تجديد الإمبراطورية

الدولار: عصر جديد في عالم ما بعد النيوليبرالية

حسين بالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2076 )

(…) تنطوي معالجة الأزمة المالية العالمية على مفارقات عديدة، أهمها يتمثل في كون إعادة هيكلة النظام المالي العالمي تجري لمصلحة الولايات المتحدة على نحو مطلق. المفارقة الهامة الأخرى إنما تتجلى في كون إعادة الهيكلة هذه تحظى برعاية ما يسمى بمجموعة العشرين. وهذه نبقت أول مرة باعتبارهـــا منتدى للحوار، تقرر استحداثه في سبتمبر/ أيلول من العام 1999 بواشنطن بمبادرة من مجموعة الثمانية على أثر الأزمة الآسيوية 1997-1998، وذلك قبل أن يتقرر تحويلها في قمة المجموعة الأخيرة المنعقدة ببيتسبرغ يومي 25 و26 سبتمبر / أيلول الماضي إلى مؤسسة رسمية بديلا من مجموعة الثمانية – دون أن تلغيها – في إدارة المشكلات الاقتصادية الكونية…

تتوخى إعادة هيكلة النظام المالي العالمي هدفين رئيسين؛ أحدهما تحقق بالكامل وهو إعادة الاعتبار لمؤسسات ” بريتون وودز “، التي عرفت مع بدايات الأزمة اهتزازا في” الشرعية ” بالغ الخطورة.والثاني يجري تحقيقه بخطى حثيثة، ويتمثل في محاولة تحويل رؤوس الأموال المنتشرة عبر العالم إلى مراكز مالية تخضع بالكامل لمراقبة السلطات الأمريكية؛ نعني تلك المراكز المسماة centres « offshore ») )، التي ستغدو البديل الأكثر فاعلية وأمانا مما يسمى بالملاذات الضريبية. ائتلاف هذين الهدفين، إنما يرسم الغاية المتوخاة من إعادة الهيكلة تلك، ألا وهي: ضمان الحفاظ على هيمنة الدولار.

1- تفاهم واشنطن مرة أخرى

قررت مجموعة العشرين – كما هو معلوم – تقوية أدوار كل من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ولكن من طريق واحدة : ثروات الجنوب؛ ذلك لأن الشمال إنما يعاني من ” أزمة سيولة “. غير أنه للتمويه على هذه السياسة بالغة القسوة ( تحمل الجنوب كلف حل أزمة الشمال )، تقرر القيام بما يشبه شد تجاعيد وجه المؤسستين المذكورتين؛ وذلك من خلال تبنيهما في اجتماعهما السنوي المشترك الأخير المنعقد بإسطنبول يومي 6 و7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لقرار المجموعة الخاص بإصلاح نظام التصويت فيهما في أجل أقصاه يناير/كانون الثاني 2011. وهو القرار الذي سوف لن يغير في شيء من حقيقة موازين القوى المائلة بشكل حاسم لفائدة الولايات المتحدة. القرار ينص على تحويل ما نسبته 5% من حصص التصويت في صندوق النقد الدولي و3% من حقوق التصويت في البنك العالمي لفائدة القوى التي اصطلح على تسميتها بالقوى الصاعدة. نظام تصويتهما الحالي كان مثيرا بشكل متزايد لعدم رضا هذه القوى بمقدار ما كان محل إدانة الحركات الاجتماعية؛ فهويقوم على قاعدة ” دولار واحد يساوي صوتا واحدا “، على عكس الجمعية العامة للأمم المتحدة – مثلا – حيث تتمتع كل دولة فيها بصوت واحد. بالنسبة للمدير العام لصندوق النقد الدولي الاشتراكي الفرنسي ” دومنيك ستراوس-كان “، يتعلق الأمربـ” قرارات تاريخية “، فيما هي في الواقع مهزلة على نحو كارثي؛ فالصين على سبيل المثال، التي ستغدو من بين ” المستفيدين الرئيسيين ” من هذا ” الإصلاح ” تحوز حاليا نسبة 3.7% من الأصوات فقط وهذه أقل وزنا من فرنسا ( 4.9% ) مع أن الاقتصاد الصيني أقوى مرة ونصف المرة من الاقتصاد الفرنسي بحسب حسابات صندوق النقد الدولي. البرازيل – مثلا آخر – التي على الرغم من أن اقتصادها أقوى ثلاث مرات من الاقتصاد البلجيكي، فإنها تحوز فقط نسبة 1.4 %من الأصوات فيما تمتلك بلجيكا نسبة 2.1%…حقيقة أخرى أكثر مرارة، ولكنها تعكس بجلاء موزاين القوى السائدة، وتتمثل قي كون المجموعة التي تقودها رواندا والتي تتركب من 24 بلدا إفريقيا وتمثل 225 مليون نسمة لاتمتلك مع ذلك سوى 1.39% من حقوق التصويت…

