إنتخابات مجيرة ليس من مصلحة الشعب تلويث اصابعه بجيرها!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2079 )

الجير ـ احد مشتقات النفط وهو مادة كثيفة اللزاجة وقوية التصلب وتحتاج لحرارة عالية حتى تفك جزيئاتها عن نفسها لتصل لمرحلة السيولة، وليس من السهل محو اثارها في الانسان ومتعلقاته!

لم تكن الانتخابات، اي انتخابات كانت، هدفاً بحد ذاتها، انما هي افضل الوسائل الممكنة للاقتراب من تحقيق هدف اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، فعندما تجري انتخابات لمجلس ادارة نقابة فرعية اوعامة من النقابات، يحضر الاعضاء المسجلون ويتم فتح باب الترشيحات ثم يجري التصويت على المرشحين ويتم فرز العدد المطلوب للمجلس من بين الذين نالوا اكثر الاصوات، وحتما سيكون هؤلاء هم الانسب في ذلك الوقت لادارة الفرع او المركز الرئيسي بحسب راي الاكثرية وهذه بحد ذاتها ميزة الفائزين التي يستمدون منها شرعية ومسؤولية دورهم بحسب دستور النقابة وبرنامجها المهني والخدمي، ولكن عندما يجري مسبقا تجاوز شروط الاختيار الحر بواسطة اساليب الترهيب والترغيب ويجري التجاوز على مبدا تكافوء الفرص بين المرشحين والناخبين معا، وعندما يشكل بعضهم ـ كومبنيات، ائتلافات ـ على اسس مقاولاتية ـ طائفية وعنصرية ـ باعتبار العملية بمجملها مناقصة انتخابية الفوز بها يمنح اصحابه قدرة تكاد تكون مطلقة للتصرف بالاموال والسلطة، بحيث يكون تراضى اطراف الائتلاف المعني بحصصهم المتوقعة هو الفيصل في تماسك الائتلاف كقوة مهيمنة وحاسمة للنتائج مسبقا، وليس فيصلها المصالح العامة للاكثرية المصوتة صاحبة الشأن الاكبر في العملية برمتها، انها تنجح بمسعاها هذا من خلال ضمان تفاصيل المفردات الاجرائية للعملية الانتخابية ذاتها وشروط المشاركة وحساب الاصوات وشكل الترشيح وبما يضمن فوزها بالنتيجة حتى قبل نفاذ الاجراءات، وعندها سنحصل وبالنتيجة على شيء اخر لا يمت باي صلة للاختيار الحر والمباشر والسري ومن ثم سنكون ضحية مركبة لشكل متوالي من مصادرة الحقوق المعلنة وافسادها بنوع من الاستبداد السياسي المتنكر باقنعة الديمقراطية المزيفة!

ان الاسس التي قامت عليها العملية السياسية الجارية في العراق ومنذ 9 نيسان 2003 وحتى الان لا يمكن ان تنتج شيئاً مخالفاً لما هو طاغي عليها اليوم!

1 ـ دستور هذه العملية مشوه وبتعمد باذرا في كل المفاصل روح ما يسمى بالكوتا التوافقية والتي اسموها تعسفا بالديمقراطية ذات الخصوصية التوافقية بين المكونات!

2 ـ نهج الترغيب والترهيب الذي مارسه وما زال المحتل الوصي على هذه العملية بالتعاضد مع القوى المنتفعة من وجوده والتي بلورت نفسها كواجهات للمكونات الطائفية والعنصرية، والتي مارست وما تزال سياسات الاقصاء والاجتثاث وتقزيم الهوية الوطنية الرافعة الموضوعية لاي متغيرات ذات ابعاد جامعة وغير مفرطة في مجتمعنا!

3 ـ انغلاق الدورات الانتخابية على نفسها من خلال مصادرة القوى القائمة عليها لامكانيات ولوج بدائل عنها قد تفرزها اي دورة جديدة اعتمادا على استثمارها الفاسد لوجودها في السلطة المكفولة بقوة المحتل وجيوشه التي عملت على فكفكة مؤسسات الدولة العراقية، مما اتاح لهذه القوى السيطرة ودون فكاك على السلطة والدولة معا، وهذا ما جعلها في كل مرة قادرة على تحوير شروط الانخراط في الدورات الانتخابية وبما يضمن تجديد آليات هيمنتها عليها!

