انتحارالعملية السياسية في العراق مسألة وقت لا اكثر!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2060 )

قد يقول قائل ان الوقت ما زال مبكرا لمثل هكذا مؤشرات، وقد يذهب اخر ابعد من ذلك بوصف مايجري في العراق وكانه حالة مخاض ستلد جنينا مقبلا على الحياة، معتبرا ان سرعة انجاز الدستور الدائم وسرعة الاستفتاء عليه وتتابع عمليات الانتخاب المحلي والعام وتداول ثلاثة رؤوساء وزارة ورئيسين للجمهورية ـ اياد علاوي، ابراهيم الجعفري، نوري المالكي، غازي عجيل الياور، جلال الطالباني ـ على واجهة الحكم فيه، منذ انطلاقة العملية السياسية بعد 9 نيسان 2003 وحتى الان هوعلامة للحيوية والثبوت والثقة بالاستمرار، والبقاء، وان وجود برلمان بخصائص متنوعة، كخاصية الكوتا النسوية 25% نساء، وكذا الحال بالنسبة لتمثيل الاقليات ـ الكلدو اشوريين والشبك والصابئة واليزيدية ـ هي تزكيات لمساره العامر، معتبرا ازدواج الجنسية لنسبة تعادل حوالي 50 % من اعضائه هي علامة انفتاح، ومن باب الكفاءة يترجم اقامة نفس النسبة مع عوائلهم خارج العراق، واصفا اياهم بانهم نواب متمرسين في تمثيل احزابهم المعبرة عن تطلعات كل المكونات العراقية ـ السنية والشيعية والكردية والعربية والتركمانية ـ!

الحقيقة ولكي اكون واضحا اكثر، ليست مجرد نقمتي على الفوضى غير الخلاقة التي تلف العراق من تحت وفوق، ولا على القتل الامريكي المفخخ وغير المفخخ والمشع والمنطفيء الذي يضرب العراق بالطول والعرض باياد جنود بلاك ووتر ومن استخلفهم او برجال الميليشيات السرية والعلنية، وليس لان شخوص العملية السياسية منغمسون حتى الثمالة بكل الهموم المعروفة وغير المعروفة التي تفتح عيونهم عليها مخابرات الامريكان او فيالق الجيران او هموم استقطاع ما يمكن من الجسد المسجى لاقامة امارة كردستان، وليس لان هم الوطن والمواطن لا يعني لهم هم، وليس لانهم ظل من ظلال المحتل الامريكي وشبحه المخيم على كل اعصاب العراق والعراقيين رئسيا وافقيا، ما يجعلني اتوصل الى حقيقية الانتحار القادم للعملية السياسية انما هو واقع الدائرة المغلقة التي تدور بها تلك العملية وحتمية سقوطها بانتحار موضوعي، مسبب بانعدام قوى الدفع الذاتي لديها، وهذا ما يؤدي حتميا الى انفجارها ومن ثم اندثارها غيرالاختياري، اي انها نهاية موضوعية خارج اطار الارادات والرغبات ايا كان منبعها، فهذه العملية مبنية اساسا على اطلال دولة كان مركزها يدور بقوة دفع وحدة وتكامل عناصرها، ولم يكن همها تكتيل المكونات والهويات وانما تكتيل الجميع بالدولة، اي انها وعلى الرغم من كل ذنوبها وعللها كانت نتاج لصيرورة ستؤدي في حالة تواصلها لانطلاقة دولة الامة، دولة المواطن، وتفجير هذه الصيرورة باحتلالها وجعل همها هو تكتيل مكوناتها سيؤدي حتما وباضرورة لانفجار الاطار الذي تسبح به، اطار الدولة العراقية قيد التجاذب بين من ينتخبون على انهم ممثلون لكتل مكوناتهم وليس تمثيلا للمواطن والوطن العراقي، وبطبيعة الحال فان خرائط الطريق التي تسير عليها هي مستنسخة عن خرائط قديمة جديدة لاصحاب المصلحة الاولى في احتلال العراق وتمزيق نسيجه الوطني!!

