إسرائيل والتحولات… المعادلة ومفارقاتها

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2057 )

منذ قرون خلت، وحتى قبل فكرة “الدولة المانعة” التي كان المطلوب زرعها بين مشرق العرب ومغربهم، فكر الغرب الاستعماري في اختراع إسرائيله. كان هذا سابقاً على انطلاق الفكرة الصهيونية نفسها، وعندما سنحت له الفرصة المواتية بداية القرن المنصرم إثر حصاد الحرب العالمية الأولى بدأ مجتهداً في صناعتها. وقبل ما يزيد عن نصف القرن بعقد، وإثر ما آلت إليه الحرب العالمية الثانية، حقق قيامها. أمن لها منذ البدء السبل لاغتصاب فلسطين العربية وما مكنها من نكبة أهلها. ومن يومها أيضاً، أمّن لها ولازال كافة سبل البقاء والاستمرار والازدهار… وضمن لها ولايزال سبل القوة والقدرة والجرأة، ونصب لها مظلة الحماية الدائمة المادية والمعنوية، لكي تمارس وجودها العدواني المنسجم مع طبيعتها الاستعمارية الإحلالية القائمة على نفي الآخر والتي لا تستقيم إلا به… مكنها من أن تفرض هذا الوجود قسراً وقهراً وبالحديد والنار والدماء على أمة معتدى عليها… أمة رغم كل ما تعيشه من مظاهر واقعٍ منحدر غير خافٍ على أحد، يتفاقم في ظل غياب مريع للإدارة السياسية، هذه التي لا تنقصها سواها على الصعيد الرسمي، والتغييب القسري لهذه الإدارة على المستوى الشعبي، إلا أنها رغم كل هذا وكل الانكسارات لا تنفك تعبر عن رفضها لهذا الوجود العدواني الغريب والطارئ والمفتعل بين ظهرانيها ولا تقبل به. وهي إذ تقاومه نظراً لراهنها بأضعف الإيمان، فلا التاريخ ولا الجغرافيا ولا الاحساس بالظلم والمهانة يضمن أنه في راهنٍ مختلف لها عن راهنها هذا سوف لن تنهض لكي تأخذ أجيالها اللاحقة حقها مستعاداً كاملاً بيدها.

هذه المعادلة، التي أنتجت كياناً مفتعلاً، هو عبارة عن ثكنة غربية متقدمة مدججة حتى الأسنان بآخر مبتكرات آلة الموت المتطورة، أو كما يقال جيشاً لجباً له دولة ملحقة به، بفضل سهر من اخترع وأقام وضمن البقاء والاستمرار والرعاية والحماية لها، قد غدت تبدو المدللة المعصومة، التي تتصرف باعتبارها فوق القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وحتى أبسط معاني القيم الإنسانية، أي التي ترى نفسها فوق المسائلة وبمنجى من العقاب، وحتى في غنى عن تبرير كل ما ارتكبه، وصولاً إلى تجريمها لكل من ينتقدها، أو يشكك في روايتها الخاصة التي تزوّرها ورؤيتها لنفسها التي تفرضها، شاء من شاء وأبى من أبى… مثلاً، لا حصراً، قررت إسرائيل رفض تشكيل لجنة تحقيق في إتهامات تقرير غولدستون لها بارتكاباتها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إبان حرب العدوان على غزة، وتشكيل وحدة لمحاربة التحقيق وتبعاته القضائية والدولية… وأكثر: السعي ل”مبادرات دولية لتعديل قوانين الحرب”، أي للي عنق القوانين المتفق عليها دولياً حتى لا تطالها أو لا تنسجم مع ما تريده منها!!!

هذا وجه واحد من وجوه هذه المعادلة، أما الآخر، فهو، ولأن هذا المنتج الغربي يدرك في قرارة نفسه إدراكاً لا لبس فيه بأنه الغريب المعتدي والغازي المغتصب والمفروض المرفوض، ولا يغيب عنه للحظة بأن الصراع الناجم عن وجوده هو مديد ومن طبيعة تناحرية، بمعنى أنه صراع وجود لا حدود بالنسبة لطرفيه كليهما لايحسم إلا لصالح واحد منهما، فقد غدا هذا هاجساً قاتلاً بالنسبة له، أو فوبيا عدم اطمئنان مزمن وأبدي إلى احتمالات البقاء، وكنا قد تطرقنا لهذا في المقال السابق عندما تحدثنا عن ملامح أو نذر التحول التركي الاستراتيجي وردة الفعل الإسرائيلية عليه… من هنا، نجد تفسيرنا دون عناء لهذه المفارقات الراهنة التي تعيشها إسرائيل هذه الأيام، والتي منها ثلاث:

