مناهضة التطبيع في الاراضي المحتلة: لماذا تجب مقاطعة سلع المركز ودحض سلعه الثقافية

عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2081 )

ملاحظة: لن أتطرق هنا للثقافة والفكر، ولكن ما يهمني التأكيد على وجوب قراءة كل ما ينتجه عقل العدو كعقل معادٍ للإنسانية بالضرورة بما هو نتاج وموظف لدى المرحلة، وبما هو قادر على فرض الهيمنة ووضع سياسات تذهب بالعالم إلى الدمار وتؤكد لنا أنه نعم : “إما الاشتراكية أو البربرية” إنها حتى اليوم- البربرية!

ليس المقصود بهذه الحلقة مراجعة تاريخ المركز الراسمالي العالمي تجاه الوطن العربي والقضية الفلسطينية بما أن فلسطين جزء منه. وليس المقصود إعادة من هربوا من البعد القومي إلى هذا المشروع المغدور. وإنما المقصود قراءة دقيقة لحقائق التاريخ، مما يعني نقداً حارقاً لمحرِّفي حقائق التاريخ. وما يقوم به هؤلاء ليس بسيطاً بل هو عامل تدمير يتجلى اليوم بأقبح وأفظع صوره، وإحداها ما يجري على الحدود بين نظامي السعودية واليمن والحوثيين.

لم يكن للمستوطنين اليهود أن يصلوا ولا أن يستقروا ولا أن يحتلوا فلسطين لولا وجود ودور المركز الرأسمالي الغربي بالطبع. فالعدو الأساسي والمبادر والذي يواصل هجومه على الأمة العربية هو هذا المركز. هذا عدو يجب أن لا يُنسى، ويجب رفض التطبيع معه. ولو كان لمناهضة التطبيع والمقاطعة ومعرفة العدو ومناصبته العداء (كما تفعل الإمبريالية والصهيونية عادة) أن تُجرى بأثر رجعي لعدنا إلى مارتن لوثر الذي دعى لإقامة دولة يهودية في فلسطين. ألم يقل الجنرال اللنبي: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”!

بهذا المعنى، فإن الصهيونية والكيان الصهيوني هي وليد سفاح لهذا العدو. وهذا يفتح على الخرافات والمزاعم الصهيونية وحكاية يهود الزمن الغابر، والقبيلة/القبائل العبرية، كل هذه ليست سوى خرافات وأساطير لا صحة لها من جهة، ولا استمرار تاريخي لها من جهة ثانية. وهي حتى لو كان لها نصيباً من الصحة، لا تقوى على خلق كيان في فلسطين ولا اي مكان في العالم لولا النظام العالمي الذي بدأ مع المركنتيلية ومن ثم الراسمالية فالإمبريالية.

هذا مدخلنا لقراءة التطبيع مع الأنظمة الحاكمة/المالكة/المتمأسسة تماما في الغرب الراسمالي. والتحريض من أجل مناهضة التطبيع مع هذه الأنظمة ليس مقصود به الفلسطينيين في الضفة والقطاع المحتلين، بل مقصود به الأمة العربية باسرها على الأقل.

ولغرض التمييز والمحاذرة، ليس المقصود ممارسة العداء ضد الطبقات الشعبية في هذا الغرب التي هي ضحايا الإعلام البرجوازي الغربي والصهيوني والكثير من الإعلام العربي الرسمي[1]. ألم تقتتل الأمم الأوروبية لعدة قرون وحتى عام 1945 اقتتالاً ذهب بعشرات الملايين من فقراء هذه الأمم كضحايا كي يترسخ نظام رأس المال!

على الرغم من هشاشة المقاطعة الرسمية العربية للشركات المتاجرة مع هذا الكيان منذ عام 1948، إلا أن الغرب كان ولا يزال يعتبر هذه المقاطعة مثابة حرب على الكيان. وفي إحدى تقديرات الكيان بلغت خسائره من هذه المقاطعة حتى عام 2000 أربعين مليار دولار، هذا ناهيك عن اثرها السياسي والزمني التاريخي. لذلك تتابع الدوائر الإمبريالية نشاط المقاطعة بهدف اجتثاثه.

والمقاطعة هي مناهضة للتطبيع، وبالتالي، فإن قيام أنظمة عربية بالاعتراف بالكيان وإيقاف مقاطعته ومقاطعة الشركات الغربية وغير الغربية المتعاملة معه، هي في الحقيقة، مثابة اصطفاف إلى جانب هذا النظام وأنظمة الغرب ضد المقاومة العربية أين وجدت وخاصة في فلسطين.

المناهضة الشعبية للتطبيع

لم يعد خافياً أن كثرة متكاثرة من الأنظمة العربية ذهبت وتذهب للاعتراف بالكيان الصهيوني. وهذا الاعتراف يعني بوضوح اعتبار فلسطين وطنا لليهود! وعليه، في الوقت الذي تتهالك وتتهافت الطبقات الحاكمة في الوطن العربي على الاعتراف بالكيان، تتنامى ويجب أن تتنامى مناهضة التطبيع على الصعيد الشعبي العربي.

إن انخراط الطبقات الحاكمة في الوطن العربي في التطبيع مع الكيان ومع الغرب الراسمالي هو أحد آليات وصول العلاقة بين الرسمي والشعبي عربياً إلى حالة القطيعة والتناقض التناحري، وعليه، يصبح واجب كل مواطن عربي أن يختار اين يقف؟ مع حق الشعب أم ضد هذا الحق.

