المستشرقون الجدد في إسرائيل

سراج عاصي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2059 )

لعلّ أحد أكبر المفارقات التاريخية في العصر الحديث، كما يرويها كل من الراحل إدوارد سعيد والباحثة إيلا شوحاط من جامعة نيويورك، هي تحوّل اليهود من ضحايا للنظريات المركزية الأوروبية ذات النزعة الاستشراقية إلى منتجين ومصدّرين لها منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك بعد أن تبنّى الخطاب الصهيوني عن فلسطين والفلسطينيين المقولات المركزية للاستشراق الغربي ليتحوّل الفلسطينيون في الأدبيات الصهيونية إلى ‘ضحايا ضحايا الاستشراق الغربي’.

في مقاله ‘الصهيونية، الاستشراق والفلسطينيون’ في مجلة الدراسات الفلسطينية (2003) سعى حايم غربر، المحاضر في التاريخ الإسلامي من الجامعة العبرية في القدس، إلى تقويض ثلاثة من الادعاءات المركزية التي يتأسس عليها الخطاب الصهيوني الرسمي حول فلسطين والفلسطينيين. أولا: لم يكن هناك قومية فلسطينية محددة. ثانيا: المجتمع الفلسطيني كان متخلّفا، مشتّتا وغير متماسك. ثالثا: الانهيار المفاجئ لفلسطين عام 1948 كان نتيجة طبيعية لخلل جوهري في بنية المجتمع الفلسطيني. هذه الأطروحات، كما يقول غربر، ليست حكرا على التأريخ الصهيوني الرسمي، وإنما هي مقولات مُؤسسة حتى في أدبيات ‘المؤرخين الجدد’ وعلى رأسهم بيني موريس.

مقال غربر يدحض جل الأطروحات الاستشراقية في الخطاب الإسرائيلي مبرهنا على أن الثورة العربية الكبرى (1936-1939)، وهي الأكبر في تاريخ الإمبراطورية البريطانية خلال القرن العشرين، هي دليل واضح على أن الشعور القومي عند الفلسطينيين كان قويا ومتناميا. ويضيف غربر أنه منذ 1886 تأسست إدارة الإمبراطورية العثمانية على البرلمانات التي، رغم وجود بعض الثغرات، قامت على انتخابات حرة شارك فيها الفلسطينيون. لكن على الرغم من موجة الانتقادات العنيفة التي تعرض لها الخطاب الاستشراقي في الغرب بدءا بكتاب إدوارد سعيد الشهير ‘الاستشراق’ مرورا بحركة ‘ما بعد الكولونيالية’ في الأكاديمية الغربية، فإن هذا الخطاب لا يزال حيا في إسرائيل. هذا الخطاب الذي تبنّته الأكاديمية الإسرائيلية على مدى ستين عاما يعود الآن بقوّة من خلال الصحافة والإعلام في إسرائيل ليتّخذ طابعا أكثر تعبوية ودعائية وشعبوية.

ولعلّ من أبرز هؤلاء ‘المستشرقين الجدد’ ران برايمن، مدير دائرة الأكاديميين للتحصين السياسي والاقتصادي 2001-2005. في مقال له في صحيفة ‘هآرتس’ الإسرائيلية بتاريخ 2009-10-04 بعنوان ‘المحتل الحقيقي’، كان برايمن قد حذّر مّما أسماه ‘الاحتلال العربي لأرض إسرائيل’، موجّها نقدا لاذعا إلى ‘اليساريين’ الإسرائيليين الذي يدعون إلى إنهاء ‘الاحتلال’ الإسرائيلي (واضعا عبارة ‘احتلال’ بين مزدوجين) ، ومعتبرا أن ‘حل الدولتين’ هو بمثابة ‘نكسة بحق أرض إسرائيل الكاملة’. برايمن يرى أن إنشاء ‘جبهة تحرير فلسطين’ في عام 1964، أي قبل ‘احتلال الضفة’ (الذي لا يعتبره احتلالا)، كان يهدف في الأساس إلى ‘احتلال أرض إسرائيل’ وليس إلى استعادة الأراضي المحتلة (التي يعتبرها أراضي محررة) مصرّا على أن مصطلحات من قبيل ‘احتلال’ و’الأراضي المحتلة’ تزيد من تغريب شعب إسرائيل عن وطنهم الحقيقي واغترابهم عن الأراضي التي تم احتلالها (هذه المرة من دون مزدوجين) على أيدي الجيش الأردني عام 1948 ولمدة 19 عاما.’

ويهاجم برايمن اتفاق أوسلو، الذي كان قد أطلق عليه في مقال سابق (نكبة اليهود) عبارة ‘النكبة’، والذي، على حد تعبيره، ‘مكّن ياسر عرفات ورعيانه (هكذا) من القدوم إلى أرض إسرائيل مع جيش من المخرّبين والمحتلين. ويضيف الكاتب أنه بعد موت إسحاق رابين، وضع اتفاق أوسلو المحتل (المحتل العربي-من دون مزدوجين) في مدن يهودا والسامرة لتتحول من أراضٍ محررة إلى أراضٍ محتلة (من دون مزدوجين). وفي حملة ‘حومات مغين’ (الحملة التي قام بها الجيش الإسرائيلي بين 29 اذار (مارس) و10 ايار (مايو) 2002 للإجهاز على ما اعتبروه آنذاك ‘البنى التحتية للإرهاب الفلسطيني’ في الضفة الغربية) اضطر جيش الدفاع الإسرائيلي من جديد لدفع ثمن دموي باهظ لتحرير الأرض من الاحتلال العربي’. ويعتبر برايمن أن ‘الدعوة لمنح دولة للمهاجرين العرب في أرض إسرائيل ولجيوشهم المنشأة، بسبب العمى الذي أصيب به بعض اليهود ودول العالم، هي دعوة ليس لها أي أساس، بل تعطي شرعية للواقع الذي أوجده السماح الآثم للجيوش المحتلة (العربية والإسلامية) بالدخول إلى أرض إسرائيل’. كما ويحذر برايمن من ‘التضحية بالحلم الصهيوني على مذبح ‘السلام’ (كلمة السلام أيضا وُضعت بين مزدوجين) ومن ‘حل الدولة ثنائية القومية’. الحل الوحيد الذي يقترحه برايمن هو’ تحويل العرب جغرافيا وديموغرافيا وديمقراطيا (ترانسفير ديمقراطي؟) من أرض إسرائيل إلى شرق الأردن’. ويختم الكاتب مقاله بالدعوة إلى ‘إنهاء الاحتلال العربي لأرض إسرائيل’.