إنهم الأوروبيون الذين لاتتناسب حصصهم مع أوزانهم الاقتصادية ( surreprésentés )، المعنيون حصرا بالتقليص بما في ذلك على سبيل المثال، المملكة المتحدة، هولندا، وبلجيكا، فيما من غير المتوقع من بلدان تتوفر على حصص أكبر من أوزانها الاقتصادية لأسباب تاريخية ( روسيا، السعودية والأرجنتين )، أن تقبل ببذل تضحيات في هذا الشأن (Le Monde 26/9/2009). أما الولايات المتحدة التي تحوز لوحدها ما يقرب من 17% من حقوق التصويت، فهي غير معنية بذلك على نحو مطلق، الأمر الذي يضمن لها بحكم الأمر الواقع (De facto) استمرار التمتع بحق النقض على القرارات الكبرى التي يتطلب تصديقها الحصول على 85% من الأصوات !! إذا، ماذا عساها تغير نسبة الـ 5% أو 3% في موازين القوى السائدة ؟ لاشيء على الإطلاق..واقعة أخرى مرشحة للاستمرار في سياق تكريس تلك الموازين وتتعلق بـ” تقليد ” يجري اعتماده منذ سنة 1944؛ حيث يتعين بموجب قاعدة مضمرة أن يكون على رأس البنك العالمي أمريكي ( الرئيس الحالي هو روبرت زوليك )، وعلى رأس صندوق النقد الدولي أوروبي ( المدير الحالي هو دومنيك ستراوس-كان ).وإذا ما أضفنا رفض الحليف الأوروبي تقليص عدد مقاعد مجلس إدارة الصندوق من 24 إلى 20 كما طالب بذلك الأمريكيون، فإنه يمكن القول بأن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي سيستمران مع ذلك أداتين في أيدي القوى الغربية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة لفرض السياسات التي تخدم مصالحها على بقية العالم. وهكذا سنرى رومانيا مثلا وهي إحدى الدول التي تكبدت الأسوأ جراء تداعيات الأزمة المالية، سنراها تطبق تحت ضغط صندوق النقد سياسات لااجتماعية ( anti-sociales)، بما في ذلك على سبيل المثال، تخفيض حاد بنسبة 15% في أجور الموظفين قصد توفير السيولة اللازمة للتغلب على الأزمة في المدى القصير.يذكر أنه منذ سنة 2008، عرف 15 بلدا نفس المصير…البنك العالمي من جانبه استفاد من الأزمة الأيكولوجية، مستحدثا صناديق عديدة للاستثمار المناخي ولكن مع الاستمرار قي تمويل مشاريع إزالة الغابات والصناعات الاستخراجية.طوال سنة 2008، كانت الصناديق المانحة الموجهة للطاقات النظيفة مع ذلك أقل 5 مرات من مثيلاتها الموجهة للطاقات الأحفورية؛ بحيث كانت المبالغ المرصودة لهذه الأخيرة أكبر بأكثر من 165% من تلك المرصودة للأولى ( انظر، داميان ميياي وآخرون: تقوية صندوق النقد والبنك العالمي شبكة فولتير: 19 أكتوبر 2009 ). وفي هذا السياق، من المهم جدا الإشارة إلى أنه في إطار التحضيرات لقمة كوبنهاغن للتغير المناخي المزمع عقدها أواخر العام الجاري، فإن التفاوض لناحية تقليص انبعاثات الكربون ( عقدت خمس جولات في هذا الخصوص إلى حد كتابة هذه السطور )، إنما يجري خارج دائرة الأرقام التي يقدرها العلماء من أجل الإبقاء على ارتفاع درجة الحرارة على مستوى يقرب من الدرجتين مئويتين: أي تقليص من 25 إلى 40% من الانبعاثات؛ فالتفاوض إنما ينحصر في هذه اللحظات عند تقليص أقصاه 18%. وغني عن القول بأن الولايات المتحدة لاتبذل في هذا المجال أيضا أي جهد فعلي ذي معنى؛ فهي إنما توافق فقط على تقليص بنسبة 4% بالنسبة لانبعاثات عام 1990.

