عقيدة قتل!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2080 )

هل أتى العرب حديث كتاب “عقيدة الملك”، أو، وبمعنى أدق، ما يعني عقيدة القتل عند الإسرائيليين؟

لعل أغلبنا بعد لم يسمعوا بهذا، إذ لم يحظ الأمر بعد بتغطية إعلامية تناسبه، وغالب وسائل الإعلام العربية لم تعالجه، وفق ما نعلم، بأكثر من مرة واحدة، وكخبر ليس إلا… كان هذا بعد أن تناولته وسائل الإعلام الإسرائيلية قبل أيام فأوّلته، ولأسبابها لا أسبابنا بالطبع، اهتماماً ربما هو أكبر من اهتمامنا.

الكتاب، صدر مؤخراً في ثلاثمائة وعشرين صفحة، وضعه الحاخام أيتسيك شابيرا، رئيس المدرسة التوراتية “عود يوسف حي” في مستعمرة “يتسهار” في الضفة الغربية المحتلة، عاونه في تدبيجه حاخام آخر هو يوسي ألتسور، فكان أن حاز على الرضا وحظي بالتوصية من قبل محافل يمينية إسرائيلية مؤثرة، وهو يجيب على سؤال إسرائيلي بامتياز هو:

متى يسمح بقتل الأغيار؟ الأغيار، أو هؤلاء الذين هم من غير اليهود إجمالاً، وتحديداً هنا، هم نحن العرب. أي أن هذا الكتاب يضمم بين دفتيه فتاوي دينية، أو تبريرات توراتية مسهبة تستند إليها عقيدة القتل هذه التي يخصوننا بها.

السؤال الإسرائيلي وإجاباته التوراتية، أو ما أفتي به هنا الحاخامون، مرّ علينا مرور سواه من أخبارنا وأخبارهم التي سرعان ما يلفها النسيان في مثل هذه المرحلة العربية التي نحن في غنى عن توصيفها… بل لعل اهتمامنا به كان تماماً مثله مثل اهتمامنا بمرور خبر إجتماع لجنة متابعة المرحومة “مبادرة السلام العربي” الذي يعادل عدم استحقاق مبالاتنا، كما لم يحظ بالتوقف أمامه ربما أكثر من اقتراح هذه اللجنة التي لماماً تذكرنا بالمرحومة المبادرة، والذي يوصي بالتوجه لمجلس الأمن لبحث “تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي”، هذا الذي كان يوصف سابقاً صراعاً عربياً صهيونياً… مع الحرص على التأكيد للمجلس الموقر بأن الممارسات الإسرائيلية في فلسطين “لا تخلق حقاً ولا تنشئ إلتزاماً”، وفق ما صدر في أعقاب إنفضاض إجتماع اللجنة الميمون!

هناك تفسيران للأمر، الأول، أن الكتاب السؤال والفتاوي التي هي الإجابة عليه، والذي يبيح قتل حتى الأطفال الفلسطينيين “الذين يسدون طريق النجاح بوجودهم”، تشكل إجاباته أو تحيل إلى المقدس معهود السياسات الرسمية المتبعة وتخلعه عليها بلا مواربة، التي ما انفكت تنفذها إسرائيل عملياً منذ أن كان إغتصاب فلسطين وإقامة كيانها على أنقاضها، بدءاً بالنكبة وإلى يومنا هذا، وإلى ما بقي هذا الكيان في قلب الوطن العربي، والتي تغلف عادة بتبريرات ومزاعم وأكاذيب وأضاليل مختلفة، يغطيها تواطؤ غربي، ويشجع عليها عجز عربي. أي أنه حشد من فتاوى هي عبارة عن طبعة من نسخ توراتية لتعاليم علمانية كان قد أفتى بمثلها علمانيو هذا الكيان قبل أحباره، أي كان قد سبقهم إليها جابو تنسكي، وبن غوريون وسائر ما يدعون لديهم بالآباء المؤسسين، مروراً ببيغن وشارون، والجنرالات مختلفي الأسماء، وحتى باراك و ليبرمان ونتنياهو راهناً… أي أنه أمر تعود عليه عرب المرحلة وتعايش عجزهم معه، وحيث غدت إراقة الدم الفلسطيني يومياً فعلاً إسرائيلياً لا جدة فيه… تعودوا عليه في حال لهم كان من سماتها أنهم لم يجدوا رداً مناسباً على عودة نتنياهو من واشنطن فائزاً بتطابق وتماهي بل اندغام مواقف الإدارة الأمريكية كلياً مع مواقفه التهويدية وسياساته الإحتلالية، وحفلة العناق المبالغ فيه الذي استقبله بها ساركوزي وودعه بها في باريس… أو على تراجع أخينا باراك حسين أوباما عن ما بشّر عربه ومسلميه به في عظيتيه الشهيرتين في اسطنبول والقاهرة، ومن ثم إعلان أبو مازن وفاة ما تدعى “عملية السلام”، أو مسيرته التي بدأها في أوسلو قبل ستة عشر حولاً، عبر حرده الذي عبّر عنه بالتهديد بعدم ترشيح نفسه لانتخابات سلطتها الرئاسية مثار الجدل… لم يجدوا رداً مناسباً، إلا التوجه لمجلس الأمن بهدف تذكيره بمحاسن المرحومة “مبادرة السلام العربية” إياها!

