خاتم المخترة واليسار السلفي

عمر نزال

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2077 )

ملاحظة من “كنعان”:

وصلتنا المقالة التالية من السيد عمر نزال وننشرها كما هي. إلا انه ينبغي التذكير بان مقالة د. عادل سمارة بعنوان “مساهمة في مقاومة التطبيع في الأرض المحتلة: الصحافة الأخلاقية هي صحافة المقاومة”، والتي يشير اليها السيد عمر نزال عالجت قضية محددة وهي: التطبيع من قبل إتحاد الصحفيين الاردنيين والعرب وهي المسألة التي تجاهلها كاتب المقالة أدناه.

(مقالة عادل سمارة نشرت في موقع كنعان بتاريخ 11 نوفمبر 2009 ويستطيع القارئ مطالعتها على الرابط التالي: https://kanaanonline.org/?p=2002 (

هيئة تحرير “كنعان”

* * *

اتابع باستمرار نشرة كنعان الالكترونية، اتفق مع بعض كتابها ومقالاتها واختلف مع اخرى، يعجبني بعضها لدرجة الاحساس بانها تعبر عني وتتماثل مع رأيي، ويزعجني بعضها لدرجة الاحساس بالاشمئزاز والقرف، خاصة تلك التي تغالي بالنقد لدرجة التجريح والتشهير واحيانا التخوين.

النقد والنقد الذاتي مطلوب بل انه عامل اساس في سياق عملية التطور للافراد والاحزاب والتجمعات، وحرية الرأي والتعبير ايضا مصانة مهما كان هذا الرأي لأن احداً لا يمتلك الحقيقة المطلقة ولا الرأي السديد الذي ما بعده رأي او قول.

على هذا وتعقيباً على ما كتبه د. عادل سماره في عدد كنعان 2071 بتاريخ 11/11/2009 بعنوان “مساهمة في مقاومة التطبيع في الأرض المحتلة: الصحافة الأخلاقية هي صحافة المقاومة” وحيث ان بعض ما جاء في المقالة استند الى ما كتبت حول نقابة الصحفيين الفلسطينيين فانني اود الاشارة الى ما يلي:

التطبيع:

ان مناهضة التطبيع مهمة نضالية ثابتة منذ ان بدء به وخاصة بعد توقيع اتفاقات اوسلو وتشكل السلطة الفلسطينية وانتشار حمى المبادرات والانشطة التطبيعية في مختلف المجالات وعلى مختلف المستويات، ولكن ان تصبح مهمة مناهضة التطبيع ( وليس مقاومته ) مهمتنا الوحيدة وان تختزل به كل القضايا الوطنية والاجتماعية فهذا مثير للاستغراب وربما يراد به حرف الانظار عن قضايا اكبر واهم رغم عدم تقليلي من شأن مقاومة التطبيع بكل اشكاله.

ثم، من يرسم حدوداً للمواقف والسلوكيات التي يمكن اعتبارها تطبيعاً من تلك المواقف والسلوكيات اللاتطبيعية؟ هل هناك من هو مخول بدمغ السلوكيات التطبيعية وبمنح شهادات حسن السلوك لغير المطبعين؟ هل هناك اتفاق واجماع وطني او حتى يساري على ذلك؟ ام ان الحاكم بأمره هو المفوض ومالك خاتم مخترة مناهضة التطبيع ؟

الوطن:

كل جزء من الأرض العربية هو الوطن. هناك اجزاء منه محتلة عسكرياً واخرى أقل احتلالاً، ولكن كلها وطن، أليست الأرض المحتلة جزء من الوطن، هل نكافأ المحتلين عن كل جزء يحتلوه من ارضنا بان نكف عن اعتباره وطناً ؟ أم هل ان وصف الاراضي المحتلة يقتضي بالضرورة سلخها عن الوطن، أليست مزارع شبعا والجولان جزء من الوطن، وهل طابا (المحررة) جزء من الوطن ايضاً؟.

ماذا عن غزة؟ هل هي ارض محتلة كل داخل اليها مطبّع؟ أم هي وطن يجوز الدخول اليه دون دمغة التطبيع؟ أم انها بين بين. هل لدى جنابك ختم باسم ” بين بين ” ؟

اليسار:

ما من شك ان اليسار يتراجع ويتقهقر ليس فقط من حيث كم المنتمين اليه وجماهيريته، بل ايضاً في مواقفه ومفاهيمه وقيمه وسلوكه، ولكن الم يكن من اسباب هذا التراجع هو النزعة الانغلاقية والفوقية والأستذة التي أسهمت في عزله وانفضاض الجماهير من حوله؟ الم تسهم حفنة من حملة الاختام ومصدري الصكوك في ابتعاد الجماهير عنه؟ الا يتحمل بهذا حملة الاختام مسؤولية كبرى في ما آلت اليه اوضاع اليسار في فلسطين والعالم عموماً ؟

ثم، هل الحرص على اليسار وتصحيح مسيرته هو بالهجوم على كل من يحاول العمل والاستنهاض ولو كان في ذلك بعض الخطأ أحيانا؟ الم يقل لينين من يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ ؟ اليس الأجدر هو الثناء والترحيب بكل محاولة لاعادة انعاش اليسار بدلاً من التجريح والتشكيك؟ الا يعتبر الهجوم على اي يساري شهادة براءة لليمين؟ وربما للاحتلال ايضاً.

هل انتهت كل الأولويات الأخرى التي يجب الكتابة عنها وحولها بل ويجب النضال ضدها ؟ هل انتهى نهج التفريط؟ هل انتهى الفساد؟ هل سادت النزاهة والشفافية وساد العدل؟ هل توقف الاستيطان وهدم الجدار وحرر الأسرى وتحرر الوطن ولم يبقى سوى يسار يحتاج مساره لتصحيح او ربما لاستئصال، اليس هذا المقصود ب ” اليسار الذي يتحول وجوده الى مجرد اسم” . هل هذه هي بشراكم واكتشافكم العظيم؟، أم أن انتهاء اليسار المعروف حالياً سيولد يساراً مجاهداً أكثر ثورية سيوجه بنادقه نحو المطبعين ونحو كل من يستعمل تعبير “الوطن بدلاً من الأرض المحتلة” ونحو كل من يركب سيارة صالحة للاستخدام، ونحو كل ينظم او يسهم في تنظيم مؤتمر لتفعيل وتوحيد اليسار، ونحو كل يخرج برأيه وموقفه من الغرف المغلقة وصالونات الترف الفكري ليعمل مع الجماهير ويعايش همومها وقضاياها.

وأخيراً، وبعد ان استبشرت خيراً بولادة نشرة كنعان الالكترونية التي قدر لها ان تصل الى الناس كبديل او رديف لنشرة كنعان المطبوعة، واعتقدت ان محرريها قد تجاوزوا عقدة الرفض لاستخدام التكنولوجيا باعتبارها جزء من وبال العولمة، يبدو لي ان عقلية النخبة الانغلاق والتقوقع باقية كما هي بل انها توغل في الانغلاق حد التحول الى ما يمكن وصفه ب ” اليسار السلفي”.