اكتوبر ليست اخر الثورات الكبرى!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2077 )

رحم الصراعات ولاد، ما دام على الارض بشر يتمايزون ويتنافسون ويستغلون بل ويقتلون بعضهم بعضا وبطرق شتى بعضها صدفي ـ مقاتل قوانين السوق الحرة في احتكارها وانفلاتها ـ ومعضمها متعمد، وما دام قانون البقاء للاقوى هو السائد، حيث يبحث الجميع عن نواميس تلك القوة، ليكونوا هم ولا غيرهم الاقوى، قبلها الثورة الجليلة في بريطانيا والثورة الفرنسية والامريكية، حتى حركة كومونة باريس كان يمكن ان تكون ثورة بالاتجاه الاكتوبري، ما دام هناك صراع طبقي محتدم رغم تزايد نعومة ومدنية نصل المقاصل الطبقية محليا وعالميا فيه، مادامت هناك حاجات تحتاج ان تلبى، ما دام الفائض عند البعض يفترض نقصا عند الاخر، فالثورات لن تنقطع وان تغيرت اشكال قيامها وكذلك الوسائل!

ثورة اكتوبر البلشفية 1917 نجم سطع في السماء، وبقوة اضاء اركان الارض وما عليها ثم خر كالنجوم التي تستنفذ طاقتها بمقدار قوة سطوعها، لقد ادت دورها كتجربة رائدة تاريخيا وثوريا، اخذت مدى وحيز تستحقه رغم ان هناك معرقلات كان يمكن تجاوزها ليتحسن الاداء، لكن النتيجة تبدو محتمة طال الزمن ام قصر، كانت الثورة مقدامة في محاولتها لبناء نظام اجتماعي اقتصادي مختلف عن السائد الراسمالي!

كانت مبادرة تاريخية تجمعت لها ظروف وتناقضات جعلت القائمين عليها يخوضون غمارها وبجسارة انطلاقا من فراغات الميدان وهشاشة الخصم فيه وتقطع سبل تواصله مع معينه الطبقي المحيط به نتيجة انشغال الجميع بالحرب مع الجميع، لقد كان لينين قائداً ثورياً والمعياً وعبقرياً قل مثيله في التاريخ سريع البديهة يمتلك قدرة عالية على التأويل النظري والميداني والذي يخدم قضية الحسم في اللحظة الثورية المطلوبة، ويضع اجوبة ملائمة للاسئلة الصعبة المطروحة اثناء الممارسة، ومن المسلم به ان اجتماع هكذا صفات في شخص مؤثر تجعله اكثر قدرة على الارتجال السليقي والمشفوع بحساسية اللحظة وطقسها الخاص، وما دام الامر يبقى في مستوى من مستوياته خاضعا للتجربة والتجريب والذي ذللت حساسية اختناقاته بالحماسة والريادة والقدرة على الاقناع المنطقي المجاور للواقع دون الانتقال الشامل للسكن في نبعه الذي يمكن من قراءة شاملة لكل حيثياته وفي كل الابعاد التاريخية الثابتة والمتحركة، المحلية والعالمية!

ان شرف المحاولة المبدعة يبقى هنا اكثر قبولا من قبل المزاج الثوري حينها وضمن اللحظة الثورية المتحققة والتي تطغي على الحسابات الاخرى في العام والخاص من مخاطر حرق المراحل واعطاء فرصة للمديات المتوقعة في ادوار القوى الاخرى التي كان يمكن لها ان تنجز ما هو ضروري او موضوعي لتكامل حزمة العوامل الجوهرية في مسألة الثورة الاشتراكية، تلك القوى التي ارادت برجزة البناء التحتي للمجتمع ضمن مرحلة البناء ـ الديمقراطي البرجوازي ـ اي عدم قطع النمو الطبيعي بفرض واقع غير متوقع وغير مؤهل!

نجحت التجربة واستمرت شاخصة لحوالي ثلاثة ارباع القرن، وحققت منجزات محلية وعالمية تعتبر مفخرة لها وللشعب الروسي الذي استبسل في الانغماس بالاعمال التطوعية وفي الدفاع عن البلاد بوجه الهجمة النازية وتقدم لسحقها، ومن جانب اخر راحت تدور الثورة حول نفسها في عالم كانت احد اهم سماته هو التسيد الامبريالي عليه، نعم اكتوبر خلقت انقساماً اضافياً ومن نوع اخر للانقسامات القائمة اصلا، فتفاوت التطور بين البلدان الراسمالية نفسها يؤدي للانقسام، وصراعات الشعوب المستعمرة مع مستعمريها هو نوع من انواع الانقسام بين نضالات الشعوب المقهورة والانظمة الاستعمارية القاهرة، ثم تمركز الانقسامات الطبقية في البلدان الراسمالية المتطورة ذاتها بين طبقة مالكة وحاكمة تعمل على تطوير وسائل تحكمها بالثروة ومسخرة الملايين لزيادة ارباحها بشراء قوة عملهم وباجر لا يسد الرمق، انظمة تعمل جاهدة على تابيد النظام الاقتصادي الاجتماعي القائم والذي يلبي شراهة استحواذها على الثروة وتقديسها للراسمال الذي يتخم جيوب وبطون الاقلية القليلة من السكان صانعا بذلك المعادلة المائلة المعادلة غير العادلة، صنع عالم يتلوى بتعاسة الاغلبية وحرمانها وهي المنتجة للخيرات المادية!

