تركيا تتقدم نحو إيران.. باتجاه من يتقدم العرب؟

فاطمة الصمادي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2068 )

في ذروة التهديد والوعيد العالمي لإيران يصل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى طهران، ويعلن من هناك بوضوح دعم بلاده لبرنامج إيران النووي وينتقد معارضي هذا البرنامج الذين يمتلكون السلاح النووي.

وقبل ذلك في ذروة العدوان على غزة كان أردوغان يأخذ بلاده إلى المكان والموقف الذي يجب أن تقفه. وربما تكون غزة هي التي قدحت شرارة بدء الدور التركي الجديد في المنطقة، ومنذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى دفة الحكم عام،2002 قدم رئيس الوزراء التركي أردوغان وعدا لشعبه بعلاقات دينية وثقافية قوية مع الدول الإسلامية.

ولم تتردد أنقرة على عكس الكثير من الدول العربية في إعلان دعمها لغزة، وفي الأسبوع الماضي رفضت تركيا المشاركة في المناورات العسكرية المشتركة مع إسرائيل، وكانت فلسطين هي العنوان الأول كسبب للرفض التركي.

وإن كانت السياسة التركية الجديدة في المنطقة من دعم للقضية الفلسطينية وتقارب مع إيران قد أصابت نتنياهو بالدهشة، فيجب أن تصيب الزعماء العرب بـ”دهشة” لا تقل عن تلك التي أصابت صديقهم نتنياهو، فالسؤال المطروح اليوم يتعلق بالطريقة التي أجرت فيها تركيا حساباتها وقررت أن تتقدم خطوات نحو ملفات ودول وحركات سياسية، تجعل منافعها ومصالحها مع العالم الغربي وأمريكا في معرض الخطر.

وإن كان العرب لا يمكنهم الحديث عن مصالح حقيقية تربطهم بإحكام إلى القرار السياسي الغربي تجاه إيران وقضايا المنطقة بقدر ما هو خضوع للإملاءات الخارجية، فإن تركيا لديها الكثير من المصالح العليا التي يحق لها أن تحسب ألف حساب بشأنها قبل الإقدام على أي قرار سياسي، ولعل في مقدمتها قضية الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي وعلاقات تجارية وعسكرية وسياسية واسعة مع العالم الخارجي البعيد عن الشرق.

وعودة إلى العلاقات الإيرانية التركية فالسؤال الملح اليوم يقول: ألا يحرج التقارب الأخير مع إيران تركيا أمام حلفائها الأمريكيين والأوروبيين، ويضعها رفضها لسياسة المقاطعة في مواجهة المجتمع الدولي، الذي يشدد حصاره على طهران، التي ترفض وقف برنامجها النووي، وتتمسك به كحق لا يقبل التنازل؟

مما لا شك أن تركيا تدرك محاذير سياستها الجديدة لكنها تدرك أن مكانا يعيد لتركيا مجدها التاريخي لا يكون إلا بالاتجاه نحو الأمة الإسلامية، ويبدو أن تركيا تقرأ جيدا ملامح مرحلة مقبلة يتعاظم فيها الدور الإيراني والنفوذ الإيراني بصورة لا يمكن تجاهلها.

ويبدو العداء التاريخي، والمذهبي الذي يقف سدا منيعا بين الكثير من العرب وإيران، ويوظف بشكل مبرمج في حملة العداء السياسي لها، يبدو واهيا إذا ما عدنا إلى السير التاريخي للعلاقات غير الحسنة بين تركيا وإيران، وإن كانت الأسباب العربية للعداء بهذه الوجاهة كان من الأولى أن تكبل تركيا قبل العرب، وتمنعها من إقامة علاقات سياسية وتجارية مع إيران.

فالخلافات التاريخية والمذهبية بين إيران وتركيا قديمة بقدم الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية، ففي ظلهما نشأ العداء بين السنة والشيعة، وكلاهما استعان بالخارجي لإضعاف الآخر، وكلا الطرفين مارس سياسة تطهير للآخر فكريا وعقائديا وجسديا، حدث ذلك وكل طرف يكيل الاتهامات للآخر بأنه السبب في إضعاف الأمة.

