عادل سمارة: محاضرة في جمعية مناهضة الصهيونية في عمّان

في محاضرة بجمعية مناهضة الصهيونية

المفكر سماره يدعو للعودة إلى الصيغة القومية في الصراع مع اسرائيل

حماس دخلت لعبة اوسلو والانتخابات تحت الاحتلال مؤامرة

محمد ابو عريضة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2062 )

خلص المفكر العربي الفلسطيني د. عادل سماره الى ان الانتخابات الفلسطينية الثانية، التي فازت فيها حماس بأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني، قد ادخلت النصف الثاني من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة في لعبة التسوية السياسية – او لعبة اوسلو- بعد ان كانت الانتخابات الاولى 1996 قد ادمجت النصف الاول في بنية السلطة الفلسطينية، وهي سلطة تحت الاحتلال، وبذلك فقد انتقل التنافس من اختلافات في ادارة الثورة وادامة الصراع مع الكيان الصهيوني الى صراع على السلطة بين اتجاهين متناقضين هما حماس وفتح، وهذا اقل تكلفة على الاحتلال وعلى الولايات المتحدة الامريكية من مواجهة مقاومة حتى لو لم تكن ادواتها – قواها- تنطلق من المنطلقات نفسها.

واعتبر في المحاضرة التي القاها مساء امس الاول في جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية ان اتفاقية السلام، او السلام المزعوم الذي جرى كان بين دولة احتلال وبين رأس المال الفلسطيني. فتركيبة اوسلو الطبقية والاجتماعية هي ما أسست لما هو قائم الآن، فقد شاركت ثلاث شرائح اجتماعية سياسية في اوسلو اولها الرأسمالية القيادية في منظمة التحرير، او البيروقراطية في م.ت.ف، التي اغتنت من ضرائب رواتب العاملين الفلسطينيين في السعودية ودول الخليج العربي على مدى عقود اربعة، وثاني الشرائح هي رأس المال المالي الفلسطيني، وهي تضم رأسماليين من الذين كانوا يعملون في دول النفط العربية وفي امريكا وفي اوروبا، وهؤلاء من أسس قبل ثلاث سنوات مع اسرائيليين مجلس التكامل المشترك الاسرائيلي الفلسطيني، وهؤلاء يقولون بشكل واضح لن ننتظر السياسيين ليجدوا حلا، نحن سنعمل معا، والشريحة الثالثة تضم تجارا ومقاولين واصحاب شركات تأسست ونمت اعمالهم عبر العلاقة من الباطن مع الشركات الاسرائيلية منذ عام 1967 الى اليوم.

بنية أوسلو الاجتماعية

ووصل سماره من خلال مقدمته الموضوعية هذه عن بنية أوسلو الاجتماعية الاقتصادية الى خلاصة مفادها ان الكيان الصهيوني هو من حصد ثمار تحالف الشرائح الفلسطينية الثلاث لاتمام أوسلو، فبين عامي 1991 و 2006 استثمرت الشركات العالمية في دولة الكيان بحدود 110 مليارات دولار، فيما لم يصب الفلسطينيين من كل هذا سوى خيبات أمل متتالية، فاتفاقية أوسلو في ظل حديث اسرائيل عن غياب الشريك الفلسطيني حققت لها اضافة الى الاستثمارات المالية العالمية الكبيرة الاعتراف والاقرار الفلسطيني بأن فلسطين هي اسرائيل، وتمنى ان يناقشه من يختلف معه في هذا، فوفقا له، ان ما يسمى وثيقة الاستقلال الفلسطيني هي كذبة كبيرة، بل هي اعتراف باسرائيل، فما بين موافق ومضطر من القوى الفلسطينية التي وقعت هذه الوثيقة اعترفت هذه القوى بحق عدو في اقامة دولة على ارض فلسطين والغت حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

