أردوغان في طهران… “تعاون استراتيجي” غير معلن؟!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2068 )

وصفت بعض المصادر التركية زيارة رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان قبل أيام لطهران، بما نجم عنها أو قد ينجم أو ينعكس على علاقات هذين البلدين الجارين الهامين مستقبلاً، بأنها إنما تكشف عن بدء علاقة “تعاون استراتيجي” غير معلن…! هل بالإمكان الذهاب معها إلى مثل هذا المذهب؟!

قد يكون من المبكر قليلاً الجزم بمثل هذا، وإن كان من شأن وقائع الزيارة، ومنذ أن بدأت وحتى انتهت، احتفاءاً وترحيباً وتصريحاً، والأهم توافقاً وتوقيعاً، وكذا توقيتاً، ما يغري به… لماذا؟

لم تخف إيران بهجتها بما سمعته من ضيفها، الذي اسمعها كلاماً لطالما تاقت لسماع مثله، والذي من شأنه في هذه المرحلة الحاسمة التي تعيشها علاقاتها المحتدمة تجاذباً وتدافعاً مع الغرب أن يشنف آذان مسؤوليها. قبل أن يغادر طهران وصف أردوغان زيارته لجيرانه بأنها إنما كانت “زيارة نموذجية” تمت بين بلدين كبيرين ناهضين يأخذان قرارهما بيدهما ويرفضان أن يأخذه الآخرون لهما، وغادرها داعياً للتعاون الثنائي “يداً بيد”. وربما كان الأهم، هو إعادة تأكيد رؤيته هناك بخصوص حل مشاكل المنطقة التي تقول بإن “العلاجات هي في أيد دولها لا في خارجها”، لكن لعل الأكثر أهمية بالنسبة لمضيفيه كان تطابق طهران وأنقرة في موقفهما من مسألتين رئيستين، هما إدانة إسرائيل والبرنامج النووي الإيراني، يضاف لهما الموقف من الدولار أو اسنبعاده في تبادلهما التجاري.

طهران بدورها أطنبت في امتداح سياسات حكام أنقرة الذين يسميهم الإسرائيليون بالعثمانيين الجدد، ردت على التحية بمثلها، وصولاً لإشادة مرشدها “بالمواقف التي اتخذتها الحكومة التركية إزاء الشعب الفلسطيني والتي تعتبر تحركاً إسلامياً وعقلياً، ومن شأنها أن تعزز مكانة تركيا في العالم الإسلامي”. داعياً ومؤكداً بدوره ل”ضرورة التعاون الصحيح بين كل من إيران وتركيا وسوريا والعراق”.

بعيداً عن إعلان المواقف أو ما قد تخبئه الزيارة منها، أي على الصعيد العملي، وعلى جاري الدارج في الزيارات الأردوغانية مؤخراً لجيران تركيا، تم توقيع الطرفين على اتفاقيات عديده، منها، التنقيب عن الغاز الإيراني، وانشاء خطوط جوية مشتركة، منطقة حرة، ومدينته تجارية حدودية، واستخدام عملتيهما الوطنيتين في تبادلهما التجاري عوضاً عن الدولار. وقد يزداد مثل هذا أهميةً عندما نعلم أن حجم التبادل بين البلدين قد تضاعف خلال العامين الماضيين فقط ستة أضعاف، ويريده أردوغان، كما قال، أن يصل به إلى 20 مليار دولار خلال ما لا يزيد عن العام الذي سيهل بعد شهرين. وإذا ما عرفنا أن تركيا تطمح بأن تكون ممراً لامدادات الغاز الآسيوي عموماً إلى أوروبا المتعطشة للطاقة، دون أن ننسى إمدادات النفط القائمة عبرها والمأمولة مستقبلاً، فمعنى هذا أن هذه الزيارة قد حققت الكثير بالنسبة للأتراك والإيرانيين في مثل هذا المجال… الإيرانيون الذين يريدون الانفتاح الاقتصادي على أوروبا عبر الجسر التركي، الذي لطالما تاق لأن يكون متنة بوابة الشرق إلى الغرب والعكس… إذن هذا بعض ما كان، ولدرجة أن المعارضة التركية لم تجد ماتنتقده في الزيارة مدار النقاش داخلياً إلا اعتراضها على وصف أردوغان لتركيا بالبلد الإسلامي!

