حرب اليمن: إما قوة شعبية تفكك القُطريات أو طوفان خارجي لا قيام بعده!

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2074 )

ملاحظة: هذه المقالة بناء على سؤال من زميلة جديدة في كنعان، بردى يوسف.

ليست هذه المقالة مدخلا لعرض تفاصيل القتال اليومي على الحدود السعودية اليمنية، والتي قد تصبح (الحوثية-السعودية-اليمينة)!. كما ليس بوسع كاتبها معرفة الارتباطات والتحالفات السرية بين أي من أطراف الصراع ومن ورائه، مع أن هذه أموراً لا بد تنجلي ذات وقت. هي قراءة في الأسباب التي بموجبها آلت وستؤول أوضاع الدولة القطرية العربية إليه. في المقدمات الموضوعية “السوداء بالطبع” التي تملي ذلك،

1. الأمن الداخلي والأمن القطري/القومي

قد تكون الدولة القطرية العربية وحدها التي يمكن تفكيك الأمن فيها إلى:

· أمن داخلي

· وأمن وطني/قومي

ما أقصده أن الأمن الداخلي، الأمنى الشُرطي هو مسؤولية أجهزة الأمن في هذه البلدان، التي لديها كافة التجهيزات لقمع اي حراك أو احتجاج شعبي في تأكيد أن هذه الأنظمة تقوم على قوة القمع المفتوح. أما الأمن الوطني /القومي /الجغرافي فليست هذه الأنظمة هي المقررة فيه، فهو من صلاحيات القوى التي أوجدت الدولة القُطرية العربية، بدءاً من صائغي سايكس-بيكو وانتهاء بمجدديه. وربما لهذا السبب طالما خسرت الأنظمة القطرية حربها مع الخارج، وكلنا يتذكر كم مرة عجز الجيش اليمني على سبيل المثال، عن الدفاع عن الجزر في البحر الأحمر أمام دولة صغيرة.

هذه الصلاحية لقوى الخارج متجذرة إلى درجة أن أي نظام عربي لا يجرؤ اليوم حتى على عقد تحالف دفاعي مع اي نظام آخر، إذا لم يكن بقرار من المركز الإمبريالي. وضمن هذا الاتفاق المعلن والمكتوم، انتهت ظاهرة تدخل دولة قطرية في التطورات لدى أخرى، كما كان الأمر في فترة مصر الناصرية (دعم الثورة الجزائرية، دعم ثورة اليمن بقيادة عبد الله السلال) أو دعم النظام اليساري السوري للمقاومة في الأردن.

في أعقاب انتهاء الحقبة القومية التقدمية، انكشف الوضع العربي عن خريطة مختلفة بدأت منذ هزيمة 1967، لم تتوقف عند عجز الأنظمة العربية عن محاولة إنقاذ العاصمة اللبنانية أثناء الغزو الصهيوني للبنان، وهو الغزو الذي أعطى قيادة م.ت.ف فرصة الخروج إلى الخارج لتبرير التوقيع على اتفاق أوسلو وذلك بترداد عبارة ” يا وِحِدْنا”، بل تفاقم الأمر إلى قيام دول عربية بالمشاركة في تدمير العراق بحجة أن الكويت هي “دولة عضو في الأمم المتحدة”. وهي عبارة تنفي الرابط القومي العربي وحتى تنفي جغرافية العراق بما أن الكويت محافظة عراقية.

إذن، انتهى القرار فيما يخص الأمن القطري/القومي العربي بيد الهيمنة الإمبريالية التي تعيد هندسة هذا الوطن طبقاً لمصالحها وجرياً على ما فعلت عام 1916 مرفوعاً إلى أُسِّ أكثر خطورة.

