الهندوراس: عودة زيلايا الى ارض الوطن

نورالدين عواد ـ كوبا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2073 )

منذ حوالي اربعة شهور، تتصدر الهندوراس وسائل الاعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في القارة الامريكية اللاتينية، على اثر الانقلاب العسكري الذي اطاح بالرئيس الدستوري مانويل زيلايا روساليس، الذي وصل الى السلطة الرئاسية في تلك الجمهورية في امريكا الوسطى مرشحا عن الحزب الليبرالي الهندوراسي، في انتخابات عام 2005.

خلال عهده الرئاسي دفع زيلايا بتحسين الاوضاع الاجتماعية في بلد يعيش حالة استقطاب شديدة تقف الاكثرية الفقيرة والاقلية الثرية فيها على طرفي نقيض، واقترح اجراء استفتاء شعبي بهدف تشكيل جمعية تاسيسية (برلمان جديد) يكون قادرا على تعديل الدستور البالي. فكان رد الاوليغارشية المحلية التي تسيطر على قطاع الشركات والجيش والامن والشرطة، انقلابا عسكريا وقع يوم 28 يونيو من العام الجاري، اختطفت من خلاله الرئيس من سرير نومه ونفته الى كوستاريكا فجرا، ونصبت بدلا منه روبيرتو ميشيليتي الذي حظي قاريا بلقب الغوريلا الكبيرة، كناية عن بطشه بالحركة الشعبية وتعنته غير العقلاني، كما لو كان نسخة عن بوش الصغير.

كانت الهندوراس قد انضمت الى “البديل البوليفري لشعوب امريكا اللاتينية” (آلبا) الذي يضم كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا وبوليفيا والاكوادور وعددا من جزر الكاريبي، ردا على “منطقة التجارة الحرة للامريكتين” (آلكا) التي تتزعمها الامبريالية الامريكية. وبالطبع لم يرق هذا الامر للاوليغارشية المحلية وسيدتها امريكا. وفي ظل ترهل قوة المشروع الامريكي في المنطقة، وتحديا للاطر التكاملية والوحدوية الاقليمية المناوئة لها، ومحاولة لتوريط آلبا في صراع عسكري يتيح لامريكا الزج بقواتها، جاء الهجوم الامبريالي من خلال الانقلاب العسكري في الهندوراس ـ (بالاضافة الى القواعد الامريكية السبعة في كولومبيا) ـ التي تشكل اضعف حلقات معارضة مشروع الهيمنة والسيطرة الامريكي في النصف الغربي من العالم.

في الهندوراس لا توجد ثورة اشتراكية ولا ماركسية ولا اسلامية ولا نووية، بل نظام ليبرالي راسمالي متخلف، وقاعدة عسكرية امريكية. حاول رئيسها الشرعي المنتخب قانونيا وشعبيا، مانويل زيلايا (رجل شركاتي ثري لكنه قومي)، ترسيخ الانتقال من ارث الدكتاتوريات العسكرية الى دولة القانون والارادة الشعبية. لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك ان الادارة الامريكية ووكالة الاستخبارات المركزية والقاعدة العسكرية في الهندوراس ضالعون في الانقلاب بالتنسيق مع الاوليغارشية التقليدية في الهندوراس.

الجماهير الشعبية العريضة في الهندوراس تحتل شوارع البلاد دون سلاح منذ 28 يونيو الماضي وتواجه قوات الفاشيست المدججة بالسلاح الحربي، وتعمم شعار “انهم خائفون لاننا لانخاف”. وهناك اصرار حتى الان على الحفاظ على الكفاح السلمي الشعبي ضد الانقلابيين بهدف اعادة الرئيس الدستوري الى السلطة. (كفاح سلمي ضد الاحتلال العسكري الداخلي المتزاوج مع الاحتلال العسكري الاجنبي من خلال قاعدة بالميرولا الامريكية). حتى هذه اللحظة سقط اكثر من 100 مواطن برصاص فاشست الانقلابيين و600 جريح في المشافي وتم اعتقال 3000 آخرين. بالمقابل لم يسقط في صفوف القوى الرسمية اي قتيل او جريح على الرغم من انه تم القاء القبض على 89 عسكريا بلباس مدني مندسين في اوساط المقاومة، وهم يقومون باعمال عنف في محاولة للايحاء بان المقاومة السلمية اصبحت مسلحة، من اجل تبرير القمع الدموي والاغتيالات لقادة المقاومة وعناصرها.

في 22 سبتمبر ايلول الماضي استطاع الرئيس المخلوع مانويل زيلايا اختراق الاجراءات الامنية الحكومية والوصول الى العاصمة تيغوسيغالبا قادما من الخارج والتجأ الى السفارة البرازيلية، حيث يحظى بالحصانة الدبلوماسية فيها ويقود المقاومة السلمية من هناك. لا يمكن تصور هذه الخطوة دون علم وتنسيق مسبق مع البرازيل التي تسعى للاضطلاع بدور اقليمي يتناسب مع قوتها في القارة. وقد حذرت الحكومة البرازيلية الانقلابيين من مغبة اي تصرف يمس بالسفارة او بالرئيس زيلايا.

