قراءة في كتاب: ذاكرة الماء، محنة الجنون العاري

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2064 )

الكتاب: ذاكرة الماء. محنة الجنون العاري، رواية

المؤلف: واسيني الأعرج

الناشر: منشورات الجمل، 2008 ، كولونيا ـ المانيا

حين أقرأ الأدب أتوزع بين أوجاعه التي تمتزج فيها آلام الزمن بامتدادها واتساعها ولحظة المتعة بهنبهاتها وثوانيها. إنما هو الأدب دائماً، هذا ما خالطني وأنا اقرا، وبعد أن أنهيت رواية ذاكرة الماء ل واسيني الأعرج.

لحظة رأيت العنوان الذي أهدته لي صديقة هي مرشحة للأدب أكثر منها للسياسة، ربطت بين اسمه وبين المواساة “واسيني” كفعل أمر أو طلب على الأقل في زمن يحتاج الوطن لثم جراحه ويحتاج للمواساة لما حل به منا وبسببنا. وخلال القراءة التي نقلتني إلى التجربة الجزائرية، إلى حواري قسنطينة، والمؤسسات الثقافية والأكاديمية في الجزائر العاصمة، أو كما كان يسميها المتفائلون ب جزاير بن بلَة. ولست أدري ما صحة التسمية، لا طعنا في الرجل وكنت التقيته مرات ، وإنما أقصد صحة نسب المكان والحدث الشعبي إلى مناضل/مقاتل فذ أم لا! ربما هو التراث الشرقي البطريركي حيث يُزف الوطن للبطل!

لم أصح إن كنت خرجت من بين دفتي الجزائر وأنا اقرأ الرواية، هذا اللون من الإبداع الذي يمتعني كالموسيقى، فهو يأخذ المرء معه لساعات طويلة، وهذا ليس شأن اللوحة الفنية التي إذا لم تستعص على فهم ذوي الأصول القروية السورية مثلي، فهي لا تعيش فيهم في اليومي، وإن كانت تدفع وتتدافع مع ما يعبر الدماغ من ألوان الثقافة والعلم والحب والحرب والمطر والشمس والقمر والدين والشيوعية والعلمية والسلفية والعنصرية والإنسانية فوق كل هذا،/ تحفر لنفسها مكاناً وتخصب اللوحات فتخرج فيما نكتب ايضا كما يفعل الأدب.

قليل هو الأدب الذي يتحكم بالأبعاد الثلاثة: الحب والموت وحتمية خلود الإنسان. هذه الرواية التي تروي لنا او تحملنا إلى الجزائر والذبح على الرصيف هو الدم لا غيره الذي يشرح لنا بحمرته وسخونة تدفقه لحظة انهيار الضحية، لماذا كان هذا في جزاير بن بلة. إنما إلى هذه اللحظة/المحطة يظل العمل مجزوءاً. فالاعرج يواسينا كما ألمعت أعلاه بأن يدخل في الموت وضد الموت ذلك النور البنفسجي في صفحات عديدة، بل الحزن البنفسجي. وإن كان لي أن فهمت الرواية، فهي في النهاية دون أن يقول لنا بتصريح صحفي، وصوت تشجعه مكبرات الصوت، مصغِّرات المحتوى، فإن معزوفته هي ببساطة حسب فهمي المتواضع: انتصار البنفسج ( ص ص 221، و، 223) على السكين، هذا هو التاريخ، المستقبل الذي يضيئه نور البنفسج. والبنفسج مقرون بالمرأة، ولا أدري إن كان يسمح لي الكاتب أن استنتج قراره بل انتمائه بأن المرأة لا تقل عن الرجل اشتباكاً مع الظلام، هي النور البنفسجي، والرجل، الرجل/الوعي ربما قوة المدافعة والضحية المختارة بامتياز، ولا مدافعة أو وعي بلا نور، إلا مدافعة عمياء، هذا حضور النساء العميق في صياغة التاريخ عبر المقاومة، وإن كنت لا أقبل من الكاتب تقسيم العمل هكذا. وهذا الحضور في الرواية هو الذي ينقلنا حيث يسيطر علينا الكاتب كالأطفال الصغار الذين تقودهم مربية حنون، إلى فهم إحدى الجدليات السياسية في الرواية وهي تَداخل الكاتب والعاشق، ومتى في لحظة يقف الموت في جفن اللحظة ولا يهزمه سوى نور البنفسج، قوة المرأة. وهل لكاتب أن يكون كاتباً ما لم يكن عاشقاً. وبين العشق وبين الحب مدى، أطول من الزمان، وأوسع من المكان، فالعشق تواصل ابدي لا تطفئه تلك اللحظة /الرعشة التي تنقل الحب بعدها ليرتمي للنوم، والنوم مشروع تدريب على الموت. أما العشق فلا ينام، وكذا الكاتب.