وطرح المفكر سماره سؤالا مفاده: ما هو تعريف أوسلو? واجاب: ان أوسلو هي عبارة عن قرار من الحكومة المركزية في تل ابيب التي تحكم فلسطين كلها، بأن تعطي حق نشاط سياسي لحزب في اقليم او في كنتون من فلسطين في الضفة والقطاع، وغير ذلك لا يكون سوى بساط احمر هوليكبتر وقضايا شكلية، تخدع الفلسطينيين والعرب، وفي هذا السياق نبه سمارة الى ان كثيرا من الاردنيين والسوريين والمصريين ومن دول عربية اخرى، من الشخصيات الوطنية المحترمة، يعتقدون بوجود سيادة للسلطة الفلسطينية على الارض، وهذا غير صحيح، وهذا الامر يعتبره مفارقة ان يصدق احد من العرب ان هناك سيادة حقيقية على الارض في فلسطين للفلسطينيين.

تثبيت اوسلو

ويقول: كان لا بد لتثبيت اوسلو كمفهوم واطار بآليات محددة، وبالعودة الى ما قبل اوسلو فقد كان يعمل داخل ما يسمى باسرائيل بحدود 150 الف عامل فلسطيني، وجاءت اوسلو بتركيب لعبة جديدة، بنفس عدد العاملين هؤلاء او اكثر منهم شكلت الجهاز الاداري للسلطة الفلسطينية، يضاف الى هؤلاء افراد اسرهم، والعملاء من المخابرات في الجامعات، فتصبح بنية اوسلو الاجتماعية بحدود مليون فلسطيني، وجرى لاحقا تقسيم عمل بين الدول الاوروبية وامريكا واليابان لتمويل بنية اوسلو اليابان تسلمت البيئة، اوروبا تسلمت التدريب المهني، وامريكا تسلمت الامن وقضايا الشرطة، والدول الغربية تمول كامل هذه الاجهزة.

الانقلاب المعولم

تناول المفكر سمارة لاحقا الانقلاب الكوني على الفلسطينيين بعد فوز حركة حماس في الانتخابات، ومع انه – اي سمارة – اختلف ويختلف مع حماس بشأن دخولها الانتخابات التشريعية، لانها انتخابات تحت الاحتلال ابتداء، وسقفها اوسلو ثانيا، ويقول في هذا السياق ان الفلسطينيين صدّروا ظاهرة الانتخابات تحت الاحتلال للعراق، وهذه مفارقة، فبدلا من ان يكون الفلسطينيون رأس حربة في مواجهة الاستعمار، يقومون بتوسيع هوامش الحركة امامه.

اوقف الغرب تمويل السلطة بعد نجاح حماس، ما فتح الصراع بين حماس وفتح، والانقلاب ليس كما يدعي البعض هو ما حدث في غزة لاحقا، بل هو انقلاب الغرب الممول على نتائج الانتخابات، واشار في هذا السياق الى فكرة الاستعمار البريطاني التقليدية فرق تسد، وهذا ما حدث بالفعل، فالانتخابات ونتائجها، وفوز حماس ووقف التمويل دق اسفين بين نصفي الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، واصبح التنافس على السلطة لا على الثورة.

هل يجب اجراء انتخابات جديدة?

جاءت حكومة سلام فياض في ظل وجود اكثر من مليون فلسطيني يعتاشون على هامش السلطة الفلسطينية، ما جعل الناس المتعيشين من وراء هذه السلطة يدافعون عنها، وفي ذات السياق جاء دايتون بمهمة محددة وهي تصفية المقاومة في الضفة الغربية عبر اجهزة امن السلطة ذاتها، للوصول الى معادلة الوجود العادي للاحتلال، فغياب المقاومة، يجعل مشهد المحتل جزءا من المألوف المقبول، واما الحديث عن الانتخابات المقبلة، فهي ان حدثت استمرار لنفس نهج تخريب المجتمع الفلسطيني، وهو يعتقد ان حماس غير قادرة فعليا اليوم على الاستيلاء على السلطة في الضفة الغربية، وما يُروّج له هو مجرد تعبئة ضد حماس داخل بنية السلطة، خاصة الاجهزة الامنية منها، وهو لا يرى غضاضة من اجراء انتخابات حتى لو كانت تحت الاحتلال، ولكن ان تكون انتخابات مجالس محلية فقط، لان ما تفضي اليه انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني السياسية هو مجلس حكم محلي لا غير، وجل ما يمكن ان تحقق الانتخابات التشريعية كل مرة هو اضافة 120 فلسطينيا جديدا الى قائمة الاغنياء او اقل من هذا العدد اذا ما كان البعض منهم عضوا سابقا، اذا المطلوب الراهن وفقا لقناعته هو مجالس محلية منتخبة لا تلعب دورا سياسيا، واما انتخابات سياسية تحت ظل الاحتلال فهي مضللة، وتزيد خرابا على خراب.