2. بعد مأزق المشروع القومي العربي

للوصول إلى هذا التحكم بالوطن العربي، كان لا بد من تفصيل الدولة القطرية العربية على نحوٍ يقوم على المقومات التالية:

أولاَ: إلحاق الهزيمة بمشروع الوحدة العربية على أرضية إلحاق الهزيمة ومن ثم إسقاط الأنظمة التقدمية ذات النهج الوحدوي والقرار التنموي. وهو ما اتضح في وتركز ضد مصر الناصرية التي كانت تمثل دولة مركزية بوسعها حمل مشروع وحدوي. وهزيمة المشروع القومي مسألة مقصود بها الوصول إلى تغييب وإنكار القومية العربية، وخلق هويات قطرية ودون قطرية في القطر الواحد بما يؤول إلى تفكك وتجزئة تستتبع تجزئة أخرى تبتعد أكثر وأكثر عن المسألة القومية حتى تُطمس تماماً.

ثانياً: تركيز وتعميق التبعية للمركز الراسمالي، ولا سيما لدى دول المنحى المعتدل، ولاحقا أنظمة الكمبرادور، مما يُبقي على المواطن تحت رحمة النظام الحاكم. وهي التبعية التي استدعت التخلف واحتجاز التطور وتراجع حتى الزراعة. في حالة كهذه يصبح المواطن واسع وشديد الاعتماد على علاقته بالدولة سواء كموظف في إداراتها أو كجندي أو دركي أو عنصر امن في جهازها. وبهذا ترتاح الدولة من أكبر عدد من المواطنين المستقلين المعتمدين على إنتاج متطلبات معيشتهم بعرقهم. وبالطبع، فكل من يعتمد على الدولة، يغدو في وضع من الصعب معه مواجهة السلطة أو الخروج عليها.

ثالثا: اعتماد علاقة القمع ضد المواطن، خاصة وأن الدولة هي مصدر التعييش عبر أجهزة بيروقراطية هائلة الحجم. وهذا يحول دون قدرة المواطن على إرغام النظام باعتماد الحريات والديمقراطية. فالديمقراطية البرجوازية في الغرب الرأسمالي لم تتاتى هبة من الملوك، بل هي انتزاع شعبي تطلبه سير خط الإنتاج بلا تقطعات. بمعنى ان الطبقة الحاكمة مضطرة لتقديم مرونات سياسية وحرياتية للمواطنين تلافياً للاحتجاجات والإضرابات التي تعيق سير خط الإنتاج حين حصولها. وبتحقيق درجة من الحريات، تتبلور أسس المجتمع المدني الذي حتى وإن أطاع السلطة بالهيمنة، إلا أن المواطن قد توصل إلى تحقيق درجة من الشعور بأن له في هذا الوطن حقا ما (العمل الدخل الحرية الشخصية الكرامة…الخ) . وبالحقوق تكون المواطنة.

رابعاًً: حرمان المواطن العربي في أي قطر وفي كل قطر من حقه كمواطن كي يتحول الوطن بالنسبة للمواطن إلى مجرد مكان لا يشعر فيه بالأمن ولا يشعر تجاهه بالولاء. فما يحدد مواطنة المواطن هو توفر الحقوق الشخصية والحريات العامة والكرامة والعيش. كل هذه معدومة في الوطن العربي لأن النظام الحاكم يُشعر المواطن بهامشيته وبعجزه حتى عن الاحتجاج. ولذا، ما أن تضعف السلطة القمعية الحاكمة حتى تتحلل المجتمعات القطرية إلى عناصرها الأولية.

خامساً: يترتب على هذه العوامل ترسيخ الدولة القطرية بعيداً عن المشترك القومي. فبنية هذه الدولة كبنية تابعة ومتخلفة مستوى التطور الاقتصادي لا توجب عليها لا حماية السوق المحلي، كما هو شأن البرجوازيات القومية عالمياً، ولا تتوفر لديها طموحات الهيمنة أو التحكم بالسوق القومي، بما هي طبقة كمبرادور لا طبقة منتجة. وبهذا يتم طمس الشعور القومي والنزوع الوحدوي، وينحصر المواطن في أفق قطري محدود.