والثاني، هو أن عرب المرحلة في ظل تفشي القطرية، وتراجع ثقل الهم القومي في حساباتهم، أو بعد أن سحبوا أو كادوا في غالبيتهم، ولا نقول جميعاً، يدهم رويداً رويداً من هذا الهم فنفضوها من مسؤوليتهم التاريخية اتجاه قضية قضاياهم، التي كانت ذات يوم عندهم تعد بالمركزية، في فلسطين، رافعين يافطة “السلام خياراً استراتيجياً وحيداً”، قد انشغلوا في همومهم القطرية، لدرجة أنه لم يعد العدو التاريخي لهم عدواً، وحتى أن يحلو لبعضهم الإنجرار خلف مكيدة استبداله بعدو إقليمي، أو الهبوط إلى درك استبدال الصراع الوجودي وليس الحدودي على فلسطينهم ببغيض الصراعات الطائفية المفتعلة والعبثية مع جوارهم أو فيما بينهم… ربما لن تحظى فتاوى “عقيدة الملك المشار إليها، بما سيحظى به، في ظل مثل هذا الإنحدار في الواقع العربي، تداعيات الاستقبال المشين والمؤسف الذي حظي به المنتخب الجزائري من قبل مشجعي منافسه المضيف، والذي إن كشف فيما يكشف، بل فضح فيما يفضح، فمدى ما أوصلتنا إليه القطرية الكريهة الضيقة من أسفافٍ مقيت ومهانة مرّة، والتي مهما فُرضت علينا وتغولت وطالت وبررت وشحنت فلن تحجب كوارثها الملموسة حقيقة لم يعد حالنا ينبئ بسواها، وهو أن هذه الأمة الواحدة لا حرية ولا كرامة ولا نهضة ولا تقدم لها بغير سلوك سبيل وحدتها وديموقراطيتها، اللتين لايكونا إلا في سياق مواجهتها الضرورة لأعدائها أولاً، وحسمها المفترض للصراع في فلسطين لصالحها ثانياً.

بماذا أفتى الحاخامات، أو ترجموا توراتياً ما قلنا أنه كان قد سبقتهم إليه تعاليم الصهاينة المؤسسين، أو تلك السياسات المطبقة والخادمة لاستهدافات الإستراتيجية الصهيونية، تلك التي لطالما قلنا ونكرر أنها لم تتغير ولم تتبدل ولم تتوقف ولن تفعل، ومنذ أن كان أن رسمت في بازل قبل قرن ونيف؟

هنا نورد مقتطفاً منها يقول: “في كل مكان يمكن فيه لحضور الغير أن يُعرّض للخطر حياة إسرائيلي مسموح قتله حتى ولو كان من محبي أمم العالم وليس مذنباً على الإطلاق في الوضع الناشئ”!

إذن، الحضور العربي الفلسطيني، أو مجرد الوجود، أو التمسك بالبقاء على أرض الوطن المحتل، أو ما تمثله الديموغرافيا الفلسطينية، التي يجمع الإسرائيليون بلا إستثناء على خطورتها على مستقبل كيانهم الغاصب، تنطبق عليه هذه الفتاوى، التي تبيح في هذه الحالة قتل مطلق عربي فلسطيني مادام مجرد وجوده يشكل خطراً مفترضاً أو محتملاً أو متوقعاً… وتزيد هذه الفتاوى القاتلة فتشمل حتى “محبي أمم العالم” لهم، ومن ليس لهم علاقة مباشرة بالصراع، إذا ما هم جنحوا إلى شبهة التعاطف مع هؤلاء الذين يشكلون هذا الخطر… وفي فقرة أخرى في ذات السياق، تواصل هذه الفتاوى:

“عندما يساعد غير قاتل ليهودي ويؤدي إلى موت آخر مسموح قتله، وفي كل حالة يمكن فيها لحضور الغير أن يؤدي إلى خطر على إسرائيل، مسموح قتل الغير”… ويستطرد النص: حتى ولو كان “لا يهدد بشكل مباشر بل بشكل غير مباشر، وحتى المدني الذي يساعد المقاتلين، أو يعرب عن الارتياح لأفعالهم”.

أي أنه، وفي هذه الحالة، فالأم الفلسطينية التي تلد طفلاً قد يصبح ذات يوم فدائياً أو مقاوماً، تشملها تهمة المساعدة هذه وبالتالي حلال قتلها حتى قبل أن تلده، كما أن الأمر ينطبق على من يشيّع شهيداً، أو يقرأ على روحه الفاتحة، إذ يعدّ عبر تشييعه أو حتى ترحمه عليه، مرتاحاً وفق توصيفهم هذا… أوليس يفسر لنا هذه عديد حالات قصف مسيرات تشييع الضحايا المتكررة في غزة وسواها؟!

