قناة الجزيرة لم تقل لجولدستون أن فلسطين عربية!

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2056 )

شاهدت مقابلة صحفية أجراها مندوب الجزيرة في واشنطن مع ريتشارد جولدستون الخبير الذي زاد شهرة بعد تقريره الأخير عن هيروشيما غزة. كان ذلك يوم السبت الساعة الرابعة بتوقيت “رام الله”! ما قاله الرجل هو ما تضمنه التقرير. لكن ما لفت نظري قضيتين مثيرتين تماماً:

الأولى: ذلك الضعف والتهافت لدى مندوب الجزيرة فيما يتعلق بحق المقاومة كمقدمة لحق العودة.

والثانية:الحديث عن قيام الكيان وحركة حماس بالتحقيق للوصول إلى من أمر بإطلاق النار من الطرفين.

حق المقاومة

من الواضح أن جولدستون منطلق من التيار السائد في السياسة الدولية ومن هيمنة الولايات المتحدة هلى صعيد السياسة العالمية والتي في هذا المستوى مرتكزة على أن:

“إسرائيل دولة شرعية تعيش على ارضها، وأن ما قامت به المقاومة الفلسطينية سواء في غزة اليوم أو منذ عقود هو عدوان فلسطيني على دولة جارة ذات سيادة. وعليه، يكون دور هذا القاضي أو غيره هو دور فني لمعرفة من هو الطرف الذي بدأ بالقصف، ولا قيمة للفارق الهائل بين عدد الضحايا والخسائر المادية، بمعنى أن كل طرف اعتدى بقدر ما لديه نار”

هذا التحديد الفني في السياسة الدولية مفهوم تماماً حين تكون هناك دولة وأخرى، كل واحدة على أرضها. وسواء علم جولدستون أن الكيان يقوم على أرض مغتصبة، أم لم يعلم، وهو لا شك يعلم، إلا أنه ليس مُطالباً بموقف إنساني أو أخلاقي ليقول ذلك وينطلق منه، كما أنه لا يمكن أن يُقايض منصبه ودخله في مهنته بالوقوف موقف حق يؤكد حق الفلسطينيين بالمقاومة ضد مغتصبي أرضهم. فدراسة القانون أمر، والوقوف موقف أخلاقي وثوري أمر آخر ويتطلب بشراً آخرين. هذا ناهيك عن أن جولدستون يعرف أن عرباً وفلسطينيين يعترفون بالكيان على أرضهم!

من كان عليه توجيه الحوار إلى حق العودة وبالتالي حق المقاومة هو الصحفي العربي الذي يعلم من أمه وابيه أن فلسطين مغتصبة، وأن للمقاومة حق الضرب، وأن من الجريمة بمكان مجرد التفكير الرسمي بمعاقبة أو إدانة او متابعة مقاومين!

لماذا إذن لم يحاول الصحفي الأنيق والمؤدب أن يطرح الحقيقة هذه؟

لماذا يجبن عن التعرض لها ولو بالتلميح؟

هل يُعقل أن يتنازل صحفي عن حقيقة إنسانية وقومية كهذه؟

هل المسألة هي سياسة فضائية الجزيرة، ودولة قطر؟

لا شك أنها كذلك! فالجزيرة وقطر تماماً كالإجماع الدولي الرسمي. لكن هذا الإجماع يستدعي تحدياً من جانبنا. وإذا لم نفعل، فسنبدو حقاً معتدين على “بلد” آمن، وبالتالي، كأننا نقول للعالم “اشكروا إسرائيل التي تملك النووي لأنها لم تضربنا به فنحن المعتدون”.

إن التهرب العربي الرسمي والفلسطيني الرسمي عن ذكر حقيقة أن الكيان غاصب، بل إن الاعتراف بالكيان امام العالم هو الذي أعطاه فرصة تنفيذ هيروشيما في غزة، فرصة الضرب بأعلى إفراط ممكن.

إن الاعتراف بالكيان، من عرب وفلسطينيين، وتصرف سلطة الحكم الذاتي كما لو كانت دولة هو الذي جعل قيام الكيان باستخدام أكثر الطائرات الحربية قدرة على الفتك بضرب مدنيين عزَّل. هذه حالة لا مثيل لها في التاريخ، أن تقوم دولة نووية بضرب شعب أعزل بينما يرى العالم ذلك أمراً عادياً، بل تصوره الولايات المتحدة “دفاعاً عن النفس”، ويدرجه الاحتلال في خانة “الأمن” أي صناعة الأمن.

اود التذكير هنا، أن قناة الجزيرة نفسها قد استضافت شمعون بيرس خلال العدوان على غزة لمدة 40 دقيقة متواصلة وهو يشرح للعرب، كل العرب، بأن حماس تطلق الصواريخ على “أرض اليهود”. ولم يعترض الصحفي من الجزيرة على حرف واحد من هذا! فأية مهمة وراء هذه المحطة!

التحري عمَّن اصدر الأوامر

لقد عامل التقرير الكيان الصهيوني كما لو قام باشتباك صغير على الحدود مع الجيران. هذا معنى التحري عمَّن اصدر أوامر إطلاق النار. فليس الأمر بالنسبة للكيان مجرد اشتباك. هو حالة قيام دولة بحرب. هو نظام حكم بأكمله قرر حربا إبادية لم ينقصها سوى استخدام السلاح النووي. هذا يعني أن التحري عن من أمر بإطلاق النار هو نفاق دبلوماسي.

أما في حالة حماس، فالأمر يجب أن يكون مرفوضاً من حيث المبدأ، ليس للفارق بين عدد الضحايا وحجم النار، بل لأن الفلسطيني يمارس واجبين:

□ الدفاع عن أرضه المحتلة 1967

□ والعمل على تحرير أرضه المحتلة 1948.

نعرف تماماً أن كثيراً من ساسة ومثقفي التسوية وأوسلو من الفلسطينيين والعرب سوف يهزأون من هذا الحديث. ولكن، متى كان القياس على مواقف هؤلاء؟

بقي أن نقول، إن تحفظ حركة حماس على التقرير، هو تحفظ حقيقي وصحيح حيث ساوى بين الطرفين، لكن من أعدوا التقرير ليسوا سوى ثلة صغيرة من النفاق الدولي والتفريط الذي تمارسه الدولة القُطرية كنهج ، حيث هذه جميعاً تعمل الآن جاهدة لشطب حق العودة.

إن هذا الموات في الشارع العربي والفلسطيني هو المسؤول الأول عن تصفية شعب وقضية.