3. من هزيمة المشروع القومي إلى تجديد سايكس بيكو

لقد حملت حقبة العولمة، إذا جاز لنا التأريخ لها منذ سبعينات القرن الماضي، متغيرات جديدة في العالم، جعلت من عودة الاستعمار بشكله الكلاسيكي أمراً ممكناً، هذا إذا كان خروجه من بلدان المحيط هو خروج حقيقي. فمنذ سبعينات القرن الماضي كان العالم يتدهور باتجاه القطب الواحد، ولا اقصد هنا القطب الأميركي وحده بل الثلاثي الإمبريالي على حساب القطب الاشتراكي. وهذا ما جعل فرص العودة للاستعمار المباشر ممكنة.

يمكننا تلخيص تحكم المركز الإمبريالي بالعالم في عهد قطبيته باعتماد سياسة: “تذرير المحيط وتركيز المركز”. وهي سياسة تشتمل على:

* فرض الهيمنة الإمبريالية على العالم وتحقيق إجماع على قبول هذه الهيمنة

* تجريد بلدان المحيط من سيادتها لتصبح مثابة “ولايات” خاضعة للدولة المركزية للعالم، وهي التي يسميها البعض الإمبراطورية الأميركية، بينما ربما الأصح هو تقسيم العالم إلى ثلاث بنى سياسية:

1) دولة قائدة ومستقلة حقا هي الولايات المتحدة الأميركية

2) تتبع لها وتتشارك معها أوروبا الغربية واليابان في حالة شبه استقلالية

3) وتأتي بقية بلدان العالم كمستعمرات

هذه المراتبية هي التي خلقت واستتبعت واشترطت كلاً من حقبة القومية الثالثة ومشروع تذرير المحيط. وهي حقبة تمكنت الإمبريالية الأميركية معها من تفكيك كثير من دول العالم، لا سيما التي ليست في ركابها. وهو تفكيك سمح للكثير من الإثنيات والأقليات بالتحول إلى دول باسم القومية، وهي دول مرتبطة بالمركز الإمبريالي. وهذا ما أعطى موجة القومية الثالثة طابع أداة للمركز الإمبريالي.

لقد اصبح الوطن العربي هو المسرح الذي حاولت وتحاول الولايات المتحدة تطبيق “تطويرها” لاستراتيجية “فرق ـ تسد” لترفعها إلى درجة “تفكيك/تذرير المحيط وتركيز المركز” وهو ما يتم في العراق والسودان ويجري العمل عليه في مصر والسودان والصومال ولبنان…الخ.

والسؤال هو: هل يمكن قراءة ما يجري بين السعودية واليمن على هذه الأرضية؟

هل تتوفر مناخات تفكيك اليمن والسعودية من الداخل؟ هل يوفر النظام الحاكم في اليمن هذا المناخ؟

لقد ارتكز النظام اليمني الحالي على “ديمقراطية القبائل” أو دول القبائل. وهو التوازن الذي حل محل، أو أغلق الطريق على تبلور أحزاب سياسية ذات امتداد مجتمعي أفقي، ناهيك عن الامتداد الطبقي. وعليه، لم يعد من السهولة بمكان على الدولة أن تفرض سيطرتها على الوضع المتجسد لصالح القبائل والجهات.

ربما في هذا النطاق يمكن وضع الحرب السادسة بين الدولة والحوثيين. وكما يبدو فهي حرب سلطة وحرب بين السلفية، التي لا تخبىء نفسها (انظر لاحقاً) وبين الكمبرادور القطري الذي لا يخفي هويته ايضاً، بغض النظر عن دقة الحديث عن وجود ارتباطات مع هذا الطرف أو ذاك.

