المدرب الإسرائيلي: “تسلل”سياسي أم “تطبيع” رياضي؟!

محمد الرطيان

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2053 )

لا يعنيني إلى أي عائلة تجارية يعود السيّد ” علي الفرج ” مالك نادي بورتسموث الإنجليزي – مع احترامي للعائلة التي ينتمي إليها – فالأثرياء في بلادي ينبتون فجأة .. وبلا مقدمات أحيانا ً!
ولا يعنيني أنه لم يستثمر أمواله في عرعر – مثلا ً – واختار أن يستثمرها في ناد إنجليزي .. هي أمواله وهو حر فيما يفعله بها .

الذي يعنيني و ” يعكنن مزاجي ” ولا أستطيع أن أفهمه : أنه أختار مدربا ً إسرائيليا ً لهذا الفريق .. وبالإضافة للمدرب تعاقد مع لاعب إسرائيلي ليكون ضمن تشكيلة فريقه !

وإسرائيل – يا سادة يا كرام – من أقل دول العالم قيمة في كرة القدم ، ولا توجد لها أية إنجازات فيها ، فلماذا هذا الإصرار على مدربها ولاعبها والخيارات أمام السيّد ” الفرج ” كثيرة ومتنوعة ؟!

(2)

سيقول لي أحدهم : يوووه .. أنت ” دقة قديمة ” .. كل هذا الانزعاج لأنه إسرائيلي ؟!
وسأقول له : وما هي ” الدقة الجديدة ” التي اجتاحت العالم ، وما هي المواصفات المطلوبة لكي أكون ملائما ً لها ؟!

سيقول آخر : يا أخي .. كلمة ” إسرائيلي ” صارت حاجزا ً نفسيا ً .. عليك بتجاوزه !
سأقول له : كيف ؟… الذي أعرفه أن شعب مصر، ومثقفيها ، ومفكريها لم يستطيعوا – بعد حوالي الثلاثين عاما ً من اتفاقية السلام – أن يتجاوزوا هذا ” الحاجز النفسي ” – كما تسميه – فكيف تطالبني أنا أن أتجاوزه ؟! .. ثم لنفترض أنني تجاوزت هذا الحاجز ، وبقية الحواجز : الدينية / التاريخية / الجغرافية / … ومعها نسيت كلمات مثل : الكرامة / العزة / الشرف / العروبة … وكذلك مسحت من ذاكرتي الكثير من الصور المؤلمة وأولها صورة ” محمد الدرة ” … قل لي : كيف أتجاوز تاريخي الشخصي ؟

كيف أنسى أن والدي ” رطيان الشمري ” تركني طفلا ً ليلتحق بالقوة الكويتية الصغيرة المعسكرة على ضفاف القناة ؟.. كيف أنسى حديثه عن أشلاء رفاقه وهي تتطاير أمامه بفعل لغم إسرائيلي ؟.. كيف أنسى أحاديث أمي عن اثنين من أجدادي تركوا بادية نجد والتحقا بالجيش العربي الذاهب إلى القدس ولم يعودا ؟! .. كيف أنسى كل هذا ؟!

سيأتي صوت ثالث ليقول لي : يا أخي الفرنسيون نسوا ما فعله الألمان بهم !

سأقول له : لأن الألمان عادوا إلى ألمانيا ، وفرنسا عادت إلى الفرنسيين ، ولكن .. أين فلسطين؟
سيقول أحدهم وبسخرية : يااااه .. يا أخي خلك ” نيوليبرل ” .. هذه لغة تجاوزها الزمن .. لغة الإسلامويين ولغة ” القومجية ” العرب !

سأقول له : وما هي ” اللغة الجديدة ” لا رعاك الله ؟.. ومن الذي أسس قواعدها ؟.. هل هو سيبويه أم بوشويه ؟ .. وإذا أخرجت الإسلام والعروبة من لغتي .. بماذا سأحقنها بدلا ً منهما ؟!

(3)

لا أؤمن بنظرية المؤامرة كثيرا ً .. ولكن من حقي أن أسأل :
هل ” علي الفرج ” لوحده ؟! .. ومن أين أتى ، وكيف ظهر فجأة ؟
كيف استطاع – وبهذه البساطة – أن يكسر ” حاجزه النفسي ” ويكون أول قرار له التعاقد مع مدرب إسرائيلي ؟!
من الذي يقوم بـ ” تمييع ” عواطفنا وأحاسيسنا وانتماءاتنا .. ونظرتنا للأشياء ؟
هل ما يحدث هو أمر عبثي .. أم مخطط ومدروس ؟

(4)

يا ” علي الفرج ” .. هل شعرت في ذلك المساء بالملل فأردت أن تطرده بشراء هذا النادي ؟
هل كنت تبحث عن الأضواء التي تمنحها لك اللعبة الأكثر شعبية في العالم ؟
سأقول لك شيئا ً واحدا ً :
الضوء المنبعث من تنور عجوز فلسطينية مرابطة في أطراف الأقصى هو بالنسبة لي – وللغالبية من الشعب الذي أنتمي إليه – هو أجمل وأبهى وأغلى وأشرف من كل الأضواء التي سيمنحها لك الدوري الانجليزي .

ستدفع رواتب مدربك بجنيهاتك الإسترلينية / سيدفع هو ضريبته لحكومة إسرائيل / سيذهب جزء منها للتصنيع العسكري / ستنتج رصاصة توجه إلى صدر العجوز الفلسطينية . بالله عليك ( ودعنا من إسلامياً وعروبياً .. فالبعض لا يحبها ! ) بل : إنسانيا ً وأخلاقيا ً وحضاريا ً .. إلى جانب من سأقف ؟.. إلى جانب رصاصة مدربك الإسرائيلي أم إلى جانب عجوزنا الفلسطينية ؟

(5)

تباً لكل قلب يُنكر دمه .. ويخونه!

:::::

صحيفة الوطن السعودية – 18 أكتوبر 2009