رفض المصريون التطبيع “البابا شنودة”…أما نحن فغرقنا فيه!

مثقفون يتسللون من تحت عباءة الوطن

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2067 )

هل يصح السؤال التالي في حالنا: أيليق بالنضال الفلسطيني الحقيقي، النضال من أجل النضال والواجب، أن يصل إلى هذا الدرك؟ وتحديداً درك العجز عن فهم المرحلة واختلاط الشخوص، وتمازج الأوجه، وتشظي المواقف، رغم طول المدى واتساع التحدي الذي يلف الناس جميعاً؟ أن نتساءل بعد أكثر من ستة عقود: هل هذا تطبيع أم لا؟

نعم يليق، طالما أن هذا النضال فقد البوصلة، وأقصد بالبوصلة، ذلك الفريق من الناس الذي قلَّ أو كثُرَ، أخلى السبيل لبازار التسوية أو شبه التسوية، الموقف او شبه الموقف أو ضد الموقف. ينتمي الناس وطنياً فرادى، لكنهم لا يستطيعون النضال فرادى، وإن فعلوا، لن يحققوا مشروعاً جماعياً. والمقصود أن يكون النضال طبقاً للمتطلبات. فالمتطلب الوطني جماعي، مما يشترط نضالاً جماعياً قطاعيا، تعاونيا، حزبيا، جبهة وطنية…الخ. لا بد من عمل جماعي ليقوم الناس بتجديد وتخليق المقاومة.

هذا البازار هو الذي خلق خليطاً من المفاهيم للمسألة الواضحة الواحدة أي التطبيع، والتي تعني التسليم للعدو بما أخذ، والتهاون معه فيما سيأخذ، سواء ما أخذه من الأرض أو الثقافة أو المعتقد، وكل هذه من مكونات حق العودة.

قراءة المطبعين

لا أكتب هذا للتشكي من أن هناك من اتهمونا بالتخشب والعنف والقسوة، وإنما لكي اضع بعض النقاط حتى على الحرف الواحد.

حين نسمع وعظاً بمرونة ما من مثقف ما، في قضية وطنية ما، علينا التوقف والحذر. التوقف لقراءة من يتحدث، ليس قراءة ما يكتب، فأعذب الشعر أكذبه، بل قراءة مسار حياة الشخص، ومصدر عيشه في الماضي اولاـ ثم في الحاضر.

فالمرء هو مجموع حياته وليس لحظة وجوده أمامنا. وأقصد بالمرء هنا مثقفي التطبيع.

لن يكون لنا اي نجاح في مواجهة هؤلاء، إذا كان دورنا الرد فقط على ما يكتبون. فهم يتناسلون كثيراً، كما أن وسائلهم مثل عديد الحصى، هذا إلى جانب أنهم يعملون بمكافآت ليست الرواتب سوى قروش قليلة مقارنة معها.

كما ليس دورنا التعرض لأسمائهم، لأنهم لا يستحقون من جهة، ولأن قانون الحكم الذاتي وقوانين القطريات العربية هي من أجلهم، قوانين حقبة التسوية.

يبقى المناخ إذن. مناخ تناسلهم، سيرورة حياتهم، كيف عاشوا سابقاً، وعلى من اعتمدوا، ولماذا؟ هذه فقط هي التي تجعل تعريفنا لهم سهلاً ومضيئاً لتعاطينا مع ما يفعلون ويطرحون.

بكلمة أوضح، فالمثقف الفلسطيني الذي عاش على حساب منظمة التحرير بينما كان المقاتلين يستشهدون في الجنوب، مبرراً ذلك بأن موته لن يُعوَّض، انتهى إلى أداة بيد القيادة الفلسطينية التي انتهت في أوسلو وفي اللحظة. هذا المثقف هو الذي يقاتلنا بضراوة لأنه يدافع عن فساده، عن تموُّله، عن وظيفته التي حصل عليها لأنه تورط في التنظير للتسوية والتسوية نفسها. يتحدث شفاهة ضد الفساد، ويدافع عمليا عن الاقتصاد السياسي للفساد، عن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي تقوم على الفساد. يشتم ياسر عرفات شفاهة ويمدحه علانية، وكان قد عاش على موائده، وما زال. المثقف الذي بارك أوسلو، وشارك في لجنة مفاوضات هنا وهناك تحت راية العدو و/أو الأعداء، وحصل على “وظائف” و “تقاعدات” والآن يزعم أنه ضد أوسلو! لهذا بالضبط قلت أعلاه، يجب البحث في سياق حياة المرء وليس في لحظة حديثه.

