“صهينة” العقل العربي بأموال عربية

مجدي سعيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2054 )

ليس غريبا على الصهاينة أن يقدموا رؤاهم الخاصة في تفسير التاريخ وسرد أحداثه وتحليلها، فهم حينما يفعلون ذلك يكونون متسقين مع أنفسهم، أما الغريب حقا أن يتم دعم وترويج تلك الرؤى بأموال عربية خليجية، حدث هذا ويحدث من خلال الترويج لتلك الرؤى الصهيونية مغلفة في غلاف أكاديمي أمريكي يتناول تاريخ علاقات أمريكا بالشرق الأوسط، وحتى لا يتوه القارئ أبدأ معه القصة من البداية.

منذ شهر تقريبا قمت بشراء كتاب مترجم بعنوان “القوة والإيمان والخيال.. أمريكا في الشرق الأوسط منذ عام 1776 حتى اليوم”، وهو من تأليف مايكل أورين وترجمة آسر حطيبة، ونشر داري نشر إماراتيتين، وتوزيع دار نشر مصرية، وسبب شرائي للكتاب هو أنني كنت قد بدأت منذ أعوام التقاط خيط الاهتمام بتاريخ تلك العلاقة من خلال قراءتي لكتاب حول تاريخ الكنيسة الإنجيلية في مصر، ومنذ شهور واصلت ما انقطع من اهتمامي بهذا الخيط من خلال قراءتي لرسالة دكتوراه منشورة حول تاريخ الجامعة الأمريكية في مصر، ومن ثم فحينما رأيت ذلك الكتاب قلت فلأواصل جذب الخيط حتى أعرف المزيد من خلال هذا الكتاب الذي يتناول مجمل تاريخ علاقات أمريكا بالشرق الأوسط، وحينما شرعت في الكتاب أملت خيرا، فالكاتب -كما يقول التعريف- حاصل على درجات علمية في تاريخ الشرق الأوسط من كولومبيا وبرينستون، وأستاذ زائر بجامعتي هارفارد وييل”، ومن ثم فقد أكون أمام كتاب علمي يشبع شغفي بمعرفة هذا التاريخ المهم لمنطقتنا، ولا أعرف كيف جاءني هاجس أن الكتاب ربما يكون لواحد من أولئك المناهضين للسياسة الأمريكية التي تجلت مع إدارة بوش الابن تجاه الشرق الأوسط وأخذت ذروتها مع الاحتلال الأمريكي للعراق، وأن ذلك ربما يكون دافع القوم لترجمته، وما إن سرت في الكتاب صفحات وفصولا حتى انقبض قلبي، وشعرت بأنني على وشك أن أكره نفسي وتاريخ أمتي العربية والإسلامية، متسائلا: هل كنا حقا بهذا السوء؟ هل كنا حقا مجرد برابرة متوحشين؟ وأحسست حينها أن الكاتب إنما يقدم بكل تأكيد كتابا أحادي النظرة لتاريخ تلك العلاقات، لكن صفحات وفصولا أخرى جعلتني أتساءل أيضا: هل كان المبشرون الأمريكيون الأوائل حقا يحملون رؤية صهيونية متجذرة، وأن ذلك كان هو أحد أهم دوافعهم لدخول منطقتنا؟ وعند هذا القدر من التساؤلات بدا لي أنه لزاما علي أن أعرف المزيد عن الكتاب والمؤلف من خلال شبكة الإنترنت، وهنا كانت المفاجأة.

من هو مايكل أورين؟

تقول لنا موسوعة ويكيبيديا عن مايكل أورين Michael B. Oren إنه عالم ومؤلف ومؤرخ إسرائيلي ولد عام 1955، يعمل حاليا سفيرا لإسرائيل في الولايات المتحدة، سبق له أن نشر كتبا ومقالات وبحوثا حول تاريخ الشرق الأوسط، وأنه مؤلف أحد الكتب الأكثر مبيعا “ستة أيام من الحرب: يونيو 1967 وصياغة الشرق الأوسط الحديث”، وهو الكتاب الذي حاز جائزة أفضل كتب التاريخ من صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وهو زميل أول لمركز شاليم في أورشليم (القدس)، ومحرر مشارك لدورية “ذا نيو ريبابلك” The New Republic ولفصلية مركز شاليم “آزور” Azure.

وقد ولد أورين في نيويورك وتربى في نيوجيرسي لأسرة يهودية محافظة؛ حيث كان ناشطا في حركات الشباب الصهيوني، وفي عام 1977 أنهى أورين درجته الجامعية من جامعة كولومبيا، ثم حصل على الماجستير في الشئون الدولية عام 1978 من نفس الجامعة، ثم هاجر إلى إسرائيل عام 1979، ثم عاد ليحصل على الدكتوراه من جامعة برينستون عام 1986 في مجال دراسات الشرق الأدنى.

وقد خدم أورين في الجيش الإسرائيلي في مناصب عدة منذ عام 1979، وكان آخر ما قام به هو دور مسئول العلاقات الإعلامية خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة 2008/2009، وقبله تولى مهمة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خلال العدوان على لبنان عام 2006.