اذا كان هناك نزوع موضوعي لانتحار العملية السياسية القائمة، اذن ماهو دور العوامل الاخرى التي تعتبر مساعدة على التجسير بين ما هو موضوعي وذاتي من العوامل ؟

من معاينة واقع الحالة العراقية نستخلص ان مقاومة الجسد العراقي للاجسام الغريبة ـ جرعات من الطائفية والاثنية التقسيمية، واعتماد المحاصصة في كل مؤسسات الدولة، رهن اقتصاد العراق بعجلة الاحتكارات العالمية ـ والتي يراد لها ان تهضم وتتمثل داخله، هي واحدة من اهم العوامل التي تربط بين الذات والموضوع في عملية الصراع المحتدم بين قوى ربطت مصيرها بمصير الوصاية الامريكية على العراق وتريد قولبة الواقع بمقتضيات مصالح هيمنتها على السلطة والدولة كمشروع قيد الانشاء، وبين قوى الجسد ذاته ومناعته الداخلية، وهذه المقاومة تجلت بصور مختلفة ومستويات متعددة، منها العسكري والسياسي والاجتماعي والفكري، بل وحتى الاقتصادي!

ان اخطر التجليات لمفعول هذه الجرعات هو الانقسام المؤسسي الحاصل بين كيان الدولة العراقية والكيان الكردي الاستقطاعي المتحقق في شمال العراق، اداريا وعسكريا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا ايضا بحيث لم تتبقى اي رابطة اقتصادية تذكر غير تسليم حصة الكيان من الميزانية العامة، علاوة على ان الكيان الكردي وبدعم من قوى اقليمية معروفة ـ اسرائيل ـ وبدفوع من الكارتلات النفطية المهتمة بنفوط شمال العراق بما فيها نفط كركوك، يعمل على نحت قنوات خاصة به لاستجلاب الاستثمارات الاجنبية والتعامل معها مباشرة وبدون تنسيق مع الكيان العراقي، والاخطر ايضا هو بناء قوات مسلحة نظامية ذات عقيدة قتالية غير وطنية ـ عقيدة حراسة الاقليم من اي تواجد عراقي عسكري او مدني فيه ـ!!

ان استمرار وجود العامل الخارجي ـ قوات الاحتلال وامكانياتها الكبيرة ـ كدرع حيوي لحماية استمرار دوران العملية السياسية غير الوطنية الجارية في العراق، هو ايضا اسير لتفاعلات مجمل العوامل الموضوعية والذاتية الخاصة بالعراق وشعبه وبامريكا وسياستها والمؤثرات التي تخضع لها، فالخسائر الكبيرة التي منيت بها وما زالت في العراق والتي اتفق اغلب المحللون على انها اثمان باهضة لنتائج غير مضمونة بل تكاد تكون على كف عفريت في حالة الانسحاب العسكري الفعلي للامريكان من العراق!

امريكا تخوض حربا ضروس في افغانستان وهي ورطة عسكرية وسياسية تستنزفها كثيرا وبلا طائل، والازمة الاقتصادية والمالية المتصاعدة من عقر الدار تنخر العملاق الامريكي وتضعف من ثقل ضرباته وتزيد من تشتته!

امريكا تخيم على الشرق الاوسط الكبير بجناحين كبيرين احدهما في العراق والاخر في افغانستان والاثنين اصابهم حريق من لهيب الجحيم المشتعل، وبمقتضى الدعوة لاطفاء حرائق الاجنحة الامريكية واستعادة الانفاس حتى لو تطلب الامر تغيير في الاولويات الاستراتيجية، رجحت كفة اوباما في منافسة خصمه الجمهوري على منصب الرئاسة. ففقدان الثقة بنهج الحروب الاستباقية وعسكرة السياسة الخارجية جعلت من اوباما وما يعلنه من خطاب تصالحي تغييري هو البديل الانسب لامريكا في هذه المرحلة مرحلة الحرائق!