الحملة الإسرائيلية الإعلامية المتصاعدة والمحمومة على تركيا، التي تنطلق من النظر إلى المواقف التركية الأخيرة من عدوانيتها على أن فيها ما يفوق مجرد “إشارة حمراء”، وبالتالي تستحق كل هذا التنديد الإسرائيلي ب”العثمانيين الجدد”، والعودة إلى إحياء مصطلح “رجل أوروبا المريض”، وتوصيف مثل “الخاسر المناوب”، ولدرجة التذكير بمجازر الأرمن، والزعم بأنها كانت مثالاً لعدم مبالاة العالم في حينه والتي من شأنها أن شجعت هتلر على ارتكاب ما ارتكب ضد اليهود، وأخيراً، وليس آخراً، الدعوة لإعادة النظر في اعتبار الدولة العثمانية دولة متسامحة مع يهودها، بل وصل الهجاء الإسرائيلي للأتراك حد التنديد بإقدامهم على إخلاء تل أبيب، التي كانت أقل من أن توصف بقرية صغيرة في خاصرة مدينة يافا الفلسطينية إبان الحرب العالمية الأولى، استعداداً لمواجهة الجيوش البريطانية القادمة من مصر والغازية لفلسطين!

الثانية، ردة الفعل المتسمة بالقلق الشديد والمعبرة صراخاً عن الغضب الذي لا يخفي رعباً من مجرد ما يبدو، من وجهة النظر الإسرائيلية، أنه تساهل قد أبداه الغرب أو أُجبر عليه، لكي يتوصل إلى اتفاق حل مع إيران يتعلق ببرنامجها النووي السلمي… حملة على البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية، لتقديمه مقترح ورقة هذا الاتفاق المنشود، حيث يرون فيما رحبت به أطراف التفاوض في جينيف بلا استثناء، وفق توصيف للمراسل العسكري لصحيفة “يدعوت أحرونوت”، أنه “ليس ضوءاً في نهاية النفق، وإذا كان كذلك، فلابد أنه ضوء كشاف لامع لقطار سريع يسير نحونا مندفعاً ومبشراً بالمصيبة”. ولأنهم يعتبرون، وفق ما جاء في صحيفة “إسرائيل اليوم”، قبول إيران المنتظر أو المرتجى إن حدث بالمقترح التسوية التي تحفظ للغرب ماء الوجه، وتعترف لإيران بحقها الذي تكفله لها مواثيق وكالة الطاقة النووية نفسها، بأنه “خداع وتضليل… حيث في يومٍ من الأيام سيفيق العالم ويكتشف أن القنبلة النووية الفارسية قد بنيت، أو تم تنفيذ تجربة تحت الأرض، من دون أن تظهر أي إشارة على وجه أحمدي نجاد، وعلى الدوام سيوجد محامون يدعون لابتلاع المرارة”!

لماذا كل هذا العويل الإسرائيلي؟ إنهم يفسرونه بأنفسهم. إنما هو لأن اتفاق البرادعي إن تم فيعني بالنسبة لهم فك عزلة إيران، ويؤمن لها تجنب شر الضربة الأمريكية المنشودة إسرائيلياً وينزع مبررات حدوثها، وبواسطته سوف تنتزع طهران لمشروعها النووي شرعيةً دوليةً كان يحاول الغرب حرمانها منها، والأدهى، إنه سوف يعطيها لا محالة دوراً أكبر كقوة إقليمية كبرى!

