أوباما واستحقاق نوبل

كاظم محمد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2067 )

أدى منح جائزة نوبل للسلام لرئيس الولايات المتحدة الامريكية اوباما، الى ردود فعل اعلامية وسياسية قوية في تعبيرها عن الموقف من منح الجائزة للرئيس الامريكي، عبر بعضها عن الاندهاش، وعبر بعضها الاخر عن التفهم، كون منحها هو نوع من الاحتجاج على سياسة الرئيس السابق جورج بوش، وتشجيعا لأوباما للمضي قدما في سياسة التغيير التي دعا لها واحتج فريق اخر على هبوط هذه الجائزة السياسية بأمتياز على الرئيس الامريكي.

من المعروف ان هنالك قواعد معروفة لمنح هذه الجائزة، وهي منشورة وعلنية للاطلاع عليها، ويقف على رأسها ان تمنح الجائزة للقائمين بجهود كبيرة وملموسة وعملية في مجال تحقيق السلام العالمي والتواصل بين الشعوب، فأين اوباما من هذا ؟. لقد اضاف قرار اللجنة المانحة للجائزة في النرويج يوم 10/9 شكوكآ جديدة الى تلك التي تحوم ومنذ سنين حول دوافع ومقاييس منح هذه الجائزة، وارتبطت هذه الشكوك دائما، وخاصة في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وعند الكثير من المتابعين لها في اوربا، ارتبطت بمقاييس مفهوم السلام عند القائمين على منح هذه الجائزة، وهذا المفهوم الذي لم يخرج عن اطار الصراع الدولي بين اقطاب غربية راسمالية ودول وشعوب ذات توجهات وطنية، تسعى من خلاله الاقطاب الراسمالية وشركاتها الاحتكارية في فرض مفهومها للسلام بامتثال هذه البلدان والشعوب لأرادة القوة السياسية والمالية والعسكرية.

لذلك فان سلام الشعوب ونيلها لحقوقها وتواصلها وفتح افاق تطوره لخيرها وتقدمها، يبتعد كثيرا عن مفاهيم مصالح الغرب الامبريالي، الذي يسخر ادواته المتعددة اعلاميا وفكريا وسياسيا ليطبع ويوصم النضال الوطني والمكافحين في سبيله وقادته بصفات التمرد والارهاب، وهو بنفس الوقت يضخم ويعضم ويدعم دور الافراد والمجاميع التي تنسجم وسياساته في هذه البلد او ذاك.

فلم يكن مستغربا منح غورباتشوف اخر رئيس للاتحاد السوفيتي السابق جائزة نوبل للسلام، وذلك للدور الذي قام به في التماهي الكامل مع السياسات الامريكية، وتقديم كل ما يلزم بانهاء ما كان يسمى الحرب الباردة، عبر تسهيل سيادة مشروع امريكا بالتخلص من ما كان يسمى بالخطر الشيوعي وباسقاط قلعته الامامية الاتحاد السوفيتي، وتفرد الولايات المتحدة كقطب اوحد في العالم، تفرض فيه مفهوم سِلمها الدولي عبر الاحتلال والترهيب والتهديد.

فبعد ان كانت الجائزة مقتصرة ولسنين طويلة على الاوربيين وامريكا الشمالية وتمنح على اساس مشاركة السياسيين ورجال الدولة في جهود السلام اضافة الى محبي الخير والاصلاح الاجتماعي، فانه مع اتساع اشكال التدخل الامبريالي في شؤون الدول الاخرى، وباستغلال قضية حقوق الانسان ومسالة الديمقراطية، فان مفهوم السلام عند اللجنة المشرفة على منح الجائزة توسع ايضا واصبحت لديهم قناعة بانه لا سلام بدون ديمقراطية وحقوق للانسان، كأضافة في علم السياسة الحديث، وعليه فان توسيع عالمية هذه الجائزة دخل حيز التنفيذ ليشمل اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وتم منحها في سنوات سابقة لشخصيات من اسيا وافريقيا لخلق التوازن النسبي والمصداقية لقواعد منح الجائزة، والتي اعتمدت بشكل اساسي على نوعية العناصر المؤلفة للجنة اختيار المرشحين للجائزة، وهي لجنة يعينها البرلمان النرويجي، وتعتمد في تركيبتها على الاحزاب المكونة للبرلمان وطبيعة سياساتها ومواقفها.

