طالبان وهجومها السياسي المنتظر لتعزيز انتصارها العسكري!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2081 )

نجحت طالبان في استنزاف قوات حلف الناتو الشريكة الفاعلة لقوات الغزاة الامريكان الذين ضاقت بهم السبل فراحوا يعيدون النظر بكل سياساتهم التي اتبعوها خلال الاعوام الثمان من عمر احتلالهم للبلاد وتشغيل عملية سياسية فيها اثبتت التجربة انها غير قادرة على حماية نفسها بنفسها، مما يعني البقاء الدائم للقوات الامريكية بمعية الناتو، وهنا تكمن معانى هزيمة تلك القوات ومن خلفها ارادات دولها المتغطرسة، لان ما تخطط له جيوش تلك الدول هو ترك البلاد لتقوده مفاعيل تلك العملية المنسجمة في مشيئتها مع المشائين في حلف الناتو وزعيمته امريكا كشرطي ميداني ووقائي لا يتحرك الا لخدمة قادته خدام مصالح امبراطوريات المال والاعمال في العالم!

لا جديد في استرتيجية اوباما ـ الجديدة ـ ازاء افغانستان غير انها تستعجل حزمة متزامنة من الاجراءات لايقاف التقدم الطالباني، واسعاف التقهقر الملحوظ لقوات الناتو، وانقاذ ما يمكن انقاذه من صورة الحكم الافغاني الفاسد، وفشله في ان يكون بديلا مقنعا عن حكم طالبان!

1ـ تعزيز القوات الامريكية هناك بما يضمن عدم سقوط اقاليم باكملها بيد مقاتلي طالبان، ومن اجل سد الفراغ الذي ستتركه بعض قوات دول الناتو المنسحبة، وتاهيل وتوسيع قاعدة القوات الافغانية لتساهم بفعالية في صد طالبان، وبهذا الاتجاه تم تخصيص 7 ونصف مليار دولار!

2 ـ اعتماد استراتيجية الدفع بطالبان نحو الحدود الباكستانية ومحاصرتها من طرفي الحدود، والتركيز على القصف الذكي لقواعدها الخلفية!

3 ـ التركيز على دور فاعل للقوات الباكستانية والسخاء في دعمها ماديا ولوجستيا، لاستقطاب القبائل واستمالتها في الحرب على طرفي طالبان والقاعدة، ودعم موقف الحكومة الباكستانية في ضبط الامن في الداخل الباكستاني!

4 ـ فتح الطريق امام اي تفاهمات ممكنة لاستمالة القبائل في الداخل افغاني والاغداق عليها واشراكها في الحكم لتكون عونا في الحرب ضد المتشددين من الجماعات الطلبانية!

5 ـ العمل على فك الارتباط بين القاعدة وطالبان وبكل السبل الممكنة، بما فيها التفاوض المباشر مع طالبان، والاستجابة لبعض شروطها!

6 ـ تركيز العمل المخابراتي لتصفية زعماء طالبان والقاعدة وعلى جانبي الحدود لما لذلك من دور معنوي كبير في ارباك حركة مقاتلي طالبان والقاعدة، وايضا لكونه مبررا مقنعا لاي مساومات محتمة لاحقا!

اثبتت طالبان انها تملك زمام المبادرة على الارض، واثبتت مصداقيتها في كونها تقاتل بعقيدة واثقة تجعلها بقوة تضاهي قوة المقاتلين الفيتناميين ـ جنود الجنرال جياب ـ بالنسبة للامريكان، والفرق بينهما لمصلحة طالبان لان ثوار الفيتنام كانوا مدعومين وقتها من قبل دولتين عظيمتين هما الاتحاد السوفياتي والصين، اما مقاتلي طالبان فليس لهم من نصير دولي على الاطلاق، ليس لهم غير قبائلهم وليس لهم مدد غير مدد القاعدة!