بارتفاع موارده من 250 إلى750 مليار دولار ( تقرر ذلك في قمة مجموعة الـ20 بلندن المنعقدة أوائل أبريل الماضي ) وبتوسيع مهامه الذي أقر في قمة المجموعة الأخيرة ببيتسبرغ، بات صندوق النقد اليوم بمنزلة القلب فيما يتعلق بمراقبة الاقتصاد العالمي وذلك” للنهوض بالاستقرار المالي العالمي وإعادة التوازن للنمو “. في اسطنبول جرى الاتفاق مع ذلك على” على إعادة فحص الوكالة الممنوحة للصندوق لتشمل مجموع سياسات الاقتصاد الكلي المرتبطة بالقطاع المالي والتي لها تأثير على استقرار الاقتصاد العالمي “. وهكذا” سيتوجب على الصندوق بلورة توصيات في السياسات الاقتصادية للبلدان التي ستضطر إلى الأخذ بإجراءات تصحيحية ملائمة “. طبعا لايحتاج المرء للتخمين لكي يعرف مقدما نوعية هذه التوصيات. في يونيو/ حزيران الماضي، يعلن الصندوق عن أن الإجراءات المطبقة في منطقة اليورو المتصلة بالتقليص في ساعات العمل ودعم المكاسب الاجتماعية إنما يتوجب أن يعاد النظر بشأنها على نحو عكسي. تقرير “Doing Business 2010″، الصادر عن البنك العالمي كان أكثر صراحة في هذا الشأن، حين حث البلدان على عدم تبني برامج في مجال تعزيز الحماية الاجتماعية، ناعتا الحكومات التي تتبناها بـ ” المخلة بمبدأ التنافسية “…وهكذا، فعلى الرغم من السجل المخزي لتلك التوصيات، يتكرس تفاهم واشنطن (Le consensus de washington) بوجهه النيولبيرالي القبيح الذي أدى بالعالم إلى هذه الأزمة، يتكرس باعتباره الوصفة العلاجية الوحيدة التي يعرضها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على البلدان التي تلتمس ” عونهما “.

الأسوأ هو أنه على الرغم من فشل سياسات الإصلاح الهيكلي المفروضة على بلدان الجنوب منذ أزمة الديون في العام 1982 والتي لم تسو قط، فإن أزمة ديون جديدة ترتسم في الأفق جراء تداعيات الأزمة المالية الحالية، الأمر الذي من شأنه أن يفاقم في أعباء ميزانياتها المتضررة أصلا ضررا فادحا، وهو ما يعني في الأخير ارتفاع حصص الدين التي يتوجب تسديدها لدائنيها: صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

2- الإمبرطورية تطارد رؤوس الأموال

أخذا بنظر الاعتبار العجوزات العميقة في الميزان التجاري وفي ميزانية الولايات المتحدة التي بلغت مستوى قياسيا بنحو 1.409 تريليون دولار في مجمل السنة المالية 2008-2009 وفقا لحسابات مكتب موازنة الكونغرس ( وهو هيئة محايدة ) المعلنة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، يعلن اقتصاديون عديدون عبر العالم عن نهاية قريبة لهيمنة الدولار بوصفه عملة مرجعية ( عملة المقاصة بين العملات ). غير أن الأمور هي أكثر تعقيدا مما يبدو؛ فالدولار ليس فقط وحدة حساب أو مجرد العملة الوطنية لدولة إسمها الولايات المتحدة، وإنما أيضا هو قدرة على العمل وسمة القوة السياسية. يقول السوسيولوجي البلجيكي ( Jean-Claude Paye ) في مقالة له تحمل عنوان ” يو، بي، أس وهيمنة الدولار” ” إن الدولار إنما هو أحد العناصر الجوهرية المؤسسة لشكل الدولة ولوظيفتها الإمبريالية “.