الانقسام الجديد الذي اضافته ثورة اكتوبر عالميا بين نظام يطرح نفسه كبديل انساني يمنع استغلال الانسان للانسان، وبين نظام اخر يطحن الانسان، كان الصراع الايديولوجي على اشده بين السائد والمنساب مع نواميس عصره وبين الثائر الذي يطمح لقلب المعادلات السائدة نحو معادلة واحدة تقول بنفي خلود ووجود الملكية الخاصة الداينمو المحرك للاستغلال الطبقي وبالتالي العالمي، وتحويلها الى ملكية عامة يكون قانونها العام الوحيد هو كل حسب عمله ولكل حسب حاجته!

تبقى الممارسة هي البرهان الوحيد على نجاح اي فكرة ذات منطوق اجتماعي تاريخي وبالتالي برهان على تلبيتها لمتطلبات القوانين الموضوعية والخصائص الذاتية في سياقات الحركة الاجتماعية ثم تحولها الى يقين معرفي او ـ عقيدة ـ والاشكالية حصلت في ان اشكال الصراع ـ السياسي والاقتصادي والايديولوجي ـ قد برهنت وبما لا يدع مجالا للشك من ان صيرورة اي تشكيلة اجتماعية اقتصادية وممهدات انتقالها لا تحسم وتختصر البتة في موضوع السلطة وبالتالي البناء الجبري للدولة من الطراز الجديد، وهذه نتيجة غاية في الاهمية المعرفية والتاريخية تعلمناها من دروس اكتوبر بعد الانهيار، الثورة الناجحة التي انتزعت السلطة وبنت دولة من طراز جديد استمرت لعقود طويلة صعودا الى القمة بقوة دفوع ذاتية غطت جزئيا على الموضوع، ثم ما لبثت ان انهارت، وموضوعيا ايضا الانهيار لم يكن نفيا على نفي فلم تكن الثورة تنفخ بقربة مخرومة، انها تجربة غنية علمت شعوبها والعالم ما لم يعلموه!

اي ان فكرة المؤامرة لم تكن هي المحرك الجوهري للسير بالاحداث كما سارت عليه حتى قيامها ومن ثم انهيارها!

هناك واحدة من اهم الاشكاليات التي تحتاج الى فترة ترسب معرفي بها وتمحيص في دروب مسالكها وما الت اليه حتى استقرارالنتائج القائمة فعليا ودراسة مآلاتها، الاتحاد السوفياتي قبلة ايديولوجية واحيانا سياسية لمركز النضال الاممي بالضد من المحيط الامبريالي السائد، والنظام الامبريالي العالمي تحصن باطرافه ومراكزه الثلاثة ـ امريكا وكندا، اوروبا الغربية، اليابان ـ على حد سواء، الاتحاد السوفياتي لم يكن يملك بذورا حقيقية ينثرها في الاطراف لتنبت ثورات اشتراكية، بينما الراسمالية لا تحتاج الى بذور لتنثرها فالارض محروثة والبذر ينتشر مع الهواء لينبت موضوعيا من تلقاء نفسه وفي كل الارجاء لتخرج ثمارا برية قابلة للتسويق مباشرة ومن دون تصنيع وربما من دون تصدير ايضا، سمة العصر الكونية لم تكن الانتقال من الراسمالية الى الاشتراكية، وانما كانت راسمالية متحولة الى الكونية عابرة مراحل الامبريالية وتمركزها الى الخصخصة بمفهوم كوني يتمرحل عبر الامبراطورية واجتراراتها، الى مرحلة الانتشار الكوني المبرمج، حيث ضعف الجاذبية وامكانات البرمجة المعاكسة مفتوحة وستتزايد تباعا ليس على الارض فقط وانما في السماء ايضا وفيما بينهما!