نفس سر صمود حركات المقاومة الشعبية المتاصلة هو سرها والذي يضاف له سر اخر عصي على الاستيعاب من لدن القوى الغاشمة الا وهو النمط غير التقليدي للعقيدة القتالية المجربة التي تحارب بها فاذا كان القتال في سبيل المباديء الاشتراكية والتضحية من اجلها خدمة للانسانية والمستضعفين في الارض، فان طالبان وطلابها مؤدلجون على ان قتالهم وتضحياتهم، تخدم ناسها في الارض والسماء معا، وثقل تاثيرها يوازي الثقلين، واجرها اجران اجر الدنيا والاخرة، وهناك عوامل مساعدة اخرى تصب في تصليد عودها وسبكه وكانه من معدن اخر لم تآلفه الشعوب. افغانستان ارض يسهل الضياع فيها، ارض ترهق من يريد التحكم فيها، ارض تتوسط الدهاليز والمخارج والمداخل، وشعبها ابسط من البسيط ولانه كذلك فان خياراته بسيطة ولكنه يثق بها كثقته بالموت والحياة، فطرته لم تتلوث كثيرا بملوثات المدنية وميزاتها الاستهلاكية التي عادة ما يكون خوف اهلها عليها عامل من عوامل خضوعهم، لكن تبقى دوافعه الذاتية للسعي مصطدمة دوما باطماع الاخرين وحروبهم، وهو يعرف بالغريزة معنى الحرية والذل والكرامة، هكذا هو ومنذ ايام الاسكندر المقدوني، حتى ايام الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، والى يومنا هذا، وسيعلم هذا الشعب البسيط الامريكان وقادتهم وحلفائهم ان يحسبوا الف حساب قبل ان ينزلوا بارض ليست لهم، ليقاتلوا اناس اقل منهم عدة ولكنهم يعرفون اسرار المكان وليس لهم شيئا يخافون عليه غير حريتهم!

العجز الامريكي اكثر من واضح وتململ قوات الناتو صار صارخا، وطالبان تضرب على الوتر، فهي لا تقول شيئا غير اخرجوا واتركوا الارض لاهلها، وقولتها تلك مقرونة بنعوش متكاثرة للجند الذين لا يعرفون من يقاتلون والى متى ؟

بعد مجيء اوباما، وشروعه بتطبيق نهجه المعلن في التركيز على افغانستان، وتخفيف التواجد في العراق، عزز قواته هناك بما يوحي باندفاعة جديدة، واعطى توجيهاته برسم تكتيكات تنقل زمام المبادرة من ايادي الشبح الطالباني لتكون بحوزة قواته وخاصة بعد رسم معالم الاستراتيجية الجديدة للحرب هناك من حيث الاهداف والوسائل وحجم القوات، وما يرافق هذه العملية من خطوات سياسية واقتصادية، ويبدو واضحا ان الاستراتيجية الموعودة تعتمد سيناريو اضعاف طالبان واجبارها على التفاوض ودون شروط مع الحكومة المنصبة في كابل، اي انها تخلت مسبقا عن مبدأ تصفية واجتثاث طالبان من الحياة السياسية في افغانستان، وهنا ايضا نلحظ نوع من انواع التراجع عن الاستراتيجية التي بموجبها احتلت امريكا افغانستان، اما الوسائل فمن الواضح ان اوباما يركز على الدور الباكستاني في محاصرة طالبان افغانستان وامتداداتها الباكستانية او حاضنتها الباكستانية ـ طالبان باكستان ـ ولذلك كان السخاء الامريكي واضحا عندما اقر الكونغرس تقديم مساعدات عسكرية ومدنية وتمويلية بحجم 3 مليار دولار سنويا، قابلة للزيادة مع كل تمعن باكستاني في تلك الحرب الشاملة على منطقة القبائل في وزيرستان وغيرها من المواقع التي يتجاسر فيها الطالبانيون ـ افغان وباكستانيون وعلى صوبي الحدود ـ الى جانب استمالة القبائل المتضررة من النشاط الطالباني على خط الحدود وتشكيل فرق اسناد تكون عونا للجيش في حربه على طالبان باكستان ومن يقاتل معها، فكانت محاولة الايقاع بحكيم الله محسود احد ابرز قادة طالبان باكستان واحدة من ثمرات هذا النسق الجديد من التزامن في الهجوم وعلى كل المسارات والجبهات، ثم اعتماد اسلوب اقلمة المواجهات داخل افغانستان ذاتها من خلال تقسيم افغانستان الى عشرة اقاليم عسكرية يجري عزل المضمونة او غير الساخنة منها عن الساخنة والضغط الشديد باتجاه انسحاب مقاتلي طالبان نحو الحدود وترك الاقاليم المأهولة بالسكان، ثم تكوين مايشبه الكماشة لهم، وبعدها يتكفل الطيران الامريكي بالقصف المكثف لقواعدهم الخلفية، مع تعزيز عمليات التربص بحركة المقاتلين من خلال نشر الجنود على الارض الممشطة بطول خطوط التماس مع الاقاليم الحدودية الساخنة ـ المشكلة الامريكية هنا هي عدم كفاية ما مطلوب نشره من جنود ـ!