مع إضعافه على المستوى الاقتصادي المحض، فإن الدولار إنما يتوفر مع ذلك على القوة السياسية اللازمة للولايات المتحدة التي تتطلبها محاولة الحفاظ على امتيازاتها العالمية… وما من إطار غيره يمكن من خلاله قراءة عملية إعادة هيكلة النظام المالي العالمي الجارية حاليا؛ حيث تشكل الحملة الأمريكية ضد البنك السويسري (UBS ) الرافعة الأساس فيها، بقدر سياق السعي إلى الحفاظ على هيمنة العملة الخضراء وذلك بإرغام رؤوس الأموال على التحول إلى منطقتها الاقتصادية…

أ‌- اتحاد البنوك السويسرية: حصان طروادة الإمبراطورية

وقعت ( يو، بي، أس ) يوم 19 آب/ أغسطس الماضي اتفاقا مع السلطات الجبائية الأمريكية، يتم بمقتضاه وضع نهاية- مؤقتة على الأجح- لقضية الغش الجبائي ( fraude fiscale ) التي تتهدده. وهو اتفاق يتيح للبنك تجنب دعوى قضائية في الغرض، فيما يتعين عليه بالمقابل تقديم أسماء حوالي 5000 عميل أمريكي يشتبه في كونهم أخفوا حسابات مصرفية سرية في هذا البنك. المثير هو أن تلك المعطيات سوف تقدم من طريق السلطات الرسمية السويسرية؛ بحيث يمكن القول أن هذه الأخيرة قد شرعنت بالفعل علاقات القوة الجديدة التي بموجبها حازت السلطات الجبائية الأمريكية نقطة ارتكاز على قدر كبير من الأهمية ستمكنها لاحقا من التحقيق حول بنوك سويسرية أخرى. إن التنازل عن التمييز الذي أقامته سويسرا بين الغش ( fraude) والتهرب الضريبي في محاولة منها للخروج من القائمة الرمادية الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ( OCDE ) حول الملاذات الضريبية، قد منح آفاقا جديدة لمطالبات من سلطات جبائية أخرى بما في ذلك على سبيل المثال قطر التي وقعت معها اتفاقا هو الثاني عشر من نوعه في هذا الشأن، ضمن مسعى حثيث للخروج من تلك القائمة. يذكر أن سلطات المملكة المتحدة وأستراليا تقدمت هي الأخرى يوم 8 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري بمطالبات مماثلة…في الواقع- يقول Paye- إن الاتفاق الجديد بين ( يو، بي، أس ) والإدارة الأمريكية هو بمثابة نموذج يتيح تحديد وحدة قياس الحجم المطلوب لعقد الشبكة التي من خلالها سوف تمضي الهيئات الجبائية الأمريكية قدما في اصطياد عملاء أمريكيين آخرين مشتبه بهم ليس فقط في مجمل الفضاء المالي السويسري وإنما أيضا في فضاءات مالية أخرى عبر العالم…