إن انعدام سواد حالة المواطنة، إلى جانب الفقر وانعدام التنمية، وغياب قاعدة صناعية تحول قوة العمل من رجال قبائل مسلحين كما لو كانوا جيشاً إلى طبقة عاملة تتجاوز الولاء القبلي، وغياب الحزبية بالمعنى الشامل افقيا للمجتمع، جعل الخروج على سلطة الدولة أمراً طبيعياً. وعليه، اصبح الفرد “مواطن في القبيلة” وليس في الدولة، وهذا يبرر ويسهِّل الميل للانشقاق، وخاصة حين يتوفر غطاء ودعم خارجيين.

حين لا توفر الدولة مجال عمل ومصدر دخل، وحين لا توفر الحريات، وحين لا يشعر الفرد بالمواطنة، لا يجد ما يبرر ولائه للسلطة، بل يجد في القبيلة سلطته. وإذا ما تم تمتين هذه العوامل البعيدة عن السلطة بنزعة طائفية يتم تركيبها على بنية قبلية، تتوفر عندها الجاهزية للقتال ضد الدولة المركزية لصالح الطائفة/القبيلة، وخاصة حين يكون هناك استهدافاً للطائفة سياسياً وطائفياً.

ما من معنى لديمقراطية تعيش على التوازن بين القبائل، ليظل الرئيس في منصبه لثلاثة عقود. بل إن مناخاً من هذا القبيل يوحي بوجوب الخروج على النظام السياسي، سواء طائفياً قبلياً في صعدة أو جغرافياً في الجنوب. وحين تخلق السلطة في صنعاء مناخات الصراع والتمييز والقمع تصبح النتائج منفلتة وغير محسوية العواقب أو لا يمكن توقع مآلها النهائي وهو مآل خطير في مختلف الأحوال.

ما الذي يمنع الذين يشعرون بالتمييز ضدهم، ببناء علاقات مع أطراف خارجية أو عربية طالما النظام نفسه هو الذي يدفعهم إلى ذلك ويمنعهم عنه فقط بقوة السلاح. ويبدو أحيانا أن الأنظمة العربية التي تعتمد فرض السلطة بالقوة والقمع والسلاح، تنسى أن توفر السلاح لدى المواطنين ليس مستحيلاً.

4. مأزق السعودية أم توسيع هيمنتها

لماذا تتدخل السعودية في الصراع اليمني الداخلي؟ هل لأن هناك قوىً خارجية تشارك في الصراع لصالح الحوثيين؟ هل كانت السعودية في موقع الدولة التي يمكنها لعب دور المصالحة بين الأطراف في اليمن؟ هل هي ذلك النموذج الذي يمكنه بصفاته الذاتية (الحريات والتنمية وحقوق المرأة والمجتمع المدني والاستقلال وعدم التبعية والتحصن من الاحتلال الأجنبي المباشر وغير المباشر) أن تلعب دور دفع النظام اليمني إلى الإصلاح والتصالح؟ أم أن النظام السعودي هشاً إلى درجة القلق الحقيقي من اية تطورات في القطريات المحيطة به؟ أليست قَطَر بالدور المناط بها في الجزيرة العربية والمشرق العربي قد تجاوز ثقلها ثقل السعودية بعد أن كان المفترض أن تظل تحت عباءة السعودية، أو هكذا معنى الثقل الإقليمي لقطر بحجم وإمكانات السعودية؟

لقد لعبت السعودية درراً خطرأ ضد المشروع القومي منذ تواجدها وخاصة في الحقبة الناصرية. لقد ساهم النظام السعودي منذ ثورة أيلول في اليمن 1963 ضد الإمام البدر في تقويض مصر الناصرية بدعمها لقوات الإمام البدر لإعادته إلى السلطة، وهو الأمر الذي ارهق النظام الجمهوري من جهة، والنظام الناصري الذي دفع بقوات كبيرة للقتال في مناطق جبلية يصعب على الجيوش النظامية حسم المعارك فيها، منذ الاحتلال العثماني لليمن وحتى نظام علي عبد الله صالح الحالي. ولا شك أن الدور المصري في اليمن آنذاك قد فتح عين الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي على خطورة اقتراب الناصرية من منابع النفط مما جعل تقويض الناصرية كممثلة للنهوض القومي العربي مسألة على أجندة التنفيذ الحتمي، وهو ما تحقق بعدوان 1967.