إذن، وعليه، وإذا ما عدنا إلى مسألة “التعاون الاستراتيجي” غير المعلن، أو ما وشت بشبهته زيارة أردوغان “النموذجية” لدى بعض الأتراك، فإنه علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما دعوناه في مقالات سابقة بالتحول الاستراتيجي التركي، أو أولى خطواته المدروسة التي يخطو حزب العدالة والتنمية بتركيا في سياقة مستفيداً من أمرين:

الأول:التحول الديموقراطي الذي جاء به إلى الحكم، فاحسن فيه، وقد غدا في سدته، محاربة الفساد المستشري والمزمن، محققاً الإنجازات القياسية على الصعيد الإقتصادي الذي عززه بالانفتاح على الجوار الإسلامي، أو البيئة التاريخية، عابراً من حقائق الجغرافيا عائداً بتركيا إلى حيث منطق التاريخ الذي تدغدغ سوالف أيامه وجدان الأتراك ويشبع فيهم جوعاً شعبياً إلى استعادة الهوية الثقافية والحضارية المغيبة التي عادت بشائرها تطل عليهم عبر سياسات إسلامييهم.

الثاني: هو الإفادة من مواصلة سياسة الإلحاح التركي التقليدي على عضوية الإتحاد الأوروبي شبه المستحيلة لتقليم أظافر العسكر التركي وحشر الأتاتوركية في الزاوية، عبر اتخاذ خطوات الإصلاح الديموقراطي وتبديل القوانين، أو هذين المتوجب الإقدام عليهما كاستجابة مطلوبة منها لاشتراطات الاتحاد لقبول عضويتها… هذا القبول الذي مل الأتراك منه، وهم الذين تسكعوا دهراً على أعتاب الاتحاد، أو منذ ما يقارب النصف قرن، فلم يقابلهم بغير مهانة التمنع والصدود… كان هذا التقليم سابق للعثور على وثيقة “خطة مواجهة الرجعية”، أو مخطط تآمر بعض الجنرالات للانقلاب على حزب الرفاه واسقاطه، فما بالك بعد العثور عليها؟!

لقد ثبت بعد أكثر من تسعين حولاً من الأتاتوركية المتزمتة، أو الطورانية المغالية في توجهها الأوروبي وعلمانيتها الفجة، أنها لم تنجح في أن تقتلع الأتراك من الجغرافيا، إذ لم تنجح عملية استبدالها للخط العربي باللاتيني الهادفة إلى استبعادهم عن موروثهم المسجل به أن تبعدهم عن ما صاغ لقرون وجدانهم وتاريخهم، أو تفلح هذه القطيعة مع هذا الموروث المخطوط بالحرف المستبدل عنوةً في شطب الذاكرة الشعبية التي حاولت الأتاتوركية تهجيرها بعيد عنه. لقد ثبت الآن أن كل ما فعله أتاتورك هو استبدال الطربوش العثماني بالقبعة الأوروبية، لكنما ظل الشروال التركي وصاحبه بعيداً عن الأوربة القسرية، وظل الحنين إلى الهوية الذي تنعشه اليوم خطوات حزب العدالة المدروسة والحذرة والذكية والناجحة… أو مستجد السياسة الخارجية ذات المردود الملموس، الذي حدا بستة من وزراء الخارجية الأتراك السابقين أن يقروا معترفين بقدرة وجدارة وحنكة وتميّز وزير الخارجية التركي الحالي أحمد داوود أوغلو، مهندس الانفتاح على المحيط الحضاري التركي العربي والإسلامي، وأن يعطوه في برنامج حواري تلفازي علامة ثمانية من عشرة!

