حزب الله… والأزمة الوجودية للكيان الطائفي اللبناني!

جورج حداد*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2075 )

واخيرا باض الديك، وتشكلت حكومة سعد الحريري الائتلافية، بعد خمسة اشهر بطولها من المساومات والمماطلات والتأجيلات، التي تبين اخيرا انها كلها كانت مسرحية مقصودة.. للتأجيل بحد ذاته، بانتظار “كلمة السر” من الخارج، بالسماح اخيرا بتشكيل الوزارة اللبنانية، بوصفه – بين التشكيل والتعطيل ـ “اهون الشرين”. وكان من المصادفة لا غير (!)، ان يتوافق يوم اعلان تشكيل الوزارة مع يوم اعلان نهاية اضخم تدريبات عسكرية اميركية ـ اسرائيلية مباشرة؛ وكأن احداهما جزء من الاخرى، والله اعلم.

ولا احد يدري الان كيف ستعمل هذه الوزارة، التي من الواضح تماما انها لا تملك زمام امورها، وانها ستنتظر ما تأتي به “مهابط وحيها” بالصغيرة والكبيرة. ولكن خلال هذه الخمسة الاشهر الطويلة اتحفنا سيرك “14 اذار” بكل ما عند جهابذته من بهلوانيات “الطائف” و”الدوحة” و”الدمقراطية الطوائفية” “والتوافقية” و”الدستورية” و”الاكثرية والاقلية” و”ازدواجية السلطة” و”الدولة داخل الدولة” و”الدولة فوق الدولة” و”الدولة تحت الدولة” و”دولة اللادولة”، جنبا الى جنب بهلوانيات “عدم توزير الخاسرين”، و”الوزارات السيادية وتحت السيادية”، و”الكوتا الطائفية للوزارات” ومطابقتها على قياسات الاستقطابات والتعارضات والتحالفات الطائفية ـ السياسية الخ الخ الخ.

ولكن كل هذه البهلوانيات والخزعبلات السياسية كانت ولا تزال تخفي امرا جوهريا واحدا هو: الموقف الفعلي من المقاومة.

فحتى لا يعامل لبنان، كدولة وبلد وشعب، معاملة دول “محور الشر”، حسب القاموس الاميركي، ينبغي عليه كدولة ان يتخذ موقفا واضحا وصريحا ضد المقاومة بقيادة حزب الله، بوصفهما قوة معادية لاسرائيل وحليفها الستراتيجي اميركا، اي جزءا لا يتجزأ من “محور الشر”.

وباعتار ان لبنان ـ الدولة (منذ غير المغفور له الجنرال غورو) هو تركيبة طائفية، وغالبية احزابه هي واجهات طائفية، فإن على كل طائفة وحزب طائفي ان تعلن ويعلن ايضا موقفه الصريح ضد المقاومة بقيادة حزب الله؛ والشيء ذاته ينطبق على بعض العلمانيين (احزابا او تنظيمات او مستقلين) السخفاء والتافهين، الذين يعتبرون ان المسألة الجوهرية والمصيرية التي تواجهها الانسانية جمعاء والامة العربية والشعب اللبناني هي في نظرهم مسألة الحجاب واللحى وكاس العرق وهز الارداف، وليست مسألة الهيمنة الامبريالية الاميركية والاحتلال والاجرام والغطرسة والابادات الصهيونية.

لقد عملت اسرائيل في السابق المستحيل، بالتعاون مع اميركا و”اصدقائها” العرب، لتحويل لبنان الى محمية اسرائيلية. ولكن مشروعهم فشل ودفن الى الابد مع بشير الجميل. وحينما تم طرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وارتكبت مجزرة صبرا وشاتيلا لارهاب الجماهير الفلسطينية ودفعها الى الهرب في مشارق الارض ومغاربها، ظهرت المقاومة الوطنية اللبنانية، ولكنها للاسف لم تستمر لاسباب عديدة اهمها عدم اهلية قيادتها السياسية من امثال الجهبذ الياس عطالله الذي اشترته لاحقا شركة سوليدار بثلاثين من الفضة او النحاس لا لحاجتها اليه بشيء بل فقط ليكش الذباب عن اطباق السنيورة. ولكن في الوقت ذاته ظهرت المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله، التي استمرت واشتد عودها وقويت شوكتها الى درجة اصبحت معها ندا ميدانيا قلب المعادلة الستراتيجية كلها، لا اللبنانية ـ الاسرائيلية فقط، بل والعربية ـ الاسرائيلية ايضا.