الشظايا تتهالك قبل التشكيلات

يعيدني هذا إلى مصر. في مصر ولد مصطلح التطبيع كمستوى لغوي متولد وناتج عن حدث مادي هو الاعتراف بالكيان الصهيوني. والاعتراف هنا بلا معنى إذا لم نترجمه بوضوح، أي التنازل عن فلسطين للمحتل. وبدأ المصريون موقفاً من التطبيع منذ 1978، رفض الدخول إلى الأرض المحتلة قطعياً بدءاً من بطل الموقف آنذاك البابا شنودة وحتى اي مصري عادي. وحتى اليوم لم يتغير موقف الشعب.

قد يسأل شخص ولماذا لم يحصل هذا قبل كامب ديفيد؟

نعم لأن كامب ديفيد تضمن اعتراف النظام بالكيان، مما يعني أن الدخول هو تحت يافطة الكيان، اعتراف بسيادته وتعويداً للناس على الانكسار النفسي بالدخول تحت راية الكيان مما يجعل وجود الاحتلال شرعياً.

قد يسأل البعض، وهل هذا يعني أن بوسع السعودي أو السوري دخول الأرض المحتلة دون نعته بالتطبيع طالما الدولة لم تعترف بالكيان؟ بالطبع لا، لأن تطور الأحداث طوَّر الفهم وأكد لنا أن فرص استغلال العدو لدخول اي عربي، لا سيما ذوي السمة التمثيلية أمر خطير.

منذ تلك اللحظة، لحظة كامب ديفيد، بدأ الاختلاف. ولم يكن راي أمثالنا ممن يعملون لوجه الله، لم يكن رأينا زج شعب مصر الشقيقة في حرب ضد الكيان، بل كان على الأقل: “أن لا تبيعوا القضية بالاعتراف”. لتخرج مصر من الاشتباك المادي، ولتبق ضمن الإلتزام الأخلاقي. مثالاً على هذا، حينما زار شمعون بيرس المغرب 1986، “علانية” كنت أعمل في جريدة العرب اللندنية أثناء دراستي. دعى المرحوم أحمد الهوني لاجتماع الكادر الصحفي للاتفاق على موقف. اختصر الموقف أخاه حسن بالقول: “علينا أن نقول للعرب، فلسطين أرض عربية، إن لم تعيدوها لا تبيعوها”. وهكذا كان الموقف.

مع تورط النظام المصري في معادلة الهيمنة الأميركية، كان التورط الرسمي الفلسطيني الذي لم يقطع مع نظام مصر. وهذا يكشف عن جرثومة التطبيع التي نخرت المقاومة الفلسطينية باكراً إلى أن اعترفت بالكيان.

هذا عن المناخ السياسي الرسمي.

ولكن هذا لا يكفي كذلك وحده. فماذا عن المناخ الشعبي؟

فالمناخ الشعبي تحديداً هو الفيصل. فرغم اعتراف الطبقة الحاكمة /المالكة بالكيان، إلا أن الشعب بقي على موقفه حتى اليوم. لماذا، لأن مصر تشكل حضورا تاريخيا، بنية تاريخية اجتماعية اقتصادية ثقافية مكتملة، تاريخ له روحه الحية رغم الطعنات.

حين تقول طبقة عاملة، هي موجودة، وحين تقول طبقة برجوازية هي موجودة، وحين تقول ثقافة هي موجودة. وبالمقابل، ماذا هناك في المناطق المحتلة والأردن مثلاً؟ هناك حالات من التجمعات الشبه طبقية، شتات طبقي، وشتات ثقافي، ما خلا العروبي منه. شُقف من مجتمع، شظايا يزداد تشظيها، ويقل إنتاجها، ويزداد اعتمادها على مداخيل غير منظورة. كيانات وظيفية، تتبعها أجهزة وظيفية، وحتى ما يقارب حالة “وظيفية” المواطن الفرد. وخطورة هذه التشظيات أنها بهشاشتها تسمح بما يلي:

* تمكين الفرد من قيادة زمرة صغيرة أقرب إلى مختار سياسي

* تمكين منظات الأنجزة من تخليق زمرة ترى مصلحتها في التطبيع ولا أحد يناقشها

* تمكين المؤسسات الأجنبية المرتبطة بحكوماتها من تخليق زمر لبرالية متغربنة

* وتمكين الكيان من ربط زمر متعددة بمختلف “مؤسساته”.