المقاومة العراقية المسلحة تتفاعل مع المتغيرات في وسط عراقي يتسم بالمقاومة العامة، ولكنها ايضا تعاني من ضغوط ومن تشويه وتأمر مخابراتي امريكي واقليمي ومحلي. فالتصعيد المتعمد لاعمال العنف العشوائي والقتل المجاني ونشر الرعب بارتكاب ابشع المجازر بحق الابرياء من قبل كل خصومها، جعلها تعيد حساباتها كي لا تختلط الاوراق، فالارهابيون هم عينهم المحتلون واعوانهم ومرتزقتهم، وكذا الحال بالنسبة لفرق الموت الايرانية التي تشاغل الامريكان بتقتيل العراقيين، اضافة للمتسللين من جماعات الجهاد القاعدي وغيرهم من التنظيمات المتطرفة، ومع اقتراب ساعة الاستحقاقات الكبرى والتي لاشك في ان للمقاومة العراقية وبكل اشكالها دورا حاسما في تقريبها، تزداد شدة الضغوط لصياغة ترتيبات تؤمن استمرار الحال على ما هو عليه كحد ادنى، فاطراف العملية السياسية اخذت تستعد للاستعانة المباشرة بالولاءات الاقليمية وتحديدا الايرانية بالنسبة للقوى الطائفية الشيعية، والسعودية بالنسبة للطائفيين السنة، اما جماعة البارزاني والطالباني فهم سيعتمدون على مساحة انفتاحهم المغري للاستثمارات الغربية والاسرائيلية اضافة الى اللعب على تناقضات الدول المحيطة بهم!

لهذه الاستحقاقات انعكاساتها على اطراف المقاومة السياسية والعسكرية ايضا، فالسياسية تجدها بقصد ودونه في كل مكان، هي بين الناقمين وبين المؤيدين لكل معارضة سلمية للوضع الشاذ القائم، وليس من باب المبالغة اذا قلنا ان بعضها يعمل داخل حتى ما يسمى بالعملية السياسية الجارية، اما المقاومة العسكرية فهي متواصلة رغم انحسار بعض جبهاتها نتيجة لانسحاب قوات الاحتلال من المدن وتحصنها بالمعسكرات، وايضا لحرص المقاومين المضاعف على عدم التسبب بوقوع ضحايا من المدنيين وتركيزهم على العمليات المضمونة النتائج!

مقاطعة فعاليات العملية السياسية الجارية وتعرية زيف مضامينها وفضح تبعيتها للمحتل الامريكي ووصايته عليها من خلال اطار الاتفاقية الامنية طويلة الامد، هو فعل مقاوم مباشر، لكن ذلك لا يتعارض مع الادوار التي يمكن ان يؤديها كل عراقي يطالب بالتغيير الحقيقي للاوضاع ومن موقعه وفي اي جهاز او وظيفة يعمل بها!

ان الدعوة لمقاطعة الانتخابات القادمة باعتبارها مسرحية ممجوجة لا تغير من حقيقة الاوضاع شيئا هي موقف عام يجب التعامل معه بجدية من قبل كل الاطراف المقاومة لحالة الانحطاط التي يعاني منها العراق وعلى كافة الصعد، فتآكل هذه العملية السياسية بدأ فعليا منذ اقرار دستورها المناقض لتطلعات كل الوطنيين الاحرار في العراق، وهي تنحدر بنفسها من سيء الى اسوء ناقلة اعراضها لكل اطراف الجسد العراقي المثخن بالجروح.

ان نهاية هذه العملية السياسية اللاوطنية حتما هو السقوط المدوي بهاوية الانسداد القاتل الذي يزداد قربا مع اقتراب موعد كل اضطرار امريكي باتجاه الانسحاب الفعلي من العراق، والذي ستعجله ضربات المقاومين وعلى كافة الميادين!