الانتخابات و”العملية السياسية” في العراق

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2059 )

منذ أسابيع وما يسمى “الكيانات السياسية” في العراق تنفرط وتتشكل من جديد بالعشرات استعدادا للانتخابات العامة المقبلة، والمقرر لها أن تكون في مطلع كانون الثاني من العام المقبل. وبالرغم من أنه لا ديمقراطية تحت الاحتلال، ولا شرعية لما تسفر عنه انتخابات تتم تحت سلطته، كما ترى المواثيق الدولية، إلا أن الضجة العالية المسموعة في بغداد والتي تكاد تعلو على أصوات التفجيرات، التي تجعل من أكذوبة “الاستقرار واستتباب الأمن” أوضح من أن تحتاج إلى دحض، تفرض على المراقب أن يتوقف أمام بعض ما تثيره هذه الانتخابات من مسائل، كالأهداف المرجوة منها، ثم أثرها على مستقبل العراق.

ومن المفيد، بداية، أن نتذكر أن الانتخابات المقبلة هي الرابعة من نوعها، حيث جاءت الأولى ببرلمان مؤقت وحكومة انتقالية، في 13/2/2005، وجاءت الثانية للتصويت على ما سمي الدستور الدائم، في 15/10/2005، الذي نظر إلى الشعب العراقي باعتباره طوائف وأعراق، فأسس ل “المحاصصة الطائفية والعرقية” التي قتلت الزرع والضرع بعد ذلك ولا تزال. وجاءت الثالثة ببرلمان وحكومة لأربع سنوات، في 15/12/2005، أقرت من خلالهما “الاتفاقية الأمنية” التي شرعنت الاحتلال وكرسته مرجعية عليا للبلاد. وكما يرى كاتب عراقي، كان الغرض من كل ذلك “إيجاد آلية سياسية تمكن أميركا من حكم العراق بطريقة تبدو غير مباشرة، بعد فشل الحكم المباشر عبر الحاكم العسكري جي جارنر، ثم الحاكم المدني بول بريمر”.

وبعد إجراء الانتخابات المحلية الأخيرة، في شهر شباط الماضي، وظهور نتائجها بفوز قائمة نوري المالكي، رأت الأوساط السياسية والصحفية الأميركية أن تلك النتائج مثلت “انتصارا للأهداف الأميركية في العراق”، وعززت صورة المالكي كرجل العراق القوي، كما رأت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز- 5/2/2009). أما صحيفة (واشنطن بوست- 5/2/2009)، فرأت أنها “أظهرت نزعة لدى العراقيين لدعم ذوي التوجهات المعارضة للتدخل الإيراني وتقسيم العراق، ونوعا من التعب والملل من الأحزاب الدينية التي حكمت منذ 2005 ولم تقدم شيئا للمواطنين على صعيد تحسين الأوضاع الأمنية والخدمات الأساسية”. وعزت الصحيفة الأميركية فشل كتلة الحكيم إلى: “ولاءاته الدينية، وعلاقته بإيران، ودعوته إلى الفيدرالية”.

وفي آخر زياراته لبغداد، قال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، المسؤول عن الملف العراقي، شارحا أهمية الانتخابات المقبلة: “نجاح الانتخابات المقبلة شرط ضروري لحل بعض المسائل العالقة في العملية السياسية، وإنجاز المصالحة الوطنية وإشراك قوى وأحزاب جديدة في العملية”. عند هذا الحد ينبغي أن لا ننسى أن أميركا لا تزال المتحكم بالعراق وبالعملية السياسية فيه، وكل المشاركين في سباق الانتخابات لا يزيدون عن بيادق على لوحة شطرنج تخصها، وهي التي تقرر أي بيدق يجب أن يفوز في السباق، وهو دائما من تعتقد أنه الأكثر قدرة على خدمة السياسة والأهداف الأميركية في العراق.

وباستذكار ما أشارت إليه الصحف الأميركية وثيقة الاطلاع حول نتائج ودلالات الانتخابات المحلية الأخيرة، وما حدده نائب الرئيس الأميركي عن معنى نجاح الانتخابات المقبلة، وما صدر عن الرئيس أوباما نفسه حول الموضوع، نستطيع أن نتبين بشكل جيد إلى أي مدى يلتزم المالكي بالتوجيهات الأميركية في ما يقول ويصرح استعدادا لخوضها، أملا في تحقيق فوز مشابه لما حققه في الانتخابات المحلية. فمن خلال أقواله وتصريحاته، يحاول المالكي (لفظيا) أن يوهم مستمعيه أنه تخلى عن كل ما أوصله إلى السلطة، أحزابا ومنطلقات وأنصار، فيقول في واحد من تلك التصريحات: “يجب أن نغلق باب الطائفية لإكمال المشروع العراقي لبناء دولة المواطنة والمؤسسات”، مؤكدا على “المصالحة الوطنية” سبيلا إلى ذلك المشروع، مع التأكيد على انه “لا صلح مع من قتل الشعب وتلطخت يداه بدماء العراقيين”. ويبدو أنه يغيب عن ذهن المالكي أن من يريد أن يغلق باب الطائفية عليه أولا أن يلغي الدستور الذي أقر الطائفية كأساس أول لبناء “العراق الجديد الديمقراطي”، أي عليه أن يلغي “الدستور الدائم” المعمول به. وإذا كان المالكي قد تجرأ وتحدث عن الحاجة إلى “مراجعة” هذا الدستور، فهل يتجرأ على التفكير بإلغائه، وهل يقدر على ذلك؟ ألا يحتاج قبل ذلك إلى إلغاء “الاتفاقية الأمنية” حتى يستطيع التفكير ببنية دستورية جديدة؟ وهل يمكن التفكير بذلك ما دام هناك مائة وخمسون ألف جندي أميركي على أرض العراق؟ ثم إذا كانت “المصالحة الوطنية” ضرورية لمشروع “طموح” كالذي يتحدث عنه المالكي، وكانت مقولة “لا صلح مع من تلطخت يداه بدماء العراقيين” هي القاعدة، فمع من ستكون هذه المصالحة، وعلى أية قواعد سيجري الحوار بشأنها؟ وماذا عن آلاف المعتقلين، وعن “قانون اجتثاث البعث”؟ لقد أوضح المالكي أن “المصالحة مع من نختلف معهم”، فمن هم هؤلاء؟ هل يعنى المالكي الأطراف المشاركة في “العملية السياسية”، أي مع القابلين بالاحتلال وسياساته ومخططاته في العراق؟ ألا يعيده هذا إلى المشروع الأميركي في العراق وليس إلى “المشروع العراقي”، وإلى الأسس الذي وضعها الاحتلال “لبناء العراق الديمقراطي الجديد” وأولها المحاصصة الطائفية والعرقية؟!

الوطنيون العراقيون يعرفون جيدا أنه لا يمكن بناء “عراق المواطنة والمؤسسات” قبل أن يوجد العراق المستقل، والعراق المستقل لن يوجد قبل أن يطرد أخر جندي أميركي من أرض العراق وقبل أن يصبح سيد قراره. وهم يعرفون أيضا أن ذلك لن يتحقق بدون مقاومة وطنية لها هدف واحد هو التحرير، والمقاومة الوطنية العراقية التي أفشلت الغزوة الامبريالية الأميركية ومشروعها في العراق، قادرة على تحقيق الهدف إن توحدت وتخلصت مما أصابها من وهن. أما “العملية السياسية” الجارية منذ احتلال العراق فهي ليست أكثر من آلية لتحقيق أهداف الغزوة الأميركية الفاشلة.