لقد اطلق الامريكان تسمية الخنجرالمعقوف على عمليتهم التي ابتدأت في اقليم هلمند لتمشيط الاقليم واجبار مقاتلي طالبان على التقهقر نحو الحدود، وحينها اعلنت طالبان مواجهتها لهذا الهجوم الواسع الذي اشترك به حوالي 8 الاف مقاتل امريكي وبريطاني، بعملية مقابلة سمتها بالشبكة الحديدية، ومن هذه التسمية نعلم مدى تمرس طالبان في الميدان من جهة ومدى نجاعة قرأتهم لخطط العدو وقدرتهم على امتصاص مبادراته وتحويلها الى هزائم على الارض، وذلك من خلال تصعيد المواجهات وفي آن واحد وعلى جميع الجبهات لتشتيت مرتكزات وقواعد خطط العدو وجعله يتصرف تبعا لافعال طالبان وليس العكس، فبين هجمات صاروخية وعبوات ناسفة داخل كابل نفسها، بل وداخل اغلب المدن القليلة التي وجدت فيها صناديق اقتراع ـ مما جعل من الانتخابات مسخرة حقيقية ـ الى اصطياد الجنود الامريكان بكمائن محكمة، الى المساهمة بمد طالبان باكستان بما يلزم لنقل الحرب الى داخل لاهور واسلام اباد نفسها بل الى داخل مقرات الجيش فيها، الى تهديد حركة الطيران بمجمله من النيران المتعمدة، فسقطت طائرتين في خضم الهجمات الامريكية المشتدة، الى كشف فضائح قوات الناتو التي كانت تدفع فدية لطالبان مقابل عدم التعرض لها ـ حالة القوات الايطالية قبل انسحابها، وعندما حلت محلها القوات الفرنسية ولم تدفع فتعرضت لهجمات راح ضحيتها اكثر من عشرة جنود في ظرف يومين ـ القتلى الامريكان بالعشرات، والقادة العسكريون ومن خلفهم الجمهوريون يؤكدون على ضرورة ارسال تعزيزات كبيرة لضبط الاوضاع، ولكن ادارة اوباما تدرك جيدا ان التورط اكثر معناه خسائر اكثر وبالتالي فان النتائج غير مضمونة لناحية تطبيق الاستراتيجية القائلة بضرورة التفكير الجدي بالانسحاب بعد وضع ترتيبات مصالحة داخلية تحفظ الوضع من الانهيار، وهنا فان اوباما في حيرة من امره، وما يزيدها هو اصرار دول الناتو على التملص من استحقاقات تواجدها في الميدان نتيجة غياب المبرر المقنع لاستمرار مشاركتها بتلك الحرب وايضا لتزايد الاصوات المعارضة لها في داخل بلدانها وايضا كنتيجة للازمة المالية التي تستشعرها ميزانيات تلك الدول واحراجات الخسائر البشرية الافغانية ناهيك عن خسائرها هي!

يقول احد سفراء بريطانيا السابقين : حرب افغانستان عبارة عن اهدار للارواح وبلا طائل!

الامين العام لحلف الناتو يقول : ان مرور الوقت ليس في صالح الحلف في افغانستان!