وهل لكاتب ان يكتب ما لم يعشق، وما لم يحزن، والأعرج في هذه الرواية يعطي للحزن مساحة واسعة، لكنه حزن التماسك.

الرواية وصف مساهم في الاشتباك، وصف لما حصل وربما يحصل في الجزائر اليوم وإن بدرجة اقل، من مسرح الدم ذبحاً! ولا أخال الكاتب قد تتوقفت مهمته هنا. ما أقصده هو: هل يشكل ما حصل في الجزائر مقدمة لما سيحصل في الوطن العربي؟ هل التقط الكاتب ناصية التاريخ ليقول لنا، هذا تحذير التاريخ مما سيضربنا به، إن لم نعمل بما يحول دون محاولة منفلتة تقصد ذبح التاريخ نفسه ولن تفلح بالطبع.

هو خيار الوطن العربي في لحظة المد الإسلامي السياسي، خيار بين التكفيرية وبين المقاومة.

كقارئة أنا يصيبني الرعب إن لم نحسن الاختيار، والاختيار شغل. نعم.

هل نموذج الجزائر هو المرشح للاتساع أم نموذج حزب الله؟ أم نموذج الكتلة التاريخية رانخة في وعي الهيمنة من جانب الطبقات الشعبية في مواجهة هيمنة راس المال كسلطة وطبقة وحيازة.

فالهجمة على نموذج حزب الله تجند طوفاناً ممن لا يعرفون إلى اين يُقتادوا؟ ومحاصرة نموذج الإسلام المقاوم صارت في مقدمة أجندة وحش العصر الثلاثي: الامبريالية والصهيونة والكمبرادور العربي، كما يكتب ويكرر أكثر من واحد من كتَّاب كنعان.

هذا الاستنتاج /التقوُّل من عندياتي بالطبع، وليست وظيفة الكاتب أن يوحي لي بكل شيىء. كقارئة لا بد أن أحمل العمل الأدبي وأعجنه كما كانت تفعل أمي، أن أعمله مرة أخرى، وإلا ما معنى حضور القارىء، وليس هذا بالطبع تغييب الكاتب، وإنما جدلية تفاعلهما.

أما الكاتب فيقاوم الظلامية كقادة والجهل كمضلَّلين، عير كفاح الشيوعيين الذين ظلوا الهدف المباشر لمشروع الذبح.

قدَّم الأعرج لنا اللوحة مقرونة بموسيقى الحزن وقرار البقاء والاستمرار. لكني كقارئة انتقل بمن سيقرئتي إلى لوحة يضيئها ما يدور على الأرض في هذا الوطن الذي للعرب وشركاء العرب، وليس الصهاينة منهم بالطبع. لوحة تقول أو تسأل: أي نموذج الذي سيخلي الكمبرادور له السبيل قبل أن يُقتل؟

أليس كمبردور الجزائر هو الوليد السفاح للثورة وتضحيات نظراء نفس هؤلاء البسطاء الذي يَقتلون كما يشربون الشاي؟ ألم يكن الثوار عروبيين واشتراكيين؟ ما الذي قلب الدنيا إذن؟ كيف تحول البسطاء إلى ذكوريين بالمطلق وإسلاميين دمويين باسم الدين؟

هل كان لفساد جبهة التحرير الوطني دوره في هذا؟ ألم يقد الفساد إلى هذا الدم؟ أليس الفساد والمحسوبيات وضيق مساحة الحرية هو الذي كفَّر الناس بما هو قائم ولكن ليتحولوا إلى تكفيريين؟

أليس غياب القوة الثالثة الشيوعية /القومية الاشتراكية…هو الذي أذن للفراغ أن يُملآ بالسلفية التكفيرية.