ان هذه العودة قد جاءت تاكيدا من زيلايا على الوفاء بوعده لانصاره بانه سيعود مهما كان الثمن، وبضرورة التواجد فعليا وجسديا داخل الوطن لكي يعزز مصداقيته كرئيس شرعي مخلوع وزعيم للحركة الشعبية المناوئة للانقلاب، وتنسيق اعمال المقاومة عن كثب وميدانيا.

لقد فشلت حتى الان كافة الجهود الدبلوماسية الدولية والاقليمية (الامم المتحدة ومنظمة الدول الامريكية) في ثني الانقلابيين عن موقفهم والعودة الى الحياة الدستورية في البلاد. كما ان هذا المستوى من الرد الشعبي السلمي ليس كافيا لتحقيق هذه الغاية. وعلى الرغم من ان زيلايا قد شرع بالتفاوض مع الانقلابيين من اجل عودته الى الرئاسة التي لم يتبق له فيها الا قليلا، وقدم تنازلات للعسكريين وللاوليغارشية، وللادارة الامريكية (اوباما وهيلاري بالتحديد) الا ان الانقلابيين لا زالوا على موقفهم بعدم السماح له بالعودة اطلاقا ويراهنون على عامل الوقت، ويعدون العدة لانتخابات رئاسية مستحقة في نوفمبر القادم، على امل شرعنة النظام الانقلابي والتخلص من زيلايا وبرنامجه الاصلاحي.

في القمة السابعة للبديل البوليفري لشعوب امريكا “آلبا” التي عقدت في كوشابامبا/ بوليفيا (16 ـ 17 اكتوبر الجاري) اشار الرئيس الفنزويلي أوغو شافيس الى ان الانقلاب العسكري في الهندوراس لم يكن فقط ضد الهندوراس بل ضد العملية الوحدوية الجارية على قدم وساق في المنطقة ولذلك لا بد من الحاق الهزيمة بالانقلاب وحذر شافيس الحكومة الانقلابية من انها ان لم تسلم السلطة الا في اعقاب اجراء انتخابات 29 نوفمبر القادم، “فاننا لن نعترف بتلك الانتخابات تحت اي ظرف من الظروف وسنضطر الى اتخاذ اجراءات اكثر صرامة ضد الانقلاب” وهذا تعهد كبير ملقى على عاتقنا.

وقد اصدرت القمة بيانا خاصا حول الوضع في الهندوراس تطالب فيه باعادة الرئيس زيلايا الى السلطة، علما بان الحوار الذي تشرف عليه وترعاه منظمة الدول الامريكية قد انكسر نهائيا بسبب تعنت نظام ميشيليتي الانقلابي.

بناء على هذه المعطيات، يمكن القول بان الانقلابيين لا زالوا يحظون بدعم الادارة الامريكية الفعلي بغض النظر عن التصريحات المتناقضة التي تصدر عن اركانها. كما انه من المستبعد ان يسلم الانقلابيون السلطة سلميا، والا لما كانوا قد سطوا عليها بالسلاح. وهناك مراهنة على الانتخابات القادمة قريبا للتهرب بشكل ما من المسؤولية عن انتهاك الديموقراطية البرجوازية القائمة دستوريا، سواء من خلال اضفاء الشرعية على الانقلابيين او احالة الرئاسة الى طرف ثالث وتكون النتيجة واحدة: عدم عودة زيلايا الى السلطة وقطع الطريق على استمرارية المخاض الاجتماعي الجماهيري في البلاد، من اجل الحفاظ على الوضع القائم كما كان سابقا على حد تعبير ميشيليتي.

أيا كان البديل او الحل الذي سترسي عليه موازين القوى في هذا الصراع (بين الاطراف الرسمية) فانه من المستبعد ان تفنى الحركة الشعبية والجماهيرية التي اخذت تكتسب وعيا اجتماعيا وسياسيا يتجاوز المطالبة بعودة زيلايا الى السلطة، وصولا الى التحرر من الاحتلال الداخلي والالتحاق بركب نظيراتها في بلدان آلبا. وهذا الامر يعتمد الى حد كبير على قدرة القيادات الشعبية القاعدية على التقاط اللحظة التاريخية الراهنة وتجذير الحركة والتاسيس لعملية التحرر السياسي والاجتماعي المستحقة. فامريكا اللاتينية تعيش حالة مخاض وولادة سعيدة، وتكافح من اجل الخروج نهائيا على الهيمنة الامبريالية الصهيونية والاوليغارشية وانجاز استقلالها الثاني والنهائي.

في الهندوراس كما هو الحال في فلسطين، لا بد من التخلص من الاحتلال الداخلي بغض النظر عن الطريقة، كمقدمة لا بد منها، من اجل تحرير الوطن وانعتاق الانسان. والحياة تثبت يوميا وللمرة الالف مقولة الراحل جمال عبد الناصر ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ولو كره الاوسلويون والمتأنجزون.