ولا تكتفي فتاوى “عقيدة الملك” أو عقيدة القتل بهذا، بل تشمل بركاتها كل “من يُضعف بالأقوال مملكتنا”… هنا جاز لنا أن نفهم لماذا أملوا على سلطة أوسلو وجوب تغيير المناهج في المدارس الفلسطينية التي توضح لأطفال الفلسطينيين ثوابت ومسلمات قضيتهم ومدى عدالتها، ووجوب النضال من أجل استعادة حقوقهم المغتصبة في وطنهم من قبل مغتصبها الغازي الباغي، وبالتالي لماذا فضائيتها الرسمية إبان محرقة غزة وقبلها وبعدها ولا تزال، تظل غارقة في عرض أفلام البيئة والأفلام الكوميدية بالأبيض والأسود، وتلك الرخيصة الثمن أو الرديئة منها في غالبها، أو التي أكل عليها الزمن وشرب، أو التي من شأنها أن تعيد مشاهدها إلى أيام اسماعيل ياسين وتوفيق الدقن وغوار الطوشة… وتمضي هذه الفتاوي وصولاً إلى، والقتل مسموح حتى بالنسبة للأطفال، لماذا؟

لأنهم، كما يقول الكتاب، “سدادوا طريق… يسدّون طريق النجاح بوجودهم… مسموح قتلهم لأن وجودهم يساعد على القتل… وإذا كان واضحاً أنهم سيكبرون للإضرار بنا”… لعل الكلام هنا واضح، ولا يحتاج إلى تعليق، وكنا قد أشرنا إليه سريعاً بدايةً… وتنتقل الفتاوى إلى إباحة الإبتزاز الدموي، التي هم يبرعون تاريخياً في ممارسته، بفتوى مثل، أنه “مسموح المس بأبناء الزعيم لممارسة الضغط عليه”!

… وهناك في الكتاب فصل بعنوان “المسّ المقصود بالأبرياء”، أي حالات إجازة هذا المس والسماح به، وهنا تأتي شروح مستفيضة مؤداها أن من ينتمي لشعب العدو يعد أيضاً عدواً لأنه يساعده، الأمر الذي يشمل جميع العرب والمسلمين، وحتى يتعداهم إلى المتعاطفين مع عدالة قضيتهم من أحرار العالم… العربي المعتدل والممانع على السواء، المنشغل بهم الأمة الفلسطيني أو من نفض يده منه، ومعهم كل من ترحم على شهيد في العالم الإسلامي!

وإذ يحض واضعوا “عقيدة الملك” على أنه “من أجل الانتصار على الأشرار (الذين هم نحن) يجب التصرف معهم بطريقة الثأر والصاع بالصاع”، يزيدون، بل “وتصح أحياناً أفعال وحشية ترمي إلى خلق ميزان رعب” معهم… وهنا جاز لنا القول، أنه إذا كان هذا ليس هو الإرهاب الحقيقي الذي يصمّون آذان العالم بهجائه فماذا هو الإرهاب؟؟!!

ما تقدم من فتاوى قتل كانت قد طبقتها سلفاً، وعلى مدار الصراع على فلسطين، سياسات صهيونية دائمة ومستمرة رافقت ولازمت طبيعة كيان استعماري إحلالي عنصري يقوم على نفي الآخر، الذي هو صاحب الوطن الذي تم غزوه واغتصابه وإقامة الكيان الغاصب على أنقاضه، حيث لن يطمئن المعتدي لاستمرار وجوده طالما ظل المعتدى عليه موجوداً، أو بقي شاهداً على جريمته. وهو إذ ينسجم أصلاً مع ثقافة تلفيقية متأصلة وغيتوية السمة، أوعنصرية تليدة وعصابية مزمنة، تستند ترهاتها وأباطيلها ومغالاتها إلى أساطير وخرافات وخلفيات تاريخية موغلة في أحقادها وكرهها المعتق للآخر، ففيه ما يعني تحدي هذا الواقع العربي، الذي نحن في غنى عن وصفه، بالسؤال المصيري المستحق منا اليوم الإجابة عليه قبل غد، وهو: وبعد، من يجرؤ على الزعم بأن مثل هؤلاء القتلة يمكن أن يسالموا الآخر، أو هو يجد مبرراً لأن يسالمهم، أو يمكن مجرد إيهامنا، وحتى إيهام نفسه بإمكانية التعايش ولو مرحلياً معهم؟!

… وأخيراً، تصوروا لو أن بعض ما صدر من فتاوى في كتاب “عقيدة الملك” أو عقيدة القتل هذا، كان على لسان شيخ مسلم، في أي مكان ما في العالم، ما الذي سيحدث في هذا العالم، أو في غربه، هذا الذي تجاهل الكتاب وفتاواه حتى الآن، ولم ينبس حياله ببنت شفة؟!!