إن القلق السعودي من التطورات في جارتها اليمنية هو الذي دفعها للعب دور في الصراع بين شمال وجنوب اليمن، وهو دور لم يكن للإصلاح بل لإضعاف بلد تراه منافساً لها على اساس قطري. ألم ترفض السعودية دخول اليمن الفقير عضوية مجلس التعاون الخليجي. وليس هذا مجال تعداد دور السعودية في المشرق العربي، وإن كان أحدثه تدخلها في الصراع السياسي في لبنان، وتمنيها على الجيش الصهيوني لتصفية حزب الله.

وإذا كانت السعودية قد أمضت قرابة الخمسين عاماً وهي تخرِّب على الصعيد القومي العربي دون أن تدفع ثمناً غالياً، فليس من المؤكد أن دخولها على خط الصراع اليمني سيجنبها ذلك. وهذا يفتح على الملاحظات التالية:

أولاً: لا توجد مؤشرات على تماسك النظام الحاكم في السعودية، لا على مستوى تنافس القبيلة/العائلة الحاكمة، ولا على مستوى بلورة حالة مواطنة حقيقية في مختلف أجزاء المملكة. مما يعني أن تفككها أمر وارد. وعليه، فإن دخول حرب الحوثين بتوسع يمكن أن يساعد على هذا التفكك.

ثانياً: لا تتوفر في المجتمع السعودي حالة المواطنة الحقيقية، لا من حيث الحريات بعمومها ولا من حيث حرية المرأة. وبالنالي، فإن اية خلخلة في قبضة النظام يمكن أن تؤدي إلى تفكك في أقاليمه.

ثالثاً: إذا كان من شروط المجتمع المدني توفر الحريات، ووجود مؤسسات مجتمعية وسيطة بين المجتمع السياسي والمجتمع بمجموعه مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات بشكل خاص، فإن هذا غير متوفر في السعودية. وهذا يجعل افكاك المواطن عن الدولة في حال تضعضعها أمراً واردا فلا يوجد ما يبرر ولائه لها والتأسف عليها.

رابعاً: لكي يكون هناك مجتمع مدني لا بد من تغير في المبنى الاجتماعي للتراكم ليقوم هذا المبنى على واقع اقتصادي إنتاجي ووجود طبقات اجتماعية تشكل قطبَيْ/أقطاب نمط الإنتاج الراسمالي المهيمن. بينما النظام الاقتصادي السعودي يعيش على دفوفات الريع الذي تتحكم به العائلة المالكة، إلى جانب قطاع خاص ضعيف لم تتبلور على هامشه طبقة راسمالية صناعية يقوم موقفها على دورها الاقتصادي وطموحها في السيطرة على السوق الوطني، وبالتالي تكون هي نفسها من عوامل بلورة وتركيز المواطنة.

خامساً: ما الذي يمنع الولايات المتحدة من تطويل عمر الحرب اليمنية الحالية، سواء بما يُشاع عن اشتباك لا مباشر بين إيران والولايات المتحدة هناك، أو بين السعودية وغيران (وبالطبع الولايات المتحدة في اللعبة). وتطويل عمر هذه الحرب هو صناعة اقتصادية للمجمع العسكري للولايات المتحدة، خاصة إذا كانت هذه الحرب فاتحة صراع أوسع في ذلك الجزء من الوطن العربي مما يفتح مجالاً واسعا لتشغيل هذا المجمع في فترة تهيمن على العالم أزمة اقتصادية شاملة تحتاج معها مختلف دول العالم ولا سيما الولايات المتحدة إلى السيولة المالية؟