الحقيقة ان الاهمية القصوى بالنسبة للانتخابات العامة القادمة في العراق تكمن في ارتباطها القوي بالانسحاب الامريكي الاولي من العراق وما يعنيه ذلك من تكالب القوى التي وجدت نفسها على راس السلطة برعاية امريكية على محاولة تجذير وجودها الذي لا يقبل باقل من استمراره في السلطة وباي ثمن، وذلك من خلال استخدام المال العام والتلاعب بسياسة التوظيف والاستثمار الحزبي في المؤسسة الامنية والاستخبارية والعسكرية النظامية علاوة على الاستحضار الدائم للعوامل الطائفية والعنصرية، حزبي امارة الشمال ـ البارزاني والطالباني ـ مثلا يعملان على تكديس المكاسب الذاتية على حساب المركز لاشغال سكان الشمال بالصراعات العنصرية وقطع الطريق على اي قوى اخرى تطالب بتداول حقيقي للسلطة وعلى اسس انتخابية شفافة في مناطقها، لذلك رأينا كيف انها بالغت في تعطيل موضوعة تعديل قانون الانتخابات الذي لم يعدل فيه شيء نحو الاحسن سوى مسألة القوائم المفتوحة، بحجة دفاعها عن مصالح الاكراد في كركوك، والحزبين في النهاية حليفين اكيدين للاحزاب الطائفية حيث يقتسمان معها حكم المركز!

لقد بينت الاربعة سنين الماضية والتي عمل خلالها البرلمان القائم والمنتخب بالطريقة اياها، اي على الطريقة ـ العراقية والافغانية ـ انفة الذكر، انه اعجز من ان يكون ممثلا عن التطلعات الحقيقية لابناء الشعب، فلم يكن له اي دور حقيقي في الدفاع عن مصالح وحقوق وتطلعات اغلبية العراقيين، بل كان وفي الكثير من الاحيان ناجحا ومتحمسا ومتوافقا جدا في تشريع ما يحقق رفاه ورخاء اعضاءه ومافيات احزابه المرتبطة حتى النخاع بمصالح المحتلين ودول الجوار ـ من مخصصات مالية مبالغ بها ورواتب عالية وقطع اراضي تمليك وجوازات دبلوماسية لهم ولعوائلهم ولمدة 12 سنة من تاريخ انتهاء مهامهم البرلمانية، الى تقاعد مجزي مدى الحياة ـ وكان فاشلا ومائعا وكسولا وبطيئا في تشريع ما يحتاجه المواطنون فعليا وما ينتظروه منه لاتخاذ التدابير الملائمة لمراقبة الفساد المستشري ووضع اليد على المقصرين ولمتجاوزين من المسؤولين، ومواجهة الكوارث الشاملة التي يعشها العراقيون من افتقاد للخدمات الاساسية ومن تراجع لكل مستويات النمو واتساع دائرة الفقر، ومن تجاوزات قوات الاحتلال واستهتارها بسلامة الاهالي، ومن عبث وعربدة الميليشيات وتحكمها بمصائر الناس وتحديدا ميليشيات البيشمركة وبدر والصدر!

من كل ما تقدم نستطيع الجزم بان نتائج الانتخابات القادمة سوف لن تختلف جوهريا عن ما انتجته الانتخابات التي قبلها على الرغم من افتضاح كل عيوبها والفشل الذريع الذي اصاب منطق رموزها، ولا حاجة لاعادة ذكر الاسباب، فنفس الماكنة سيعاد تشغيلها لتعيد انتاج ما هو منتج وغير صالح للاستخدام المدني لانها بنيت بالاساس على تقاسم المجتمع طائفيا وعرقيا، ولا حل انتخابي يرتجى وعلى ذات الاسس التي تجرد الناخب من جوهره كمواطن لتحيله الى رقم في سلال الطائفية والعنصرية، الحل كله يكمن في عزل هؤلاء من خلال مقاطعتهم ومقاطعة انتخاباتهم وجعلها بلا غطاء شرعي، ومن ثم تسديد ضربات سياسية وشعبية لنهجهم من خلال النضالات المدنية والشعبية الجامعة لاقامة عراق حر مستقل كامل السيادة تحرم فيه الميليشيات السياسية والعسكرية، عراق ديمقراطي موحد خالي من الفدرلة العشائرية المتخلفة وامراضها الانعزالية عرقيا وطائفيا، عراق يضمن للجميع حقوقا متساوية في مجتمع المواطنة الواحدة!

ان اساليب النضال السياسي والشعبي المشروعة كالعصيان والتظاهرات والاضرابات والمطالبات بتغيير الدستور الذي مرر بليلة ظلماء اسموها زورا وبهتانا بعرس الاستفتاء، ستكون كفيلة باشهار افلاس هذه العملية التي لم يجني العراق من وراءها غير التبعثر والتشتت والانقسام والفوضى والتقطيع والتقتيل واحتمالات الحروب الاهلية!

نعم لمقاطعة الانتخابات الصورية التي لا تدور الا حول نفسها!

نعم لتحرير العراق واستقلاله الحقيقي وانتزاع سيادته الكاملة!

نعم لتاسيس عملية سياسية وطنية تقوم على اسس حقيقية للمصالحة والمكاشفة الوطنية والمبنية على اساس النقد الموضوعي لمجمل مواقف وممارسات فترة ما قبل وبعد الحرب على العراق واحتلاله، ووضع المخارج الوطنية والديمقراطية الحقيقية لخروج البلاد من ازمتها المستعصية!