قد يقول قائل، أن الانفتاح التركي على إيران يضبط رتمه المتصاعد على إيقاع الانفتاح الأوروبي أو الغربي إجمالاً هذه الأيام عليها، ومنتهزاً التراجع الغربي الذي دفع رئيسها محمود أحمدي نجاد إلى القول، بأن “مرحلة تثبيت الطاقة النووية الإيرانية قد استكملت”، وبالتالي، إلى طرح معادلة جديدة في تجاذبها النووي مع هذا الغرب، هي “الوقود مقابل الوقود”، أو ما تؤكد عليه في آخر معارج مدارج تفاوضها حول برنامجها النووي معه، في مرحلة ما بعد انتقال الغربيين، وفق ما يقوله الرئيس نجاد، “من موقع المواجهة إلى موقع التعاطي”… نعم، قد يكون في مثل هذا بعض ما يشجع أردوغان على المضي في توجهه الإيراني الذي عبّر عنه، وليس لأول مرة، مؤخراً. إنما علينا أن لا ننسى أن الإنفتاح التركي كان قد سبق في كل الاتجاهات وشمل كل الجيران، سوريا، العراق، إيران، أرمينيا، بلغاريا، وحتى اليونان، بل تعدى إيران إلى الباكستان… ثم من قال أن في وارد الأتراك الإبتعاد عن الغرب أو ما يربطهم حتى الآن به، أو حتى عن أطلسيتهم، أو علاقتهم المديدة مع إسرائيل؟!

هنا نحن إزاء استراتيجية تركية شاملة يرسخها انجازها مردوداً ملموساً وسريعاً، حيث أن ما جنته تركيا من انفتاحها هذا على محيطها قد أتاح لها الحسنيين: فوائد اقتصادية هائلة هي في حاجة إليها للمضي قدماً في سياق تطورها الاقتصادي المتسارع النمو، وما سوف يؤمن لها أسواقاً ومجالاً حيوياً لحصيلة هذا النمو، ودوراً إقليمياً رئيساً بدأ يلوح، كان انكفاؤها والتصاقها بذيل الغرب لعقود يحرمها منه…

ويمكن أيضاً إضافة حسنى ثالثة، وهي العودة إلى الهوية الضائعة التي هي سبب من أسباب ما يلاقيه حزب العدالة من تأييد شعبي يعبّر عن تعطش الأتراك وحنينهم العميق لهذه العودة المستحقة غدا يرمز لها، وبالتالي، يمكن حتى الذهاب لدرجة القول بأن التحول التركي، وهو استراتيجي بكل المقاييس، كان في حكم المحتوم بشكل أو بآخر بالنسبة لدولة هي في أهمية وحجم تركيا، وربما سيكون هذا في نهاية المطاف حتى لو كان من يحكمها أو سيحكمها هو غير حكامها اليوم، أو إسلامييها.

التحولات ذات المنحى الاستراتيجي في المنطقة ليست بمعزل عن التحولات الكونية التي يحبل بها عالمنا. ومن شأن الطامحين من الصغار نسبياً أنهم يجهدون عادةً في مراقبة أحوال الكبار انتظاراً لفرصهم المنتظرة التي يرون أنهم يستحقونها لأخذها. فالعالم من أقصاه إلى أقصاه يتابع باهتمام ترنح سطوة وبلطجة القطب الأمريكي الأوحد وبداية العد العكسي لانحسار هيمنته على قرار العالم… يتابع نتائج فشل حروبه الكونية الحمقاء على عدوه غير المرئي الإرهاب. تعثر مشروعه في العراق وفشله في أفغانستان، وبوادر هزيمته التي تلوح فيهما. مآزقه الاقتصادية المستفحلة أو أزمته التي يواجهها راهناً… الأمر الذي من شأنه أن يفتح شهية المراكز الكونية الصاعدة المتعددة لأن تأخذ نصيبها من القرار الكوني الذي لم يعد بالإمكان الاستفراد به… لعل الأتراك قد قرأوا المرحلة جيداً واستعدوا لتحولاتها فبدأوا تحولهم… ومثلهم فعل الإيرانيون عندما طرحوا معادلة الوقود مقابل الوقود، أو العين بالعين والسن بالسن في مواجهة جبهة “الشيطان الأكبر” المحتشدة ضدهم… وكالعادة هناك غائبون بدو وكأنما هم يستمتعون بوضع رؤوسهم في تراب عجزهم… من أسف، ونقولها بمرارة، إنهم نحن العرب!