5. قطبا الصراع في الوطن العربي

في مقابلة من حلقتين نشرتها صحيفة النهار اللبنانية أجراها ابو بكر عبد الله مع عبد الملك الحوثي زعيم الحركة الحوثية، أكد الحوثي أن مشروع جماعته هو:

“ان ما نسعى إليه، ليس مسألة نظام الإمامة، لدينا مشروع ثقافي شامل على ضوء القرآن الكريم، نتنادي به ونقدمه ضمن دروس ومحاضرات مع خطوات عملية سلمية منها شعار “الله أكبر- الموت لأميركا ـ والدعوة إلى مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية والتوعية النشطة في مواجهة التصليل الإعلامي والتسميم الثقافي والمسخ الأخلاقي والفساد الاقتصادي الذي يشنه أعداء الأمة عليها”

فماذا عن مشروع النظام الحاكم في اليمن، بل هو ما اشرنا إليه في الصفحات السابقة؟

وعليه، فإن ما يدور في اليمن لا يختلف كثيراً عن ما كان في الجزائر، أو ما زال، وفي مصر، وفي العراق. وهذا يعني إما قوة سلفية تختطف القرآن وتجعله دستور حزبها كما تراه وتفهمه، أو تختطف الإسلام، وتُخرج عن الإسلام كل من لا يقبل قرائتها وتجسيد تلك القراءة في مشروع. مقابل قوة تختطف الوطن وتلقي به في حضن الإمبريالية بما هي أنظمة قطرية وُجحدت بدورها التابع لتكون كدولة عدوة للأمة!

6. من أجل القطب الغائب؟

الغائب في هذا المعترك هو الطبقات الشعبية العربية عامة وممثلها الحزبي. وغيابها في ضياعها بين جمهور للسلفية وجنود للأنظمة. وبالتالي ليقتل الأخ أخاه والاب إبنه في صراع مشروعين ليسا تاريخيين. وفي هذا استثني القوى الاسلامية الجهادية استثناء تاماً.

كما أن الغائب هو التحالف التاريخي الذي يمثل القوى القومية والاشتراكية والإسلام الجهادي. لا بل إن هذا التحالف، وهو غير متبلور اساساً، معرض للاستهداف بمجرد حصول الاستقطاب الثنائي بين السلفية والكمبرادور.

وهذا يعيدنا ثانية إلى المسألة الأساس وهي تقويض المشروع القومي العربي للطبقات الشعبية الذي هو مشروع اشتراكي في التحليل الأخير.

وهذا يفتح على مسألة أخرى، وهي هل تلعب إيران لعبة الهيمنة على الجزء النفطي من الوطن العربي؟ على المشرق العربي؟ هل تلعب لعبة التقاسم مع الولايات المتحدة؟ أم لعبة التصادم؟

وهل الرشاقة السياسية والتحليلية كامنة في طرح وإجابة هذه الأسئلة؟.

أم أن المسالة المركزية هي: كيف يمكن التصدي لضياع الوطن والأمة علي يد الأنظمة القطرية؟ ما هي الآليات التي يجب تطويرها وتوظيفها لإلحلق الهزيمة بالدولة القطرية بما هي ذات وجود وظيفي يسير بالوطن إلى الضياع؟ كيف يمكن القبول بأنظمة تتنازل عن أجزاء من اقطارها كي تبقى في السلطة؟ انظمة لا توفر الحريات ولا التنمية ولا حتى الدفاع عن الأرض.

هذا ما يجب العمل من أجله، وليس جر الشعب لحرب مع إيران وعداء طائفي إن بدأ، وأخشى أنه بدأ، لن ينتهي. باختصار، فإن المطلوب تطهير داخلي، رداً على الحرب الأهلية التي تديرها الأنظمة القطرية ضد الشعب العربي بمجموعه. وعندها، لا يعود العامل الحاسم صداقة غيران أم عدائها، بل القوة الذاتية، وهي التي تتصدى اساساً للولايات المتحدة والكيان الصهيوني.