المستعمرون الإسرائيليون إلى اين؟

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2057 )

في الأحوال العادية، وفي ظل سيادة المنطق، تتلخص قضية فلسطين في أن لصوصا قتلة اقتحموا بلادا ليست بلادهم، فاستولوا عليها، واغتصبوا بيوتها ومزارعها وممتلكاتها، وطردوا وقتلوا واضطهدوا أصحابها، وان المفروض وما ينبغي أن يحدث بكل بساطة هو معاقبة اللصوص القتلة على الفور، منذ بداية عدوانهم وإعادتهم إلى أوطانهم، وإنصاف الضحايا بتمكينهم من استرداد بلادهم وحقوقهم!

غير أن أحوال هذا العالم في هذا العصر الأوروبي الأمريكي ليست عادية، وما يسوده هو علاقات الحروب العدوانية لا علاقات المنطق، وليس أدل على ذلك من الوقائع الغريبة المتعلقة بمصير التقرير الذي أعده نشطاء حقوق الإنسان عن جرائم الإسرائيليين الأخيرة في غزة، وهي الوقائع المذهلة التي يقف وراءها فعليا منظمو الحروب العدوانية المفتوحة من الاحتكاريين الدوليين، لأنهم هم الذين يقفون وراء جرائم الإسرائيليين منذ وجد الكيان الإسرائيلي، وهم المستفيد الرئيسي منها!

يقول تقرير أعدته الهيئة التنفيذية الصهيونية اليهودية عام 1921 ما يلي:” إن القيمة الإستراتيجية لفلسطين في نظر الإمبراطورية البريطانية هو الذي كان له الوزن الراجح عند إصدار وعد بلفور”! هذه هي الحقيقة البسيطة الواضحة فعلا كما دوّنها الصهاينة اليهود أنفسهم، وبديهي انه لولا وعد بلفور، أي لولا القرار البريطاني الأمريكي بإقامة الكيان الإسرائيلي، لما قام هذا الكيان أبدا، لأنه ما كان ليجد بين اليهود من يتحمس لإقامته، غير أن الحماسة صارت منقطعة النظير بين المغامرين من المرتزقة الصهاينة الذين لا يضيرهم العمل الإجرامي في ركاب مشروع حربي استعماري دولي يحقق لهم مكاسب استثنائية كبيرة لا يمكن أن يحققوها في الأحوال العادية المنطقية!

كان المؤتمر اليهودي الصهيوني الأول (1897) قد انعقد بالضبط كواحد من الإجراءات الامبريالية، وكجزء من عملية التحول التي طرأت على بنية النظام الرأسمالي الدولي، وفي لحظة تاريخية متفقة تماما مع بدايات ظهور الكارتيلات الاحتكارية، أي في تلك اللحظة التي تحولت فيها الرأسمالية إلى امبريالية، في بريطانيا عام 1895 وفي الولايات المتحدة عام 1896، ما عن الجاليات اليهودية فيقول أبراهام ليون أن 90 في المئة من اليهود على الأقل كانوا وسطاء وتجارا في بدايات عصر الرأسمالية كتابه: “المفهوم المادي للمسألة اليهودية” وهذا القول يفسر قرب اليهود الصهاينة الحميم لاحقا من مراكز القرار الامبريالي، إضافة إلى ما لا يحصى من الوثائق والوقائع والبراهين التي تؤكد بصورة قاطعة أن تطور الحركة الصهيونية اليهودية كان وظل وسوف يبقى متلازما مع تطور النظام الاحتكاري الدولي!

غير أن ناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي الأسبق، يصر أن مؤتمر عام 1897 الصهيوني اليهودي الأول “جاء تجسيدا لذلك العناد (اليهودي) الرائع المخيف الذي رفض الانحناء أمام الأكثرية (الأممية)”! ثم يتحدث باستخفاف مدهش عن الإلهام الذي هبط على ثيودور هرتزل فجأة فيقول: ذلك اليهودي الكامل التمثل، الذي يجهل كل الجهل الدور الرئيسي الذي لعبته العودة إلى صهيون (فلسطين) في الدين والفلسفة والتصوف لدى الشعب اليهودي.. وتحت وطأة الهام مفاجئ اعد كتابة “الدولة اليهودية” عن كتاب غولدمان: “إسرائيل إلى أين”؟

بغض النظر عن تفسيرات غولدمان الطريفة، الحربية العدوانية اللا منطقية، نقول أن التمركز اليهودي في قلب المواقع المالية الدولية العليا أو على مقربة منها هو محصلة ظروف تاريخية عاشتها التشكيلات اليهودية الطفيلية، التي لم يكن لها في أي زمن من الأزمنة دور أممي ايجابي، فدورها عموما اقتصر على السعي وراء أهداف مادية، لا دينية ولا إنسانية، حيث كانت دائما في خدمة نظام اقتصادي وضعه الآخرون، وليس في خدمة الدين اليهودي أو القضايا الإنسانية الأممية، وعندما تتعارض الاعتبارات المالية أو الاقتصادية مع الدينية أو الإنسانية فان موقف الصهاينة اليهود يحسم لصالح الأولى، ولصالح سادتها (سادتهم أيضا) من غير اليهود أيا كانت جنسيتهم وديانتهم، حتى لو حدث وكانوا عربا مسلمين!

يقول أبراهام ليون: “في باريس اخذ البارون روتشيلد يولي اهتمامه لعملية استعمار اليهود لفلسطين، فهو كان ينظر بغير رضا إلى وصول المهاجرين اليهود (من شرق أوروبا) بشكل جماعي إلى بلدان أوروبا الغربية، ومثل جميع الأثرياء اليهود كان روتشيلد يتظاهر بمساعدة إخوانه التعساء في الرجوع إلى بلد الأجداد (فلسطين) بينما هو في الحقيقة يريد ذهابهم إلى ابعد ما يمكن، خوفا من تصاعد اللاسامية وإلحاقها الضرر بالأثرياء اليهود، ولان إبعادهم يرضي تماما الرأسمالية الأوروبية”!

انه لمن الواضح أن تفسير ليون اليساري هو الوجه الآخر لتفسير غولدمان اليميني! لقد توقع أبراهام ليون خطأ، بسبب تجأهله للحقائق الأساسية، تحلل القوة الاقتصادية لليهود وذوبانهم وضياعهم في مرحلة الامبريالية، وهو الذي لم يعش ليرى تجمعهم في فلسطين العربية، وتشكيلهم قاعدة استيطانية ثمينة لخدمة الامبريالية في واحد من أهم مواقعها الدولية!