يتحدث البعض عن انعدام افق المصالحة الوطنية وهذا يعني عدم امكانية اجراء انتخابات في كانون ثاني المقبل، وهذا وفقا لسمارة اعادة الوعي الى المربع الاول، او ما يتعلق باعادة قراءة مَنْ هو العدو الذي نقاتل? بمعنى ان المصالحة مع مَنْ، وبين مَنْ ومَنْ، ففي ظل انعدام السيادة الفلسطينية بالمطلق على الارض، وظل التناغم المطلق بين ما تقوم به السلطة وما يقوم به الكيان الصهيوني، حتى في الجوانب الادارية، فقبل ان يحصل الفلسطيني على شهادة ميلاد ابنه المولود الجديد، يجب على السلطة ان تقيده – اي الطفل – لدى قيود الانفس في دولة الكيان الصهيوني، وحتى جواز السفر الفلسطيني الذي يحصل عليه اي فلسطيني، فان الموظف الذي يسلمه اياه يطلب منه الامتناع عن السفر لمدة اسبوعين، وهي المدة التي تحتاجها اسرائيل لتكييف وضع حامل الجواز الفلسطيني الجديد في سجلاتها يخلص الى القول عن اي انتخابات يتحدثون?

وركز سمارة على أهمية العودة إلى الصيغة القومية للصراع مع الكيان الصهيوني. ويقول: نحن نواجه النظام الرأسمالي العالمي، فصراعنا ليس مع 5 الى 6 ملايين، مضيفا ان ما ظلت تردده القيادة الفلسطينية بأن الفلسطينيين يقاتلون وحدهم في الصراع لم تعد تنطلي على احد، حتى ان المؤامرة وصلت بعد الآن الى عدم قدرة السلطة الفلسطينية على قبول تمويل عربي، فما تحتاجه السلطة تستطيع اية دولة عربية غنية تقديمه، ولكن المطلوب ان يبقى التمويل مرتبطا بالغرب لمزيد من الحصار والتبعية.

واشار الى غياب المعرفة الحقيقية لدى الشعوب العربية عما يجري في الداخل، فحتى في ظل الانفتاح الاعلامي المعولم، فان ما يتم رصده وقوله في الفضائيات جزء من نسق الفكر الغربي، وهذا يضع على الفلسطينيين مسؤولية وضع الشعوب العربية بالصورة الحقيقية لما يجري في الداخل الفلسطيني، فمثلا وقف مقاطعة البضائع الصهيونية، وممارسة التطبيع، فبعد مجيء السلطة الفلسطينية التي قالت ان الاوضاع تغيرت، فالسلام عم، وهذا جزء من سياق التخريب والتدمير فوقف المقاطعة بالنسبة للفلسطينيين كان الهدف منه ان ينتجوا، ولكن ما حدث هو العكس، فما تنتجه الضفة الغربية وغزة مما يأكل الفلسطينيون لا يتجاوز 25%.

وانتهى سماره بقوله الى ان امامنا خياران اما الاستسلام او المقاومة واما الحديث عن تسوية وحلول فهي ذر للرماد في العيون، فاما ممارسة الخيانة او ممارسة المقاومة. فليس من المعقول انه في الوقت الذي يتحدث فيه الكيان الصهيوني عن دولة يهودية، يتهافت العرب للتطبيع، وهو قد يفهم دعاوى بعض الدول المجاورة لفلسطين، مع انه لا يقر لها بالتطبيع ولكن الدول البعيدة ما شأنها، لماذا تقدم هدايا مجانية للعدو؟

:::::

“العرب اليوم”، 31 اكتوبر 2009