لا بل إن الفساد والانخراط في المشروع الإمبريالي في غير قطرية عربية قد فعل هذا قصداً كي تدخل المنطقة في نفق يعيقها لعدة عقود أخرى. فالوحش الثلاثي، وإن بدا خصما للإسلام السياسي التكفيري، فإنما هو يورثه الأرض قصداً كما يقتل الإبن الفرويدي اباه، لأن ابيه هو الذي يضع الإبن في دائرة وجوب القتل.

أليس السادات هو الذي جلب “المؤمنين” من جزيرة النفط المحول إلى مال (كما يقول ماركس بأن فائض القيمة متحولاً إلى الربح/كنقود). وماذا كان في مصر غير نسخة اقل حريقا من الجزائر.

أليس الوحش الأميركي هو الذي منذ بدأت المقاومة في العراق صبغها بالسلفية لتبدو كما لو كانت مجرد قتل متوح وفتك في النساء بلا حواف؟

لياذن لي الكاتب وربما القارىء أن اصل إلى الحكمة التي (ربما) أراد: بأن الحرية المقبلة لن تكون دون الإعداد لها. حكمة الآتي، بأن مصير هذا الوطن ليس إلا الاشتراكية التي تحول البسطاء من أدوات ذبح إلى قوة إنتاج. حكمة تغيير العلاقات إلى علاقات الانتاج الاجتماعي من الجنسين ولهما، وليس ذبح الجنس للآخر على موائد مافيا المال والدين الذي أُحتُلَّ هو كذلك. هذه حكمة الآتي.

ولكن ماذا عن عبرة الماضي؟ هل ننكر نحن بقايا اليسار، أننا لم نتحول بعد إلى طلائع الآتي؟ وهل ننكر أن كانت لنا مساهمة في هذه الظلامية لأننا لم نحسن العمل في الماضي؟ لم نمسك بناصية التاريخ، فكان طوفان الدم في الوطن وليس نور البنفسج؟

هي إشكالية القومي والشيوعي بتقصيرهما وفسادهما وعجزهما وانكفاء وارتداد كثرة منهم عن فهم المجتمع بطبقاته وطبيعة طبقاته هو الذي عبَّد الطريق لهذا الغرق في بركة الدم؟

هي رواية قدمت لنا الجزائر كما هي بامتياز؟

خوف وقتل.

وصف الكاتب لما يجري متماسكاً، لكنه لم يتحدث ولو برجعات بسيطة عن الثورة وما تم فيها لكي يساهم في نقل التجربة إلى الجيل الجديد بمعنى أن من مضوا فعلوا شيئاً ولكنهم لم يتقنوا الحفاظ عليه؟ فانتزعه منهم قطاع طرق الثورة لينتهوا إلى توليد طريق الدم!

لقد اشار بشكل مقبول إلى تراث فساد الجبهة لكنه لم يشر إلى ما هو أهم تراث وأدب الكفاح (فانون).

وكذلك ربما لم يتلقط دور الإمبريالية في الإبقاء على تبعية الجزائر مما افسد الثورة. هذا يفتح على مسألة خبيثة تؤكد أن الخبث يمكن أن يفسد التاريخ. فالاستعمار وقد زعم وزعمنا أنه رحل، يُبقي على علاقة ما بالمستعمرة. علاقة يفهمها البعض أو يضعها في خانة “التكفير” عما مضى. وهي في الحقيقة، نقطة سوداء لإبقاء الاستعمار في عين الحدث ليعود أو يظل ولكن بوباء تخريب الثورة من الداخل كي يقتلها، مما يفسح الطريق لقادة أخطر من الاستعمار نفسه.

كيف نواجه الطوفان؟ هل هناك غير إقامة بؤر العمل الجماهيري الواعي وللجنسين لتقف الجماهير نفسها عبر شبكة مؤسساتها المدنية في وجه الوحش الثلاثي، ووليده التكفيري حيث يقول الوحش: علي وعلى أعدائي. فهل نعمل!