ويتأسس مقال برايمن على طرح أساسي وهو أن ‘غالبية العرب المتواجدين في أرض إسرائيل قد قدموا في أعقاب موجات الهجرة اليهودية إلى أرض إسرائيل’. يعني ذلك، بتعبير برايمن، ‘الصهيونية والعمران الذي أتت به هما اللذان أنتجا ‘الشعب الفلسطيني’، فمنذ الاحتلال العربي لأرض إسرائيل في القرن السابع الميلادي، وعلى مدار قرون من الاحتلال الإسلامي، كانت أرض إسرائيل مجرد معاقل إمبريالية’ (أي قبل أن تأتي الصهيونية بالحضارة والمدنية والاستقرار إليها). في الواقع، مقال برايمن يستمد شرعيته من المقولات الأساسية للخطاب الصهيوني عن الفلسطينيين الذي يتبنى الفرضية المركزية للاستشراق الغربي المتورط مع الحركة الكولونيالية في الشرق وهي أن احتلال الشعوب الشرقية كان يدفعه الطموح الغربي إلى إعادة هذه الشعوب إلى مسار الحضارة الإنسانية وتصدير فضائل الحضارة الغربية إلى الشرق، وهو الخطاب نفسه الذي تبناه المحافظون الجدد في البيت الأبيض في سياق حملتهم الدعائية خلال الحرب على العراق تحت شعار ‘إحلال الديمقراطية’.

يمكن قول الكثير عن الأطروحات الواردة في مقال برايمن وما تحمله من تحريف للتاريخ القديم والحديث (الذي لا يكاد يتجاوز عمره الستين عاما)، وعنصرية تنم عن عقلية ‘استشراقية’ (وهنا أعني الاستشراق ذا النــــزعة الإمبريالية وليس الاستشراق الموضوعي). هذه الأطروحات لا تزال تعــــتبر الوجــــود الصهيوني في فلسطين بشارة ومنحة حضارية لشعــوب لم تكن لتعرف معنى الحضارة والمدنية لولا وجود الصهــيونية وإقامة دولة إسرائيل. في الواقع، مقال برايمن يعيد من الباب الخلفي أحد أكثر الأطروحات الصهيونية ذات النزعة الاستشراقية مركزيةً والتي تصوّر أرض فلسطين ما قبل قدوم ‘الفاتح الصهيوني’ أرضا قاحلة وخاوية وخالية من السكان ومن أدنى معالم الحضارة والمدنيّة.

هذا ليس جديدا على الخطاب الصهيوني الذي لا يزال يعتبر العرب والفلسطينيين مدينين للصهيونية حضاريا وثقافيا وإنسانيا وقوميا، مصرّا على أن الوعي القومي الفلسطيني، والعربي، مصدره الوجود الصهيوني في إسرائيل، وأن المجتمع الفلسطيني لم يكن مجتمعا بالمعنى الحديث للكلمة، بل بناء متخلفا تعوزه الوحدة والتماسك الاجتماعي. ويقود ذلك إلى الاستنتاج المركزي الذي تقوم عليه الرواية الصهيونية وهو أن ‘هرب’ الفلسطينيين في عام 1948 كان نتيجة طبيعية لخلل بنيوي ولغياب الوحدة والتماسك الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني. لكن المفارقة، كما جاء في مقال غربر، هي أن أصحاب هذه الفرضية ليس لديهم ما يقولونه عن آلاف الإسرائيليين الذين نزحوا من كريات شمونة ومدن الشمال إلى تل-أبيب ومنطقة المركز في أعقاب حرب لبنان الثانية، ولا عن مواطني سديروت الذين فرّوا من ‘صواريخ يدوية’ إلى تل-أبيب والمدن المجاورة.

لعلّ الجديد في مقال برايمن هو أن بعض الأكاديميين الإسرائيليين قد بدأوا الآن في الكشف عن الوجه الحقيقي للخطاب الإسرائيلي في أعقاب تـــصاعد الضغــوطات الدولية على إسرائيل بقبول حل الدولتين. فما كان يُصرح به يوما من وراء الكواليس الصحافية والإعلامية يقال اليوم علنا في إسرائيل ويحظى بشعبية متصاعدة، الأمر الذي يفضح البعد الإيديولوجي العميق لرفض الكثير من الإسرائيليين لأي شكل من أشكال السلام مع العرب والفلسطينيين. ولعلّ خطورة مثل هذه الأطروحات ليست محصورة في دورها التعبوي والعنصري فحسب، بل إن فاعليتها الديناميكية تتجاوز مستوى الخطاب السياسي والإيديولوجي إلى مستوى المخططات السياسية والإستراتيجية، فمثل هذه الأطروحات تتغذى من السياسة الإسرائيلية وتغذيها في آن، وتثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل المنطقة في ظل هذا المد الإيديولوجي المتصاعد في الخطاب الإسرائيلي.