واصبح القضاء على حزب الله ضرورة استراتيجية، سياسية وعسكرية، لاميركا واسرائيل.

وفي حرب تموز 2006، وبالتنسيق التام مع اميركا والانظمة العربية المعنية، خارجيا، ومع حكومة السنيورة والمعنيين الكبار في فريق “14 اذار” داخليا، حاولت اسرائيل بجيشها “الذي لا يقهر” تحطيم حزب الله مرة والى الابد. ولكن التجربة فشلت. ومنذ ذلك الحين واسرائيل تعيد النظر في كل ستراتيجيتها والجدوى العسكرية لجيشها، وهي الان تطلب حماية اميركية مباشرة، تحسبا لاندلاع مواجهة جديدة مع حزب الله.

وحتى نعطي كل “ذي حق حقه”، علينا ان نعترف ان حكومة السنيورة والمعنيين الكبار في فريق “14 اذار” ارادوا هم ايضا ان يجربوا حظهم ضد حزب الله وحلفائه وان يثبتوا مكانتهم الاميركية ـ الاسرائيلية المميزة. فكانت مؤامرة 5 ـ 7 ايار 2008، التي استعدوا لها تماما عدة اسابيع او شهورا. فرسموا “الخطط الحربية” الضرورية، وشحنوا احياء بيروت بالمقاتلين المغفلين، الذين حشروهم في الشقق المفروشة، وعملوا على خداع وتضليل وحدات الجيش اللبناني وقوات الامن اللبنانية. وكانت الخطة تنقسم الى ثلاثة مراحل: 1ـ دفع وحدات الجيش وقوى الامن للاصطدام بجماهير المقاومة، على قاعدة “شرعية او لا شرعية” “دولة او لا دولة”؛ 2ـ اشعال فتنة مذهبية سنية ـ شيعية ودرزية ـ شيعية وفتنة طائفية مسيحية ـ اسلامية؛ 3ـ اطلاق حملة مسعورة من النباح السياسي والنواح الطائفي، والمطالبة بـ”حماية” عربية ـ دولية للبنان، ووضعه تحت جزمة “الحماة” المزعومين. ولكن هذه الخطة الجهنمية فشلت فشلا ذريعا. فأولا، إن قوات الجيش والامن اكتشفت اللعبة في الوقت المناسب ولم تقع في فخ السنيورة (وربما هذا يفسر الحقد الخاص الذي يكنه السنايرة لهذا الشاب النظيف جبران باسيل). وثانيا، اكتشف كل من يهمه الامر ان المقاومة وجماهيرها الغفيرة والغفورة، قادرة سياسيا وعسكريا، على وضع خط احمر امام الفتنة المذهبية والطائفية، وعلى تطهير لبنان ـ كل لبنان ـ في ساعات او ايام، من جميع اوكار التجسس والخيانة وقطع كل يد تمتد للمقاومة من الكتف. (خلصت اللعبة؛ شوفوا غيرها؛ اذا فيكن!).

وهنا يطرح السؤال المفصلي التالي: لماذا استطاعت المقاومة بقيادة حزب الله ان تكتسب كل هذه القوة بمواجهة الاعداء الخارجيين والداخليين معا؟

وسرعان ما تجيبنا كل “أورطة حنيكر” بجوقة نباح واحدة: الاموال الايرانية!

لا ينكر احد ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تقدم المساعدات للمقاومة. وهذا ليس عيبا بل مصدر فخر لها. فمنذ انتصار الثورة الاسلامية على الشاه في ايران في شباط 1979، دعت قيادة الثورة الاسلامية الجماهير الشعبية الايرانية للتبرع للثورة الفلسطينية. فأخذت الاموال واطنان الحلي الذهبية والفضية الايرانية، تتدفق على منظمة التحرير الفلسطينية. بالاضافة الى غيرها من الاموال طبعا التي كانت منظمة التحرير تتلقاها من مصادر اخرى. فماذا كانت النتيجة الملموسة لكل هذه الاموال، حينما كانت منظمة التحرير الفلسطينية في اوج مجدها في لبنان؟ ـ نشوء ظاهرة “البيروقراطية الثورية” وانتاج “الابوات” والترهل والفساد، والمكاتب والسيارات الفخمة (المصفحة طبعا) والحراسات والمرافقات، وتفريخ المنظمات الصورية لاجل الاستعراضات السياسية واستقطاب مختلف الوجهاء والمنافيخ، والسيطرة على الزواريب في بيروت وطرابلس وصيدا وغيرها. وما جره كل ذلك من “اقتتال ديوك” شبه يومي، بالرغم من كل ظروف الاحتلال. وفيما يخص افرقاء “14 اذار” (الحريري، الجميل، جعجع، شمعون، جنبلاط وغيرهم) متى نقصت عليهم الاموال والاسلحة، الخفيفة والمتوسطة والثقيلة؟! فماذا انتجوا لجماهيرهم الخاصة، وللشعب اللبناني المسكين عامة؟ ـ عصابات ميليشاوية طائفية للاقتتال الطائفي والذبح على الهوية، عصابات من الزعران واللصوص تسابقت فيما بينها لسرقة البنوك والمحلات والمستودعات وبيوت المهجرين، وهي العصابات التي نهبت الحمرا ومنطقة الفنادق والاسواق التجارية و”نظفت” المطار والمرفأ والمنطقة الحرة ومستودعاتها.

