمان بغداد بالتدخل وممارسة دوره في المراقبة، عمل معرقل لمساعي البارزاني والطالباني لجعل الاقليم وقفا خاصا بهما لا مجال للتداول في شؤونه مركزيا!

اخيرا اليس من حق علينا لابناء شعبنا في السليمانية واربيل ودهوك في وصم حكم حزبي الطالباني والبرزاني بالديكتاتورية المتحايلة على الديمقراطية، من خلال فرز مكونات المصطلح الى دم و قراطية ليكون معناه حكم الدم، ونفس الحق مستحق علينا لكل ابناء شعبنا العراقي بوصم رئيس جمهوريتنا جلال الطالباني بكونه رئيس دم قراطي؟