فلم يكن منح الجائزة الى البرت جون لوتولى رئيس المؤتمر الوطني الافريقي وكذلك الى نلسن مانديلا من بعده، والذي ناضل ضد نظام الفصل العنصري في عام 1960،إلا محاولة للقول بموضوعية مقاييس منح الجائزة، بعد ان منعت عن المهاتما غاندي الذي قاد النضال الوطني للشعب الهندي نحو الاستقلال من الحكم البريطاني المباشر، والذي كان داعية للنضال السلمي لتحقيق مطالب شعبه في وقته.

فلقد حاول القائمون على الجائزة، تبييض وجوه صناع الحروب ورموزهم السياسية، وحالوا تبرئة قتلة الشعوب عبر خلق التوازن والمساواة بين الجلاد والضحية ببدعة المناصفة في منح الجائزة، ففي عام 1973 منحت الجائزة لهنري كسينجر و لي دوك ثو رئيس وفد المفاوضات الفيتنامي والذي رفضها، اثناء مفاوضات السلام في باريس، اما في عام 1978 فقد منحت مناصفة ايضا لقاتل الشعب الفلسطيني مناحيم بيجن وانور السادات، وقد جزأت الجائزة في عا 1994 الى ثلاثة اقسام لتمنح الى مجرمي الحروب اسحق رابين وشيمون بيرز وليمنح القسم الثالث منها للرئيس الراحل ياسر عرفات.

لقد تماها مانحو هذه الجائزة تماما، وفي مناسبات عديدة مع جوهر السياسات الغربية الراسمالية عامة وصياغات اعلامها ومؤسساتها الفكرية والبحثية، في اعلاء شأن الافراد والمجاميع الذين يتخذون مواقفا مضادة لحكوماتهم وبلدانهم التي دخلت في صراع وحروب مع بعض البلدان الغربية بسبب المصالح المتناقضة، وبسبب المواقف السياسية من القضايا الاقليمية والدولية، فكانت ولا زالت قضية حقوق الانسان والديمقراطية الورقة التي تبتز بها الانظمة الراسمالية الغربية، دول وحكومات تمانع في الرضوخ لشروط الدول الراسمالية وشركاتها المتعولمة، وترفض الانصياع للأرادة السياسية لهذه الدول في بسط هيمنتها وتمرير مشاريعها الاقليمية والدولية، وعلى اساس هذا التناقض والصراع، تُجيرالاضطرابات الداخلية والمشاكل القومية والكثير من السياسات االخاطئة الناتجة عن غياب الحريات الفكرية والسياسية والتداول السلمي للسلطة في الدول المستهدفة لصالح سياسات الضغط والحصار والعزل ضد هذه الدول، ومعها يتم تقديم الدعم الاعلامي والسياسي لأبراز دور لهؤلاء الافراد والمجاميع، كونهم نماذج ادانة لهذه الانظمة والبلدان، وكونهم ممثلين للمنحى الديمقراطي الاجتماعي الرافض لهذه الانظمة وقرائن لاثبات صحة النهج الذي تسلكه دول الرأسمال الغربي في سعيها لتشديد الخناق سياسيا وقانونيا ضد هذه البلدان امام شعوبها.

لذلك فليس غريبا ات تكون الجائزة قد خصصت في عام 1975 للعالم النووي الروسي المنشق اندرية ساخاروف صانع القنبلة الهيدروجينية، في ذروة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات االمتحدة، حيث استخدم الاعلام الغربي والدوائر السياسية الغربية مواقف ساخاروف بشكل بشع في محاربة الشيوعية والنظام السوفيتي، اما في عام 1989 حصلت الشخصية الدينية الدلاي لاما من التبت الصينية على الجائزة لدوره في معارضة الحكومة الصينية، حيث كان الخلاف الامريكي الصيني على اشده، وكذلك فان الجائزة منحت في 2003 للكاتبة والمحامية الايرانية شيرين عبادي، لمواقفها المعروفة من النظام الايراني القائم.

ان مكانة هذه الجائزة العالمية والتي اكتسبتها من طبيعة المبادئ والمقاييس التي تمنح على اساسها، ومن وصية الرجل (الفريد نوبل) الذي اوجدها، تجعل عملية منحها مؤشرا وتزكية سياسية واخلاقية للحاصلين عليها، وتضع على عاتق اللجنة المكلفة من قبل البرلمان النرويجي مهمات ليس اقلها التمسك بروح مقاييس منحها، وهذا ما لم تنجح به لجان منح الجائزة ولمرات عديدة، خضعت خلالها لدوافع سياسية نابعة من قناعات القيمين عليها في الترشيح و المنح، ومتأثرة بسيادة المفاهيم الرأسمالية وترجمتها الخاصة لمسائل حقوق الانسان والديمقراطية والسلام.