والى جانب الاحتلال الاسرائيلي وبوجوده، كانت تندلع الحروب المدمرة بين الشرقية والغربية، وحروب القصف العشوائي الرهيبة، وحروب السيارات المفخخة، وحروب “الاشقاء” وحروب الزواريب بسبب ايقاف سيارة احد الابوات على حاجز، او افضلية مرور او ايقاف سيارة او حتى اولوية الحصول على فطاير اللحم بعجين. وكانت تعقد المؤتمرات السياسية، وتأتي وتذهب الوفود العربية والاجنبية لعقد الهدنات والمصالحات التي لا تنتهي. ويغلق المطار ويفتح، وتنشأ المرافئ غير الشرعية، وتزدهر تجارة السوق السوداء، خصوصا بمواد المساعدات الخارجية، ويغتني من يغتني من امراء الحرب وابوات الميليشيات، على حساب هذا الشعب الصابر المظلوم.

وفي هذه الظروف التي كان فيها الكل يتلهى بالكل وبكل شيء ما عدا الاحتلال، و”بعيدا” عن كل الاضواء وكل هذه الضوضاء، بدأ ينمو تنظيم ثوري او كفاحي او جهادي، سمه ما شئت، قوامه رجال ادركوا ان اصل العلة في كل ما يجري من تفكيك للمجتمع اللبناني، والعربي عامة، هو في سرطان الاحتلال الاسرائيلي، الذي يتهيأ للتوسع على حساب تفكيك المجتمع اللبناني والعربي. وليس من الصدفة، بل من طبيعة الاشياء ان هؤلاء الرجال كانوا من ابناء الجنوب البائس، الواقع تحت الاحتلال، والذي كان على الدوام ضحية الاقطاع والريجي والمكتب الثاني والدرك ولم يكن يشعر يوما انه ابن الدولة، بل انه منطقة كانت “تحتلها” الدولة، بما يشبه الاحتلال الاسرائيلي ذاته. وليس من الصدفة، بل من طبيعة الاشياء ان هؤلاء الرجال كانوا ايضا من ابناء البقاع والهرمل، المحرومين والمظلومين، والذين كان محكوما على ابناء منطقتهم بأن يكونوا مزارعي حشيشة او لا يكونون. وليس من الصدفة، بل من طبيعة الاشياء، ان هؤلاء الرجال كانوا من ابناء ما كان يسمى حزام الفقر او حزام البؤس او الحزام الاحمر الذي كان يحيط ببيروت، وكانوا يعيشون الى جانب مهجري المذابح في شرقنا البائس : الارمن والاكراد والفلسطينيين، وفي نفس مستوى المعيشة، بل انهم كانوا يحسدون المهجرين الفلسطينيين على المساعدات التي تقدمها الاونروا.

وقرر هؤلاء الرجال، او المنظمة من الرجال، الثأر لانفسهم، ولشعبهم، ولتاريخهم ولارضهم. وقرروا خوض معركتهم ضد الاحتلال الاسرائيلي، ليس بالغوغائية الطائفية، وليس بقرع “الطبول العربية”، بل على طريقة الجراح الذي يمسك المبضع لاستئصال السرطان. وبمراقبة مسلكيتهم الكفاحية المتواضعة والفعالة نستطيع الاستنتاج ان هؤلاء الرجال: درسوا اسرائيل؛ ودرسوا تجربة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي؛ ودرسوا تجربة الحروب العربية ـ الاسرائيلية؛ ودرسوا تجربة الظاهرة الاستعمارية في العالم؛ ودرسوا الفن العسكري بعمق، ودرسوا تجربة الثورات التحررية في العالم، من فيتنام الى الصين وروسيا وافريقيا وكوبا واميركا اللاتينية؛ ودرسوا التاريخ العربي عامة والتاريخ اللبناني خاصة؛ ودرسوا ارضهم بامعان؛ واكتشف هؤلاء الرجال ثلاث حقائق جوهرية:

الاولى ـ ان مصدر قوة اسرائيل، وهو جبروتها وعنجهيتها، هو نفسه مصدر ضعفها ومقتلها.

