الورقة المصرية الجديدة: اتفاقية للوفاق أم لشرعنة التنازلات؟

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2060 )

جاءت نتائج إعادة طرح تقرير غولدستون في الجلسة الخاصة لمجلس حقوق الانسان العالمي في جنيف، لتهدىء قليلاً حالة الغضب الشعبية الواسعة التي استهدفت كل مكونات سلطة رام الله المحتلة، أفراداً ومؤسسات، لكنها لم توقف الحملات الاعلامية المتبادلة بين رموز وهيئات السلطة، وقوى المعارضة الفلسطينية _فصائل وهيئات أهلية وشخصيات سياسية وفكرية واعلامية مستقلة_ المتصاعدة على خلفية الصيغة المصرية الجديدة لـ”المصالحة”، التي تضمنتها “اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني _ القاهرة 2009″. خاصة وأن الموقف الرسمي المصري، كان حاسماً في الطلب من الفصيلين المتنازعين ” فتح و حماس” التوقيع على الاتفاقية، لأنها ” غير قابلة للتعديل أو التطوير أو المناقشة “!.

مابين الورقة السابقة “الرؤية المصرية لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني” التي استلمتها الفصائل في العاشر من شهر أيلول/سبتمبر الفائت، والورقة الجديدة “اتفاقية الوفاق… ” التي استلمتها “فتح وحماس” في العاشر من هذا الشهر، جرت مياه كثيرة في نهر الخلاف، مما أدى لارتفاع منسوب التجاذبات على أكثر من صعيد. وإذا كان مفهوماً مبررات السرعة الخاطفة التي جعلت “فتح” تضع توقيعها على الاتفاقية، نظراً لما تضمنته من ترسيم وشرعنة للسلطة، ومركزة لـ”السلطات” بيد رئيسها المنتهية ولايته منذ شهر كانون الثاني/يناير المنصرم، الذي أصبح “المرجعية” للعديد من اللجان والهيئات” لجنة الانتخابات، لجنة تنفيذ المصالحة، لجنة تفعيل منظمة التحرير، الهيئات الأمنية”. فإن رفض حماس التوقيع الفوري على الاتفاقية، يجد له مسوغاته الكثيرة نظراً لخطورة هذه القضايا، التي حاول وفد قيادي رفيع المستوى اجتمع مع مدير المخابرات العامة بالقاهرة، توضيح أسباب ذلك، لأن الحركة فوجئت بإضافة صلاحيات ومهمات جديدة لرئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود، لم تكن مدرجة في الورقة السابقة “الرؤية المصرية…” مما يتطلب ذلك مناقشة تلك المستجدات. لكن ماتسرب عن ذلك اللقاء العاصف بين عمر سليمان ووفد الحركة يشير إلى استعصاء جدي في حوار الطرفين، انعكس بعد ذلك في عدم سفر الوفد مجدداً للقاهرة تحت تبريرات بروتوكولية، لاتصمد أمام حقيقة رفض القاهرة استقبال الوفد قبل وضع توقيعه على الوثيقة.

وقد جاء الموقف العلني للقوى الفلسطينية والشخصيات الوطنية المستقلة_بعد سلسلة حوارات ومداولات، قبل أسبوع تقريباً_ الرافض لبعض الاضافات الجديدة، ليعبر عن الموقف الوطني الصحيح تجاه الاتفاقية. خاصة وأن هذه الاتفاقية قد غيبت بشكل مقصود الثوابت الوطنية لشعبنا، فالوطن المنكوب باحتلالي عام 1948 و1967 أصبح “الضفة والقطاع”. وشعبنا الذي يخوض معركة صموده في مناطق تواجده على امتداد أرض فلسطين التاريخية، أو من أجل عودته لأرضه من المنافي القسرية، والمغتربات، يصبح فقط ” إبن الضفة والقطاع”. والقدس التي تلتهمها المستعمرات، والرؤى الصهيونية بأن_ القدس العاصمة الموحدة للكيان الاحتلالي_ لم تجد لها مكاناً في الأوراق المصرية المتداولة. وفي هذا الجانب، فإن كلمات الكاتب الكبير “فهمي هويدي” في مقاله الأخير “مغالبة لا مصالحة” قد لخصت بشكل دقيق مخاوف الوطنيين من الاتفاقية (الوثيقة تعاملت بغموض مع عناوين مثل الاحتلال والمقاومة والحصار والتحرير. وكأنها تجنبت التذكير بواقع الاحتلال الذي هو أصل المشكلة، والمقاومة التي هي السبيل الذي لا بديل عنه لمواجهة الاحتلال والحصار الذي هو قضية الساعة، والتحرير الذي هو الهدف الذي يرنو إليه الجميع، وحين تخلو وثيقة الوفاق الوطني من موقف واضح إزاء هذه العناصر الأربعة فإننا نصبح إزاء نص محير، يحتاج المرء إلى بذل جهد كبير كي يحسن الظن به، وتتحول الحيرة إلى دهشة حين يلاحظ المرء أن معدي الوثيقة هونوا من شأن الاحتلال والمقاومة والحصار والتحرير، وإن ذكرت الكلمة الأخيرة فقط حين تمت الإشارة إلى منظمة التحرير، التي تحولت إلى مجرد اسم لا مدلول سياسي له، تماما مثل ميدان التحرير أو مقهى التحرير في قلب القاهرة ).