إن اتفاق فبراير 2009 الذي من خلاله قبل بنك ( يو، بي، أس ) – دون مراعاة القانون السويسري – أن يقدم أسماء ما يقرب من 250 عميلا للقضاء الأمريكي، لم يكن له شفيعا؛ ذلك أنه لم يكد حبر ذلك الاتفاق يجف، حتى طالب هذا الأخير بهوية ما يقرب من 52 ألف عميل أمريكي آخرين يشتبه في كونهم أصحاب حسابات سرية غير شرعية في هذا البنك. غير أن اتفاق 19 آب الماضي قد جمد إجراءات المطالبة تلك وذلك بعد أن سدد البنك غرامة قدرها 780 مليون دولار. المثير هنا هو أن تجميد تلك الإجراءات شكلت استثناء من القاعدة التي يجري بموجبها عادة عمل الهيئات الجبائية الأمريكية. ولكن الأكثر إثارة- ربما- هو أن الاتفاق ينص أيضا على أنه فيما لو لم يف البنك بالتزاماته بعد عام، لن يتعرض مع ذلك لعقوبات مالية. ما من طريقة لفهم هكذا موقف إلا إذا افترضنا غياب أي مصلحة أمريكية في قتل حصان طروادة خدمها كما ينبغي حتى الآن، لاسيما وأنه قد يكون لها لاحقا أكثر فائدة؛ حبث يؤشر تتابع هذه العملية إلى حملات أمريكية في الأفق ضد مجمل المجال المالي السويسري. سبب آخر أدعى للإبقاء عليه ويتمثل في كون ( يو، بي، أس ) الأكثر أهمية في سويسرا هو مع ذلك شديد التبعية للسوق الأمريكية حيث يحقق نصف رقم معاملاته في هذه السوق، الأمر الذي يعني أنه الأكثر هشاشة لدى تعرضه لضغوطات الهيئات الجبائية الأمريكية وهذا ما لاينطبق على بقية البنوك السويسرية…

ب‌- الدولار وإعادة هيكلة النظام المالي العالمي

إن حملة الولايات المتحدة ضد ( يو، بي ، أس ) إنما تتلخص في استخدام عملية ضد التهرب الضريبي من أراضيها بهدف تغيير قواعد تسيير النظام البنكي العالمي لمصلحتها. في الواقع، مكن إذعان ( يو، بي، أس ) للأوامر الصادرة عن الهيئات الجبائية الأمريكية فضلا عن شرعنة السلطات السويسرية الرسمية لذلك من خلال تقديمها المعطيات المطلوبة بنفسها دون مراعاة القوانين السويسرية – كما سبق ذكره-، مكن الولايات المتحدة من أن تحتل موقعا يسمح لها باستمرار بصياغة مقتضيات جديدة دون أي اكتراث لأي نظام قانوني أجنبي. يشير ( Paye ) إلى نقطة على قدر كبير من الأهمية وهي أن مفهوم ” السيطرة “، لم يعد يتحدد فقط بقدرة الولايات المتحدة على فرض نفسها كاستثناء وإقامة ما أسماها بـ ” دولة الاستثناء المستمر “، وإنما أيضا بقدرتها بشكل أحادي على وضع قواعد لنظام عالمي جديد للقضاء أيضا. هذا المفهوم الجديد لـ”السيطرة” إنما يتجلى بوضوح في إعادة هيكلة النظام المالي- التي تستخدم على نحو منهجي- ذريعة ما يسمى بمكافحة الملاذات الضريبية. وهي عملية تنطوي على تمييز بين الملاذات الضريبية التي من ضمنها سويسرا والمراكز المسماة (“centres” offshore ) والتي هي بشكل عام تخضع لمراقبة صارمة من السلطات الأمريكية. وما يميز هذه الأخيرة عن الأولى هو أن تقنية التهرب الضريبي فيها تقوم على ما يسمى بـ”الترست” ( trusts ) وهذه عبارة عن مؤسسات تستحدث حسب الطلب بفضل تقنيات قانونية في الهندسة الجبائية لاتستوجب السر البنكي – الذي بات سلوكا غير شرعي – ليكون صاحب ثروة ما في مأمن من الرقيب الجبائي؛ بحيث يستحيل على الهيئات الجبائية المختصة- في سياق بحث محدد- أن تحصل من البنوك الأنغلوساكسونية- العاملة جلها في منطقة الدولار- التي تتضمن حسابات تلك ” المؤسسات” على أي معطى يخص أصحاب الثروات الحقيقيين؛ ذلك لأن تلك البنوك لاتتوفر ببساطة على أي معطى في هذا الصدد.