تقارير الامم المتحدة تؤكد على ان مقادير انتاج المخدارات في افغانستان تضاعفت منذ سقوط حكم طالبان وحتى الان! وتعزيزا لهذه الحقيقة تم الكشف عن ان احمد كرزاي شقيق الرئيس الافغاني هو واحد من اكبر مقاولي تجارة المخدرات في افغانستان، التي تعتبر المورد الاول للهيرويين في العالم وخاصة اوروبا!

اليابان ابلغت امريكا توقفها عن تقديم اي دعم لوجستي بحري بالنسبة للوضع في افغانستان!

استراليا ترفض ارسال المزيد من الجنود هناك!

كندا ستسحب قواتها نهاية العام القادم!

اصبح موضوع سحب قوات الدول الاوروبية من افغانستان احد مفردات البرامج الانتخابية للاحزاب المتنافسة على مقاعد البرلمانات فيها!

اغلب التقارير الاممية تؤكد على غياب اي نوع من انواع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في معظم المناطق الافغانية، فحال الزراعة متردي وكذا حال الصحة والتعليم والكهرباء والماء الصالح للشرب، وان احتلال البلاد حطم ما كان قائما من بنى تحتية ضعيفة اصلا!

القادة العسكريون الباكستانيون يتململون من الحث الامريكي باتجاه توسعت نطاق الحرب على مقاتلي طالبان باكستان، ووضع ثقل جيشهم في مناطق حدودية نائية، مع ارتفاع مريع لاعداد النازحين والمتضررين من تلك الحرب هناك، لكن امريكا تعد بالتعويض المناسب عن اي ضرر وهي تقدم المساعدات العسكرية والمدنية التي تساهم بخفض الاصوات المعارضة، الى جانب استجابتها لخفض معدلات القصف دون تنسيق مسبق مع قادة الجيش الباكستاني لاهداف عدوة داخل باكستان، وتركيزها لتفادي وقوع المزيد من الضحايا الابرياء والتي تساهم بزيادة نسب الاستياء الشعبي مما يسبب بالمزيد من الاحراجات المتكررة للجيش والحكومة!

من كل الذي تقدم نصل الى خلاصة مفادها : ان شباك طالبان الحديدية نجحت باسر الخنجر الامريكي المعقوف وهي قادرة على كسره، وحتى تنجز فعل ذلك، مطلوب منها محاصرة الغزاة وصنائعهم بما يهزمهم سياسيا ايضا. فان اقامة اوسع تحالف سياسي وقبلي ومذهبي معزز ببرنامج سياسي وطني شامل وذي ابعاد مدنية، لبناء دولة جديدة تنشد السيادة والتطور والرفاه لشعبها هو ضرورة من ضرورات المواجهة، وطرح مبادرة لانهاء الاحتلال بسحب القوات الاجنبية ودون شروط وتعويض افغانستان عن الاضرار التي لحقت به عبر برنامج خاص تشرف عليه الامم المتحدة يساهم بتعجيل فرار الدول المشاركة بالحرب الدائرة، اما اذا صاغت طالبان برنامج للحكم تستفتي عليه الشعب الافغاني فسيكون ذلك ضربة معلم تساهم بتفعيل مظاهر الافلاس والفساد الشائعة في عظام حكومة حامد كرزاي وغريمه عبد الله عبد الله، والاهم من ذلك مباغتة الجميع بالاتفاق على مبادرة متزامنة مع اخرىلتنظيم القاعدة تحقن الدماء، وتلتزم بموجبه القاعدة بهدنة طويلة، ما دام الامريكان يلتزمون بعدم ملاحقة عناصرها، اما عناصر القاعدة في افغانستان فهم ضيوف يلتزمون بما تلتزم به حكومة طالبان امام الامم المتحدة!

ان هذا الطرح النابع من مواقع القوة والانتصار والذي يوفر مخرجا عقلانيا للاخر ويساهم بحقن الدماء هو سهم سياسي قاتل لكل اسباب وتداعيات الاحتلال الامريكي لافغانستان وترتيبات عمليته السياسية الفاشلة فيها!