الرجل إذن إسرائيلي صهيوني حتى النخاع منذ عام 1979 على الأقل، والسؤال هنا أين كانت تلك المعلومات في تعريف داري النشر الإماراتيتين بالكاتب؟ نعم تعلن الداران بشكل واضح أنهما غير مسئولتين عن آراء المؤلف وأفكاره (أي مؤلف لأي من كتبهما)، لكن هذا لا يعفيهما من مسئولية تضليل القارئ، والذي لا أظن أنه قد وقع منهما غفلة وسهوا، فتاريخ الرجل أوضح من أن يسهى عنه، وبداية أقول إنني لست ضد ترجمة ما يكتبه رموز العدو الصهيوني، لكن من الغفلة أن ندفن رءوسنا في الرمال، فلا نقرأ ما يكتبون ويمسنا بالدرجة الأولى، لكنني ضد استغفال القارئ العربي وتقديم كتاب ما على أنه أكاديمي علمي، وهو في حقيقته كتاب أيديولوجي صهيوني بلا مواربة، فلماذا المواربة والإخفاء؟، هل هو مجرد الربح المالي؟ أم إنه يهدف إلى صهينة العقل والوجدان العربي، وأن نكره أنفسنا ونحب أعداءنا؟ سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة.

كيف يقدم الكتاب التاريخ؟

كتاب القوة والإيمان والخيال الذي يجيء في 587 صفحة من القطع الكبير (إضافة إلى هوامشه غير المترجمة) -والصادر بالإنجليزية عام 2007 والمترجم عام 2008- يقدم تاريخ علاقات أمريكا بالشرق الأوسط من خلال سرده لمجموعة من القصص الصغرى التي تحويها كتب العسكريين والمبشرين والمغامرين، ويرى منذ البداية أن هذا التاريخ يدور حول ثلاثة محاور، وهي المحاور التي ضمنها في عنوان كتابه: وهي محور علاقات القوة ويعني بها القوة العسكرية، ومقولته الأساسية فيها إن منطقة الشرق الأوسط وشعوبها لا يفهمون إلا لغة القوة، وإنهم ليسوا إلا مجموعة من البرابرة وقطاع الطرق (بحرية كانت أم برية)، وإنهم يتميزون بالصلف والغباء والطمع والوحشية، وإنه لا يجدي معهم أسلوب شراء سكوتهم بالمال والرشوة، وإن أفضل وسيلة للتعامل معهم هي إلزامهم حدودهم وتأديبهم بالقوة.

أما المحور الثاني الذي يقدم الكتاب من خلاله تاريخ العلاقات فهو محور الإيمان، ويعني به الكاتب إيمان المسيحيين الأمريكيين البروتستانت بأنهم رسل الله لهداية الشرقيين -عربا وعجما مسلمين ومسيحيين شرقيين- إلى الإيمان الذي يؤمن به هؤلاء وهو المسيحية المتلبسة بالصهيونية الساعية لإعادة مجد إسرائيل، بإعادة اليهود إلى الأرض المقدسة إيمانا وتطبيقا للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وبالرؤى البروتستانتية، وأن الشرقيين لغبائهم يقاومون تقبل هذا الإيمان، بينما يصر الأمريكيون على هدايتهم.

المحور الثالث الذي يدور حوله تاريخ العلاقات هو محور الخيال، ويعني به الكاتب الخيالات التي تكونت في وجدان الغربيين عموما والأمريكيين خصوصا من خلال الإنجيل والتوراة وألف ليلة وليلة، تلك الخيالات التي تمزج بين الشوق للأماكن التاريخية التي جرى فيها تاريخ المسيحية واليهودية الأول، وبين الخيالات الحسية التي ترسمها “ألف ليلة وليلة” عن نساء الشرق وسحره، وهي الخيالات التي ما فتئ الكاتب يؤكد أنها أحبطت لدى وصول طلائع المبشرين والمغامرين الذين قوبلوا بتخلف وبربرية الشرق وقذارته ومدى انحطاط أهله وحضارته، ومدى حقارة أهله وأديانهم، إسلامية كانت أم مسيحية شرقية.

وكما نلاحظ في الكتاب فإن الأسلوب القصصي المستخدم والمحبب للقارئ مع الصورة شديدة القتامة للشرق وأهله، والشعور الكامن بالتمركز حول الغرب وحضارته ودياناته ومشروعاته متسرب ومنساب في كل سطر من سطور الكتاب في أسلوب يجعلك -كما قلت- تكره نفسك وتاريخك وتحب عدوك وتاريخه، ويضاف إلى ذلك ما ألمح إليه الكاتب في عنوانه ألفرعي من أن هذا التاريخ ممتد “حتى اليوم” -أي يوم- وإلى أبد الآبدين.

الكتاب والقارئ والناشرون

على الرغم من الخداع الإستراتيجي للقارئ الذي مارسته دارا النشر الإماراتيتين، والذي يستوجب وقفة من القارئ ألفطن، فإن الكتاب يستدعي القراءة من نفس القارئ على نور وبصيرة بانحيازاته المسبقة، وليس في ظلمات التضليل التي مارستها دارا النشر، وكل من قام بعرض الكتاب من صحف ومواقع عربية نقلت كالببغاوات معلوماتها عن الكتاب عن البيان الصحفي الذي وزعته المؤسستان، والذي عاود إغفال حقيقة الكتاب (لمن يريد التثبت عليه بالبحث عن عنوان الكتاب بالعربية).

:::::

“أخبار العالم”