في ظل الحملة الاعلامية التي تقودها رموز فتح/السلطة في رام الله، عبر البيانات والتصريحات والمؤتمرات الصحفية، واللقاءات التنظيمية الداخلية المنقولة على الهواء _اجتماع المجلس الثوري و اللقاء بكوادر فتح _تتوضح مع كل عبارة، حقيقة الموقف من الحوار. فالحديث عن “الامارة الظلامية” و “تحرير شعب غزة وليس أعضاء فتح فقط من اعتقال حماس لهم، ستكون المهمة الأولى على أجندة قيادات الحركة”، يكشف الخداع اللفظي حين الحديث عن “المصالحة”، لأن الموافقة على اتفاقية الوفاق الآن، وعلى الرؤية المصرية قبلها، هو خطة طريق فتحاوية لانهاء “الإنقلاب الأسود” في غزة، رغم ما يكرره أصحاب خطة الطريق تلك، من حرص على “الاستحقاق الدستوري” المستند على بنود القانون الأساسي للسلطة. والاستحقاق هنا من أجل مَنْ ولمصلحة مَنِْ ؟، خاصة وأن سلطة الحكم الذاتي ليس لديها دستور، مما يؤكد أنها لم تمتلك الاستقلال، بمقدار ما أصبحت “كياناً” يموه الاحتلال ويشيع الوهم بأننا أصبحنا احرارا. اما الحديث عن أهمية الوفاق الوطني لتحقيق المصالحة التي ستترتب في ظلها الانتخابات، فلا يعدو كونه محاولة أخرى لتشويه الوعي ومصادرة الذاكرة الوطنية للشعب. فالوفاق والائتلاف الوطني تجسده القوى السياسية والمجتمعية على قاعدة البرنامج الوطني. وفي وضعنا الفلسطيني، فأي برنامج لا تكون المقاومة والتحرير عناوينه ومضامينه، سيكون برنامجاً للتنازل والاذعان للمحتل. كما أن الانتخابات المعقودة في ظل الاحتلال المباشر أو المستتر، ستكون محكومة وخاضعة لقوانين واشتراطات المحتل، كما تضمنها اتفاق أوسلو المذل، مما يفقدها ديمقراطيتها. فالذهاب لصندوق الاقتراع في المناطق والدول المستَعَمَرة، ليس هو معيار الديمقراطية، بمقدار ما تعني مواجهة المحتل بالسلاح والاعتصام والاضراب، الديمقراطية الصحيحة، لكونها التعبير الحقيقي عن قناعات الشعب. وبالرغم من مشاركة القوى السياسية الفلسطينية بالانتخابات الأخيرة، باستثناء حركة الجهاد الاسلامي التي تميزت بموقف وطني مبدئي ينسجم مع موقفها الرافض لاتفاق أوسلو واستحقاقاته، أكدت من خلاله على القطيعة الكاملة مع المشاركة بالانتخابات او الحكومات، فإن 24% من المواطنين الذين يحق لهم الانتخاب قاطعوا صناديق الاقتراع، وهذا ما يوحي بتكرار المقاطعة وتوسيعها، كما بدأ يظهر من خلال التحرك الواضح داخل مناطق “السلطتين” والداعي لمقاطعة الانتخابات القادمة.

إن الدعوة لـ”المصالحة” في ظل الاشتراطات الامريكية والاوروبية، التي تحدث عنها “جورج ميتشل”، والناطق الرسمي للخارجية، وكما كررها رئيس سلطة المقاطعة في أكثر من مناسبة، ستكون على قاعدة الالتزام بشروط اللجنة الرباعية: وقف العنف _أي المقاومة_، والاعتراف بالكيان الصهيوني، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة. وهذا يعني أن تمارس قوى المقاومة الانتحار الذاتي، معلنة شهادة وفاتها.

في ظل هذا المشهد الشديد القتامة، تبدو هناك امكانية للتوقيع “الإلزامي” على اتفاقية الوفاق، بفعل مجموعة التفاهمات/الضغوط المحلية والاقليمية والدولية، لكن التوقيع في حال حصوله، هل يعني صفاء القلوب، والقناعة بالتوحد حول برنامج العمل للمرحلة القادمة، ليبرز تلقائياً السؤال الأهم حول طبيعة ومضمون البرنامج. وهذا يدفع للتساؤل عن مصير الاتفاق الجديد، مقارنة بـ”اتفاق مكة” الذي لم يصمد أمام طبيعة الواقع.

فهل الاتفاقية الجديدة فيما لو تم التوقيع عليها ستصمد أكثر مما صمد الاتفاق السابق؟

سؤال ستجيب عليه الأيام القادمة.