أما المفارقة الثالثة، فهي من جزئين، الأول هو مناورة “جونيبر كوبرا” العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الدائرة هذه الأيام، أو مناورة “العمل بصورة مشتركة” والتي تعني الاعتماد المتبادل بين الحليفين، ونقل تحالفهما إلى مستوى أكثر سطوعاً ووضوحاً، بما يعني تخلي الطرف الأمريكي فيه عن حرج أو نفاق سابق حيث كان يبدي قليلاً من التستر كقليل من مراعاة لخاطر أصدقائه من العرب سابقاً… باختصار، المناورات التي حققت بإمتياز مقولة الثكنة المتقدمة للغرب ذات الدور والوظيفة في خدمته، ليس في بلادنا العربية فحسب، وإنما تتعداها إلى جواريها الإسلامي والإفريقي وما ورائهما أو ما بعدهما… لماذا؟

رغم أن هذه المناورة هي الخامسة، إذ تجري كل عامين، فإنها الأكبر والأضخم والأوسع، والتي يشرف قائد الأسطول السادس الأمريكي عليها. إذ يشارك فيها آلاف الجنود من الطرفين، وعشرات البوارج الحربية والطائرات، ومنظومات دفاع جوي من طراز “ثاد” و “اس م3” و “باتريوت” و “باك3” الأمريكية، بالاشتراك مع “حيتس” الإسرائيلية التي هي أصلاً أرو الأمريكية، بالإضافة إلى منظومة الكشف والتعقب البحرية الأمريكية “إيجيس”، ثم مجموعة الرادار الأكثر تطوراً التي نصبها الأمريكان قبل حوالي العام في النقب المحتل، والتي ترصد الصواريخ من مسافة تزيد على أربعة آلاف كيلومتر… ومع هذه وتلك وما يعني، فإن الهدف الثنائي المعلن منها هو بلورة أساليب عمل مشتركة لمواجهة أي خطر يتهدد أمن إسرائيل والقدرة الأمريكية للدفاع عنها… أما ما يريده الإسرائيليون منها فيكمن في كون أن “الأهداف الأساسية من المناورة هي إقامة بنية تحتية ثابتة لاستيعاب منظومات أمريكية في أوقات الطوارئ عندما تتعرض إسرائيل لخطر حقيقي”… الخطر ممن؟

وأيضاً وفق المعلن، الصواريخ الإيرانية والسورية واللبنانية والفلسطينية…

… والآن، ما الذي يربط بين هذه المناورة ذات الأبعاد والنوعية وما قد يخلفه الأمريكان وراءهم من أعتدة ومنظومات وخبرات وخبراء للإسرائيليين بعد إنقضائها، والحملة المستعرة على “العثمانيين الجدد”، والتحذير الأقرب إلى الصراخ والعويل والتحريض من “الخداع والتضليل” الإيراني المزعوم، أو شرور ورقة البرادعي أو قطار المصيبة السريع المندفع نحوهم؟!

باختصار إنه ردٌ على كسر الأتراك لجناح “نسر الأناضول” أو المناورة الملغاة لأنهم لم يسمحوا للإسرائيليين بالمشاركة فيها، أو هو تعويض عنها، وتهويل مدروس موجه لإيران لابتزازها يترافق مع عملية محاورتها الجارية التي بدا وأن الغرب يستجديها هذه الأيام وفي نفس الوقت يتناقض معها… ورد على انكفاء المشروع الأمريكي المتعثر الخاسر في العراق والمأزوم المهزوم أو قاب قوسين أو أدنى من الاندحار في أفغانستان… وعلى إخفاقات الحرب الأخيرة على لبنان التي كان حصادها انتصار صمود المقاومة اللبنانية فيها… وأسطورية الصمود الفلسطيني الذي تلى في حرب غزة…

أما الجزء الثاني من هذه المفارقة الثالثة، فهو أنه وبالتزامن مع مناورة “جونيبر كوبرا” جاء الإعلان عن إعتقال مهندس يهودي أمريكي يعمل في مختبرات لإنتاج الأسلحة النووية الأمريكية، هو ستيوارت ديفيد نوزات، بتهمة محاولته الاتصال بإسرائيل ليتجسس لحسابها… الطريف هو تزامن هذه وتلك مع الإعلان سلفاً عن أمرين لهما دلالتهما هما: أن هذا المهندس الجاسوس هو المتهم وليست إسرائيل التي سيتجسس لها… ورسالة مصورة للمؤتمر الرئاسي الإسرائيلي السادس المعنون “مواجهة المستقبل” يبعثها الرئيس الأمريكي باراك أوباما يؤكد فيها: إن ما يجمعنا هو “رابط أكبر بكثير من التحالف الإستراتيجي”… لعل كل هذا مفهوم إذا ما عدنا به وأعدناه إلى المعادلة الأصل التي تمت الإشارة لها والتي نجمت عنها كل هذه المفارقات…