ومما زاد فرص هذه الاختراقات، وغيرها هو التفكيك القطاعي الذي اصاب الأرض المحتلة بعد اتفاق أوسلو. يكفي أن ننظر إلى مآل القطاعات الشعبية في الضفة والقطاع، فبعد اوسلو تمظهرت البلد عن حالة بطريركية عجيبة، أصبحت السلطة مثابة الأب، فانحلت لصالحها وفي يدها الأشكال الانتظامية لقطاع العمال، الطلاب، المرأة…الخ. غدت السلطة مصدر تمويل وتوظيف، هي ومنظمات الأنجزة والمنظمات “المسماة- دولية” فاصطفت الناس طوابيراً لتعيش على وجبات طعام يومية. هذا الدور وهذا التغيير وهذه الهشاشة أوصلتنا لنكن أمام “وطن محتل وبلا مقاومة”. ربما من هنا اجترأت عنوان كتابي: “البنك الدولي والحكم الذاتي: المادحون والمانحون”

والهدف من وراء هذا هو الحيلولة دون تماسك الشظايا كي لا يتبلور روح شعبي يقاوم التطبيع. ولكن لنلاحظ، فقبل التطبيع كان تماسك الشعب أعلى وكانت المقاومة أوضح. أما التطبيع فخلق منطقة رمادية أكلت المقاومة، وها هي تهجم الآن علينا!

ولكن، إذا كان التطبيع ممكناً في الكيانات فهو غير ممكن في قطر مكتمل مثل مصر. صحيح أن الحاكم في مصر يفرض وظيفيته بالقوة والقمع، لكن التمثُّل الشعبي لموقفه غير موجود. بل هو مضاد.

المثقف

ليس المثقف نبياً، وليس شبحاً. المثقف واحد من بين الناس. وكما يعيش الفرد حياته ودوره يعيش المثقف ذلك. لذا، يمكن للمثقف أن يكون كالفرد العادي، تاجراً، مفكرًا، لصاً، عميلاً، عبقرياً بغيَّاً، سائق حافلة، مربٍّ خلوق، أحد جلاوزة النظام…الخ.

لا تنشغل الشعوب التي استقر وضعها كثيراً بدور المثقف، بل تنشغل الشعوب التي حِيل دون استقرارها أو التي أُخضعت للاستعمار، وخاصة الاستيطاني كحالنا. بل فنحن ننشغل في موقف كل مواطن فرد. أما الانشغال بموقف المثقف، فلأنه يلعب دورا مؤثراً، اي يستخدم ثقافته لموقف ما. والأخطر لأن ثقافته تُستخدم لدور ما هو ضد الوطن. يكون المثقف في أحيان كثيرة، عبوة ناسفة تنفجر فينا أو نلقيها على العدو.

وهنا يكون الأمر الحاسم في حياة المثقف هو دوره واختياره.

ولو شئنا وضع النقاط على الحروف، لقلنا إن المثقف الفلسطيني في حقبة منظمة التحريرقد فشل في الاختبار التاريخي. بل مارس المعصية والجريمة.

أقصد هنا أكثرية هؤلاء المثقفين، وتحديداً الذين تقاطعوا مع التسوية سواء الذين أتوا من الخارج، أو الذين تواجدوا في الداخل.

والمعادلة سهلة هنا. فنحن لا نتحدث عن مستوى افتراض فلسفي عالٍ، ولا نتحدث عن فلسفة (مدارس الاقتصاد والأدب والفن والسياسة…الخ). نحن نتحدث عن واقع مادي ملموس: وطن جرى اغتصابه” أنتهى، هذه هي المعادلة. فهل هو لنا أم لهم؟

هذا الوضوح الدامي في القضية لا يحتاج إلى فلسفة السياسة ولا فلسفة الشعر، ولا حتى فلسفة السلاح! يحتاج إلى بساطة الصدق والإخلاص والأخلاق.

من هنا يمكننا البدء بتعريف التطبيع. بمعنى أن التطبيع هواي قبول بالعدو، وإقرار للعدو، كمحتل لأي شبر من الوطن. هذا القبول لا يشترط مشروعاً ماديا فنيا اقتصاديا غزليا عاطفيا حداثيا ما بعد حداثي مع العدو. فمجرد القبول هو تطبيع. هذا مع أن مجرد القبول هو مشروع، هو القبول نفسه.

من هنا، فمشروع أوسلو هو مشروع تطبيعي، هو مشروع اقتسام الوطن مع العدو، وهو اقتسام مجحف أيضاً.

لذا، لا نحتاج لقراءة ملايين الصفحات التي أُريق فيها دم الحبر في الدفاع عن ما يمكننا تسميته “فن التطبيع”.

وبمناسبة هجوم المطبعين المدعوم من الإدارة الأميركية ومن شمعون بيرس “المثقف الصهيوني الرقيب على كتابات العرب” وصولاً إلى كل من يكتب ومن يتعلم أن يكتب، ولا يعني انه تعلم الكتابة، في جريدة أو على الهواء، وبمناسبة دفاعنا عن الوطن ضد هؤلاء نختم بأن التطبيع عمل يدركه من يمارسه أكثر مما يدركه من يراقبه. وبما أننا لسنا شرطة أو مخابرات أو عسس بالمصطلح الأموي، فنعتقد أن ما يبدو من التطبيع هو جزء من قمة جبل الجليد وستكشف ذلك قادم الأيام. لذا، فالتطبيع خطير.