فما الذي قدمته شيرين عبادي من جهد متميز من اجل حقوق الانسان والسلام العالمي، لتمنح الجائزة بعد ان صمتت هي وغيرها على احتلال البلدان وقتل الملايين واهدار حقوق الانسان في العراق وفلسطين وافغانستان ولبنان، وسخرت قلمها ونشاطها ضد حكومة بلدها، وماذا قدم هنري كيسنجرالمتورط بانقلاب العسكرفي تشيلي وقتل الرئيس سلفادور اليندي ليحصل على الجائزة، بعد ان قاد مفاوضات بلاده الغازية مع الفيتنناميين، حيث اثير في وقتها جدل واسع، ووجهت انتقادت حادة للجنة المانحة.

واخيرا ماذا قدم اوباما ليستحق جائزة نوبل للسلام ؟ الرجل اعترف وقال ( فوجئت بقرار لجنة نوبل وفي نفس الوقت، اتلقاه بتواضع كبير)، واضاف (لأكن واضحا انا لا اراها اعترافا بانجازاتي الشخصية، اكثر مما هي تاكيد لزعامة امريكية باسم تطلعات يتقاسمها البشر من كل الامم.)، نعم الرئيس الامريكي الذي لم يكمل بعد سنته الأولى في الرئاسة لم يحقق شيئآ ملموسآ سوى اشاعته لأجواء دولية بعيدة عن التوتر، بفعل خطابه المختلف عن سلفه بوش الأبن، لكنه لحد الان لم يتقدم خطوة واحدة في ملامسة القضايا الهامة عالميا واقليميا لتفعيل التغيير الذي تحدث عنه بقرارت تكرس شعاراته ودعواته.

لقد اخفقت لجنة جائزة نوبل للسلام مرة اخرى، اذا كانت قد منحت اوباما الجائزة لتاكيد الزعامة الامريكية، باسم تطلعات يتقاسمها البشر، حيث لم تكن امريكا (الادارة السياسية والعسكرية )، معنية بتطلعات الشعوب ومستقبلها طوال عقود طويلة، بل كانت معنية بمصالح احتكاراتها وتامين استراتيجياتها على حساب الشعوب ومصالحها، وما حروبها في فيتنام وكوريا والصومال وافغانستان ولبنان والعراق، إلا تتويجا لنهج عدواني امبريالي لا يعرف التقاسم مع البشر، بل يعرف استعباد البشر باشكال وبأدوات متنوعة.

اما اذا كان منح الجائزة للرئيس الامريكي على اساس ما اشاعه من اجواء دولية، وعلى اساس نواياه الطيبة التي عكستها شعارات التغيير التي رفعها، وإن لم يخطو بعد باتجاه التغيير الفعلي، بل العكس، فتكون اللجنة المانحة قد نجحت عمليا بحسن نية او بغيرها، في تكريس رفض النهج البوشي واصحابه من اليمين المتطرف، ورفعت من شأن خطاب اوباما التصالحي وحملته عبئآ اضافيآ في احترام مصداقية شخصيته الاعتبارية امام شعوب العالم التي حرص ان تصلها اصداء خطاباته عن التغيير والعدل والاحترام في التعامل الدولي، وخاصة في منطقتنا العربية، وفي التعامل مع قضية الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه المشروعة وفي ترك العراق للعراقيين كما ادعى.

واليوم إذ اصبح إغلاق معتقل غوانتانمو مسألة معقدة وصعبة، والانسحاب من العراق مرتبط بظروفه الامنية ومتغيراتها، واحتمال تاخيره واردا، واصبح شرط اوباما ووزيرة خارجيته بوقف الاستيطان من قبل حكومة اليمين في اسرائيل لإستئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينين والاسرائيليين في خبر كان، بعد ان وقفت هيلاري كلنتون الى جانب نتنياهو لتأمر الفلسطينين بالعودة الى المفاوضات دون وقف الاستيطان ودون (شروط مسبقة)، فأن أوباما قد تجاوز على استحقاقات وعوده وشعاراته التي رفعها، فكيف سيلبي استحاقات جائزة السلام التي وافق على قبولها.