والثانية ـ ان التفاني والتواضع والسرية التامة هي مصدر قوة وعظمة الثوار الحقيقيين.

والثالثة ـ ان الارض التي يقاتلون لاجل تحريرها هي الام الرؤوم، فاذا احسنوا التعامل معها وغاصوا في احضانها، خاضت عنهم تسعة اعشار المعركة، بحيث لا يبقى عليهم سوى توجيه ضرباتهم القاضية في اللحظات الاخيرة من كل معركة.

وهكذا، على هامش كل الكرنفال المأساوي الطائفي اللبناني، نشأ وترعرع وكبر حزب الله، كحزب مقاومة حقيقي، وفأجأ اسرائيل واسيادها والعالم، بالاضافة الى كل الجوقة الطائفية اللبنانية، في انتصار ايار 2000. وكان من طبيعة الامور ان التفت غالبية الطائفة الشيعية الكريمة، ولا سيما فقراؤها وهم الاغلبية، حول حزب الله.

ـ لماذا حزب الله هو شيعي؟ هذا ما يجب البحث عنه في كل علم اللاهوت والناسوت، والتاريخ الاسلامي خاصة والتاريخ والجغرافيا عامة، وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم النفس مجتمعين.

ونحن الان امام واقع، والواقع عنيد كما يقول الانكليز، وهو ان حزب الله، كظاهرة عسكرية، وكظاهرة “طائفية” ـ سياسية، شيعية، اصبح “موجودا!!!”، شئنا ام ابينا.

بالنسبة لاسرائيل الامر عندها سيان، سواء أكان حزب الله شيعيا او غير شيعي. الذي يهمها هو الصاروخ كصاروخ موجه اليها، سواء كان روسيا او كوريا او شيعيا او ارثوذكسيا او بوذيا. وهي تعتبر كل لبنان عدوا يجب ضربه في اقرب وقت ممكن وباقسى ما يمكن، اذا كان لا يستطيع ازالة الصاروخ الموجه اليها من اراضيه.

اما بالنسبة لجهاذة الكيان الطائفي اللبناني، او التركيبة الطائفية اللبنانية، فلا يهمهم الصاروخ بحد ذاته، بل يهمهم انه بيد شيعية، اي بيد احد المكونات الطائفية للكيان اللبناني، الامر الذي يخالف “الفباء” الوجود الكياني اللبناني، او الشرط التعاقدي الاول لاتفاقية سايكس ـ بيكو التي وجد ويوجد على اساسها الكيان اللبناني، وهو ان يكون، كأي كيان سايكس ـ بيكوي عربي آخر، درع حماية وسندا لوجود اسرائيل لا مصدر خطر عليها.

لقد استطاعت انظمة سايكس ـ بيكو في حينه تغييب الامام موسى الصدر، ولكنها عجزت عن ان تغيب الطائفة الشيعية، كحالة طائفية، بله ان تستطيع تغييبها كحالة كقاومة.

وتجري محاولات عبثية حثيثة لاقناع حزب الله بوضع سلاحه في امرة الدولة للاحتفاظ بزعامته الطائفية.

ولكن الصفقة الكيانية السايكس ـ بيكوية التي تعرض على حزب الله الان تأخرت كثيرا، ذلك ان قمة المهزلة او المأساة في الوقت الحاضر، بالنسبة لوجود الكيان الطائفي اللبناني، كما بالنسبة لوجود اسرائيل، ان حزب الله ذاته لم يعد يستطيع ارجاع عجلة التاريخ الى الوراء، فلا هو يستطيع التخلي عن صواريخه ومقاومته، ولا هو يستطيع التخلي عن شيعيته المقاوِمة، الا في حالة واحدة فقط هي: تعميم “المصيبة” على اسرائيل وكل انظمة سايكس ـ بيكو، اي: “لبننة” او “تعريب” المقاومة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب لبناني مستقل