تشكل سويسرا الهدف الأهم للولايات المتحدة؛ ذلك لأن الأولى هي المنافس الرئيس لمراكزها المالية الأنغلوساكسونية حيث تمسك – أي سويسرا – بما نسبته 27% من سوق الادخار العالمي المدار خارج بلد الإقامة. وهذا رهان على قدر كبير من الأهمية. غير أن حملة الولايات المتحدة إنما تنعقد مع ذلك حول رهان أعظم هو مجمل الملاذات الضريبية عبر العالم التي بلغت عشية اندلاع الأزمة العالمية- بحسب منظمة الشفافية العالمية- خمسين منطقة تحولت إلى حاضنات لنحو عشرة تريليونات دولار ( أي ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في بلد كفرنسا ). والهدف إنما هو ضمان الحفاظ على هيمنة الدولار الذي يشهد في الآونة الأخيرة هبوطا متواصلا في قيمته جراء خطة التحفيز الاقتصادي وما تتطلبه من سياسات حمائية. طبعا لاتستهدف حملة الولايات المتحدة استقطاب كل المستثمرين في تلك الملاذات وإنما بوجه خاص استقطاب الأكثر ثراء منهم من الباحثين عن ” عتمة جبائية تامة ” لم تعد تقنية السر البنكي قادرة على توفيرها. غير أنه مع ذلك، بوسع أصحاب الثروات الأقل ثراء غير القادرين- ربما – على تحمل التكاليف الباهضة التي تتطلبها إقامة ” الترست ” في منطقة الدولار ولكنها الضامنة مع ذلك لأعلى مستوى من الأرباح، بوسعهم مواصلة الاستثمار في سنغافورة ملاذ الصين الوحيد الذي يعالج مع ذلك ثروات آسيوية بذات الطريقة.

جشركات متعددة الجنسية في خدمة الإمبراطورية

الإمبراطورية في خدمة شركاتها متعددة الجنسية، حقيقة ثابتة يؤكدها سجل العلاقة بين الطرفين بشكل لا يدحض. الجديد- ربما – في خضم معالجة الأزمة الراهنة هو ولادة شكل جديد من الاعتمادية على نحو تبادلي؛ بحيث صرنا نرى مع ذلك علاقة في الاتجاه الآخر أي: شركات متعددة الجنسية في خدمة الإمبراطورية. هذا ما يكشف عنه بوضوح اتفاق 19 آب المذكور الذي بات يشكل ترميزا للطريقة التي يصنع بها حاليا القرار السياسي..إن قضية ( يو، بي، أس ) إنما تكشف لنا عن نموذج مصغر لهيكلة امبريالية جديدة يجري تصميمها لعالم ما بعد النيوليبرالية: علاقة هيمنة مباشرة تتأسس بين الإدارة الأمريكية وكبريات الشركات متعددة الجنسية على نحو تغدو فيه هذه الأخيرة أدوات لتفسيخ سلطات وطنية بأكملها. وهذا بالضبط هوالمصير الذي آلت إليه سويسرا جراء استخدام الإدارة الأمريكية للـ( يو، بي، أس ) كأداة لتفجير مجمل القاعدة القانونية/ الاجتماعية (العقد الاجتماعي ) التي تنهض بموجبها اليوم الدولة السويسرية…المثير هو أنه على الرغم من الحملة العنيفة التي شنتها الولايات المتحدة ضدها، لم تتخل ( يو، بي، أس ) عن التزاماتها في السوق الأمريكية ( أمريكا الشمالية )، بل على العكس من ذلك، نراها تطور سياسة تعبئة جديدة لإسترداد حصص في هذه السوق كانت قد تخلت عنها في السابق..

ما من بديل لهذه السوق؛ فهي تظل موقعا متميزا جدا لاسيما بالنسبة لقطاع الخدمات، لذلك هي بالنسبة للولايات المتحدة سلاح فعال جدا لجهة استخدام الشركات الناشطة فيها على نحو متزايد كأدوات في خدمة سياساتها الامبريالية…

:::::

حسين بالي ـ كاتب وباحث من تونس

houcinebali@yahoo.fr