ولم تهدأ حدة الصراع الإيراني التركي إلا في العام 1923 عندما أسس مصطفى كمال أتاتورك تركيا الحديثة، على أنقاض الإمبراطورية العثمانيّة، وغابت منذ ذلك التاريخ الحروب الدموية والصراعات، خلافاً لتاريخ طويل مليء بالصراع الدموي المديد بين الفُرس والترك، وكانت الخلفيَّة المذهبيَّة الشيعيَّة – السنيَّة هي البعد الإستراتيجي الأبرز في لعبة الصراع على النفوذ والمصالح بين الطرفين في المنطقة. وحسم الأتراك العثمانيون في ذلك الحين الصراع لمصلحتهم، في معركة “غالديران” سنة،1514 حيث هزم الإيرانيون بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي.

ومن اللافت أن أتاتورك شكل نموذجا حاز على إعجاب شاه إيران رضا البهلوي، وبعد زيارته لتركيا في عشرينيات القرن العشرين عاد رضا شاه مأخوذا بالنساء السافرات هناك، والنمط الغربي الذي أدخلت فيه تركيا، وما كادت قدمه تطأ ارض إيران عائدا من هناك حتى كان ينزع حجاب الإيرانيات بالقوة ويلبس الرجال بالقوة أيضا “طواقي الغرب” ظنا منه أنها الوسيلة الأمثل لعلمنة المجتمع الإيراني.

ودخل محمد رضا بهلوي في تحالف عسكري منتصف الخمسينيات من القرن الماضي مع أنقرة، في ما سمِّي وقتئذ بحلف بغداد والذي تحوَّل في ما بعد إلى مؤسسة التعاون الاقتصادي “الإيكو”، ويضم باكستان وأفغانستان ودول آسيا الوسطى إلى جانب تركيا وإيران.

وكانت تركيا السبَّاقة في الاعتراف بإسرائيل سنة،1949 لكن نظام الشاه أيضا كان حليفا قويا لإسرائيل، وفيما بعد شهدت الدولتان تحولات سياسية كبيرة، حدثت الثورة الإسلامية في إيران، وبدأ نجم إسلامي تركيا بالظهور، لكن الثورة لم تؤثر بشكل كبير على توجهاتهم واكتفوا بالتفاعل الفكري مع إنتاج المفكرين الإيرانيين الذين لمعوا في السنوات التي سبقت سقوط الشاه وخلال السنوات الأولى للثورة وأبرزهم علي شريعتي وعبد الكريم سروش وغيرهما، وخلال الحرب مع العراق كانت تركيا المتنفس الحيوي للبلد المحاصر.

وعلى الدوام لم تخل العلاقة من المناكفات السياسية من قبل الطرفين، وبينما غضت إيران الطرف عن نشاط حزب العمال الكردستاني داخل أراضيها، دعمت تركيا منظمة “مجاهدي خلق”، لكن العلاقات خاصة على الصعيد التجاري بدأت تشهد نموا واضحا منذ العام 2000 و يتوقع أن يصل حجم التبادل التجاري للعام المقبل إلى 30 مليار دولار.

اليوم يتجاوز إسلاميو تركيا أو “العثمانيون الجدد” وأبناء ثورة الخميني، التاريخ المليء بالصراع والدماء، نحو تحالف يصب دون أدنى شك في مصلحة الطرفين، بينما ينشغل العرب في موجة العداء والاستعداء لإيران من خلال خطاب مذهبي صرف يتحدث يوما عن قرآن مزعوم للإيرانيين ويخترع قصة عن قبلة غير مكة يصلي لها الشيعة يوما آخر، والسؤال الذي يجب أن يجيب عليه العرب: لمصلحة من يكونون وقود هذا العداء؟