حركات التحرر الوطني تسارعت وتيرة تحررها من الاستعمار المباشر ولكنها لا تستطيع ان تكون اشتراكية في عالم مراكز القوة الاساسية فيه ما زالت امبريالية، وكذلك سمة العصر الموضوعية، فالبذور الراسمالية صالحة لكل مكان ما دام الزمان ما زال زمانها، ولكن ليس معنى هذا الركون والاستسلام لنهمها بل هو العكس تماما فتعميق النضال الطبقي لانتزاع المزيد من الحقوق الديمقراطية في المجتمع واقتصاده وثقافته يجعل الافاق مفتوحة على مصاريعها نحو ثورات تاريخية كبرى غير انقلابية تكون تتويج موضوعي للتراكمات الكمية والنوعية التي تفرض التحول في عقر دار مراكز الامبريالية العالمية!

قالت الماركسية ان قيام الاشتراكية في المراكز الامبريالية الكبرى ـ اي عندما تصبح الاشتراكية سمة سائدة في مركز الثقل الامبريالي ـ وقتها فقط يصبح الانتقال ممكنا للبلدان الضعيفة راسماليا من دون الحاجة لتكامل الراسمالية فيها نحو الاشتراكية بمساعدة تلك المراكز الكبرى، لان العالم وحدة واحدة مفتوحة على بعضها كما هي العلاقة بين الاسواق المحلية والعالمية!

الصين مثلا هي اشتراكية في الاصل السياسي للنظام القائم فيها لكنها في الجوهر شكل من اشكال الراسمالية المتكيفة مع ظروفها الذاتية، وسيصبح تدريجيا وجود الحزب الشيوعي في السلطة مجرد ديكور تقليدي فلكلوري شبيه بالنظام الامبراطوري الياباني التقليدي القائم حتى الان، رغم ان جوهر النظام الياباني تجاوز هذا المضمون الى امبريالي ليبرالي واضح للعيان، اي ان السلطة والدولة والنظام السياسي لا يشكلان قواعد دائمة لتجذر النمو الاقتصادي المطابق له لان خصائص النمو الكامنة لابد ان تكون متوافقة مع جينات النمط السائد عالميا، وعليه ستكيف نفسها لتواصل تنفسها بتحوير اشكالها وبما ينسجم في النهاية مع الصيرورة السائدة ذاتها حتى لو بقيت الاعلام الحمراء ترفرف ورايات المنجل والمطرقة مرفوعة عاليا!

الدولة والسلطة في الاتحاد السوفياتي كانت بناءا فوقيا اشتراكيا على بناء تحتي لم يكن جاهزا ليكون اشتراكيا لانه ولسبب بسيط فاقد للقدرة على ان يكون سائدا فالسيادة تتطلب شبكة موردات ومصرفات متداخلة بين العام والخاص والذاتي والموضوعي والمحلي والعالمي وهذا مفقود، ونتيجة للقسر تشوهت تلك البنية ورغم هذا التشوه لكنها بقيت محتفظة بجينها الراسمالي وبقي الجذر حيا في نموه المتقزم المكبوت، حتى طفح كيله بتناقضه مع قشرة البناء الفوقي الذي فقد صلادته الايديولوجية والسياسية مع مرور الوقت واصبح هشا لدرجة الانهيار بنفخة من راسه الذي نظر الى تحته فراى ان البناء متشقق من الاساسات وهو منهار لا محال وان انهياره بيد اصحابه هو اقل خسارة من انهياره بعد فوات الاوان ونتيجة لحرب مباشرة باردة كانت ام حارة، حتى الانهيار كان درسا اخر للمستقبل الذي لم يتوقف بتوقف عمر اكتوبر المجيد بدروسه السلبية والايجابية!

الاشتراكية علاوة على كونها حلم انساني بمجتمع عادل فاضل خالي من صراع الانسان مع الانسان مجتمع الوفرة والاكتفاء، مجتمع انساني متوجه نحو الطبيعة ليصادقها ويتبادل معها جوازات التخادم الواعي من قبل الانسان والاعمى من قبل الطبيعة، الاشتراكية موضوعيا ومعرفيا نظام يتجاوز الراسمالية بعد استنفاذ دورها التاريخي، وانهيار تجربة اكتوبر لا يعني مطلقا انهيار الحلم ولا انهيار القوانين الموضوعية الدالة على تحققه!

بل لا اغالي اذا قلت ان انهيار تجربة اكتوبر هو بحد ذاته تصحيح موضوعي لحالة متناقضة بين الشكل والمضمون في اوسع معانيه التاريخية من صراع ايديولوجي وسياسي الى صراع شامل فى كل المراكز والاطراف ودون استقطابات تستفرغ شحنات بعضها البعض بل تستجمعها نوعيا صوب الانتقال المحتم من عالم البربرية الراسمالي الى عالم الانسنة الاشتراكي!

اكتوبر ثورة هزت العالم لعقود طويلة ولكنها لم تتمكن من جعله يسير خلفها بل كانت النتيجة انها هي من سارت خلفه حتى غادرها بعيدا!