أبعاد إقتصادية تخفيها الضجة الإعلامية حول الإنتخابات في العراق

منذر الاعظمي*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2079 )

أن الضجيج الأعلامي الحالي حول الإنتخابات يخفي عملية تحتية تجري ببطأ، وأنما قد تكون بنفس أهمية الأبقاء على التواجد العسكري والسياسي الأمريكي في العراق. إنها عملية الإنتقال من الأحتلال المباشر الى الإستعمار الجديد المعتمد على شرائح إجتماعية مرتبطة المصالح بالأحتلال، حسب إتفاقية الأطار الإستراتيجي التي عقدها جورج بوش قبيل نهاية ولايته مع المالكي. وهذه الإتفاقية، التي برز منها الجانب الأمني كانسحاب القوات الشكلي من المدن، كجميع الأتفاقيات الإستعمارية، تكبل البلدان الخاضعة ولا تلزم الدولة المهيمنة الا بما تريد.

وأن كان هناك تأثير لإنتخابات كانون الثاني 2010 والتحالفات السياسية، فهو في تشذيب، او تطعيم، أو تجديد الهياكل السياسية التي أعتمد عليها الأحتلال حتى الآن بوجوه جديدة، والتعامل مع توازنات جديدة. ويجب الا يتصور أحد أن تغييرا حقيقيا أو أنسحابا حقيقيا سيحدث. فما يجري هو تنسيق العملية السياسية تحت الإحتلال مع مستجدات البعد الأقليمي السياسي، وتزايد ثقل هذا البعد في السياسة الأمريكية في العراق، وتزايد الجانب الإقتصادي فيه.

أن الجديد ليس فصل التوافق الأمريكي الإيراني في العراق عن بقية التجاذبات بين الطرفين، وهوتحقيق جزئي لحلم الوصاية الأمريكية الأيرانية المشتركة الذي يتحدث عنه صراحة أحمد الجلبي،مثلا، وبعض الطائفيين الآخرين في إئتلاف الحكيم – الصدر- الفضيلة، وتحالف ‘دولة القانون’. ( ولا يجب أن نستغرب صفقات محلية بين خصوم أو أعداء، كما في الصفقة مع سورية في لبنان لعشرين عاما تقريبا). الجديد هو أولا بروز دور قوي معادل لتركيا، وخصوصا عبر كردستان العراق، عدا عشرات الإتفاقيات الرسمية التي وقعت في بغداد. ثم تزايد دور الشركات الأمريكية التي يديرها جنرالات وزعماء الفترة الأولى للاحتلال.

أعتقد أن هناك محاولة إستغلال طائفية للدور التركي المتزايد، لكن الأهم هو الدور الإقتصادي. فالعراق سوق كبيرمن 30 مليون نسمة، مفتوح أمام اقتصاد الدول المحيطة. وبالنسبة لتركيا فهي ترى أن الحضور الإقتصادي في اربيل ودهوك، بالشراكة مع السياسيين الأكراد في صراعاتهم، أفضل طريق لإستيعاب القضية الكردية برمتها. وقد تعقد تركيا مع أيران صفقة حول كردستان.

وكانت الكويت، إقتصاديا، قد إعتمدت على العقود المليارية مع القوات الأمريكية مباشرة في نشاطها الأقتصادي في العراق، كما في بناء السفارة الأمريكية مثلا، وهي مستمرة في ذلك، وبدا توسعه مع بعض الأطراف العراقية بصفقات في بعض المحافظات وتدخل سوريا والأردن بإضطراد في السوق العراقية. فالغنيمة العراقية مجال كبير بدخل سنوي يتجاوز السبعين مليار دولار، في بلد نجح الأحتلال في جعله في حالة خراب شامل زراعيا وصناعيا. ولذلك فالأنفتاح الإقليمي، سياسيا وإقتصاديا يمنح فرصة لأمريكا لكسب الوقت لإبقاء قواتها ونفوذها، والبحث عن بدائل سياسية ملائمة في السنين المقبلة.

أن هذه التنازلات الأقليمية مفروضة على أمريكا التي كانت تحلم بالأستحواذ كليا على الغنيمة العراقية، مانعة حتى الأوروبيين عن ‘ المعلف’، كما سماه وزيرالخارجية البريطاني السابق جاك سترو في وقتها. غيرانها رضيت، على مضض، أن تشاركها جهات إقليمية أكثر قدرة على الحركة والتواصل مع السوق العراقية من شركاتها هي التي ثبت عدم قدرتها على العمل في العراق بسبب المقاومة الضارية للشعب العراقي.

برزت مؤخرا أهمية الشركات الخاصة للأستثمار في العراق خارج العقود مع البنتاغون، وبينها لشركات خليل زاد، السفير السابق، الذي أفتتح مقرا لشركته العام الماضي في أربيل، وجي غارنر، الحاكم الأمريكي الأول، الذي يملك ثلث أسهم شركة كندية متعاقدة مع الأقليم، وبيتر غالبريث الذي لعب دورا رئيسيا في كتابة الدستور، ضامنا لنفسه حصصا في شركات النفط النرويجية العاملة في الأقليم. أن لهؤلاء ولمئات القادة العسكريين وقادة المتعاقدين الأمنيين الأمريكيين الذين خدموا في العراق علاقاتهم المتشعبة مع السياسيين الذين جلبوههم معهم أثناء الغزو عام 2003، وكلهم لهم مصلحة في بقاء هؤلاء، كونهم شركاؤهم المحليين في نهب البلاد. أما عملية تغيير هؤلاء الشركاء وإستئجار جماعات أخرى، والثقة بها فهي عملية مكلفة وخطرة، وإن بقيت ممكنة وتسير ببعض التعثر، ولها مسارات منها إثبات البدائل الجديدة لوجودها عبر الأنتخابات التي تصرف عليها المليارات، وهو ثمن بخس مقارنة بالتريليونات التي هدرت حتى اليوم.

هناك جوانب إقتصادية محضة في أتفاقية الأطار الاستراتيجي هي من إختصاص الإقتصاديين، وجوانب تدخل في عملية نمو الشرائح الإجتماعية التي تشكل قاعدة للأستعمار الجديد، وحاضنة للتداخلات الأقليمية بين الأوصياء على العراق. بعض هذه الجوانب الأجتماعية متعلق بما يسمـــــى البرجوازية الكــــومبرادورية اي الوكيلة للرأسمال الأجنبي، والتي لا مصلحة لها بنمو الأقتصاد الوطني المستقل، ومنها ما قد يكــــون أخطر، أذا إنتبهنا لدور الأقتصاد السياسي الديني المتمثل بالأوقاف والسياحة الدينية التي تجمع بين البرجوازية الكومبرادورية، وبين تـــجذير الطقوس والتمايزات المذهبية وتربط أعدادا متزايدة من الناس في أطر إجتماعية ضيقة وضارة. هذه جواب يجدر بنا بحثها وتشخيص طرق مواجهتها.

هل هناك مخرج مشرف للإحتلال؟

أن أرادت أمريكا التخلص من أستنزاف الحرب في العراق، التي تكلفها مليون دولار لكل جندي واحد في العام الواحد عبر السنين الستة الأخيرة، ( ولديهم 140 الف جندي رسمي حاليا) عليها التعامل سياسيا مع ممثلي الشعب العراقي، وهي قوى المقاومة ومناهضة الأحتلال. ومن هذه قوى يعرفونها وقد تعاملوا معها في الماضي، في بداية الإحتلال، عندما كانت امريكا تستخدم مندوبين محايدين من الأمم المتحدة للتفاوض مع القوى العراقية الفاعلة. أحداها مثلا تيارات المؤتمر التأسيسي الوطني، الذي يضم هيئة العلماء والمدرسة الخالصية ومكتبي البغدادي والطائي، والتيار القومي، واليسار الوطني، ومنظمات حقوقية ونسائية وعشائرية متنوعة. على الأحتلال الفاشل التعامل، ايضا، إداريا مع الممثلين الحقيقيين لكل دوائر الدولة، والمهن الطبية والحقوقية، والصناعية والتجارية والزراعية، والتعليمية والجامعية العراقية الحقيقية لا المستوردة، أي مع كل التكنوقراطيين الأصليين، الذين سيروا الدولة العراقية وأرسو أسسها لعقود، الذين لا شأن لهم بهذا الحزب والحكومة المعينة أو تلك، بل بتسيير شؤون البلد. كثير من هؤلاء يعرفهم الأحتلال وقد سجنهم وطاردهم أو تمت تصفيتهم جسديا، وكثيرون منهم في المهجر أو في حالة إختفاء مؤقت.

:::::

* كاتب من العراق يقيم في لندن