كيف يمكننا قراة قيام أنظمة النفط العربية بتقديم محتويات صناديقها السيادية لدعم الاقتصاد الأميركي في أزمته الحالية، بدل ان :

· تلتقط لحظة تراخي قبضة المركز الإمبريالي وتمارس التنمية. هي بالطبع ليست في “تناقض” مع الإمبريالية حتى تلتقط لحظة تراخي قبضة الأخيرة.

· استغلال اللحظة لتقليل الدعم الأميركي للكيان الصهيوني.

· أن تقدم مساعدات للدول العربية التي تعاني آفات موت مواطنيها جوعاً.

· أن تتجرّأ على تمويل الحاجات الأساسية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، كي لا تبتزه الولايات المتحدة والغرب بلقمة العيش ليقدم تنازلات سياسية جوهرها إنهاء قضيته.

· أو حتى إقامة علاقات تجارية مع الدول التي لا تدعم الكيان الصهيوني.

وعلى أية حال، لا تقتصر مصالح المركز في الوطن العربي على النفط، والنفط هو في الحقيقة مدخل التطبيع من قِبَل الأنظمة مع المركز الرأسمالي. فهناك السوق العربي الذي يُمارَس فيه التطبيع الشعبي العربي مع العدو الإمبريالي وهو السوق الذي سوف يقتل المركز خلقاً كثيرا منا قبل أن يخسره.

هنا أهمية فك التبعية التي يعاني منها الشعبي تجاه الرسمي. فاستهلاك اي مواطن عربي لمنتجات الغرب الرأسمالي إنما هو دعم لهذا العدو سواء في تقوية الكيان الصهيوني او استنزاف الثروات العربية لتثبيت احتلاله للأقطار العربية كالعراق والصومال والسودان…الخ.

من جهة أخرى، فمقاطعة منتجات المراكز الإمبريالية هي في التحليل الأخير مشروع تنموي. فممارسة المقاطعة تعني بالضرورة محاولة الانتاج والاعتماد على الذات. قد يقول البعض: كلا، فالتوقف عن الاستيراد من الولايات المتحدة يعني التحول للاستيراد مثلا من الصين!

لكن هذا ليس شرطاً، لماذا تتم الأمور بهذا الاستتباع بالضرورة؟ إن مجرد اتخاذ القرار بمناهضة التطبيع وبالمقاطعة هو مثابة ارتفاع في سقف العمل السياسي والاقتصادي، ارتفاع في مستوى التفكير الحر، وبالتالي يمكن أن يقود إلى قرار تنموي. وحتى في أسوأ الأحوال، فإن مقاطعة منتجات العدو هي حرب دفاعية ضده، وهي حرب مشروعة تماماً، ولا يقلل من قيمتها حتى لو تم الاستيراد من منافسيه، طالما ليسوا أعداء لنا.

لم يفت الوقت قط. لم يفت الوقت على تشكيل حركات اجتماعية شعبية قاعدية لمقاطعة منتجات المركز لأن في هذا ضرباً مادياً لمصالحه وأطماعه. لا بد من الوصول إلى كل ربة بيت في الوطن العربي لتعرف أن واجبها الضميري وهو شرفها الحقيقي لأنه الشرف العام هو مقاطعة منتجات العدو، وعندها سوف تكسد هذه البضائع في الأسواق العربية ويضطر التجار لعدم استيرادها، حتى لو حصلوا إثر ذلك على خصميات عالية. ولن تتمكن أنظمة الكمبرادور من إرغام كل سيدة بمفردها على شراء بصائع السادة.

وعندها ستجد الطبقات الشعبية طريقها إلى نموذج التنمية بالحماية الشعبية الذي ولدته الانتفاضة الأولى ولادة طبيعية من رحم فلسطين ومن بين أنامل سيدات الفلاحة وسيدات المدن ودون زنىَ راسمالي. وهو النموذج الذي يمكن أن يتطور على صعيد قاعدي شعبي دون تذبذبات مثقفين مرتزقة واستماتة تجار الكمبرادور[2]..

التطبيع بغير الاقتصاد

لكن التطبيع مع المركز الإمبريالي لا يقتصر على الاقتصاد على أهمية الاقتصاد. فهو يذهب إلى المستويات الثقافية والسياسية أيضاً. لعل القطع المتقدمة لهذا اللون الخطر من التطبيع هي الإرساليات الدبلوماسية والثقافية الأجنبية الرسمية وغير الحكومية في الوطن العربي وفي الأرض المحتلة.

وهذا يطرح السؤال المباشر: مَنْ منا لا يستطيع مقاطعة هذه المؤسسات التي تؤسس للتغربن والتخارج ثقافيا ومن ثم سياسياً لصالح المركز الإمبريالي ولصالح الاعتراف بالكيان الصهيوني؟ لماذا يصر البعض على التعاطي مع هذه المؤسسة والترويج لها وإدخالها في بنية المجتمع؟ هل هناك غير المال والمصالح الفردية التي تربط ممارسي ومروجي التطبيع مع هذه المؤسسات؟

هذا يعني وجوب وضع هذه المؤسسات في موضعها الصحيح، وهو أن هذه مثابة غزو فكري وثقافي وعقيدي. هي نماذج استشراق أكثر وضوحاً من الاستشراق المؤسِسْ الذي أُختُلف في تفسيره ورده إلى اساسه السلطوي الاقتصادي الطبقي.

وتكمن خطورة هذه المؤسسات في أنها بقدر ما تخدم أنظمة الحكم في بلدانها الأم، فإنها تخدم كذلك الكيان الصهيوني بما هي قاطرات للتطبيع. لذا، كثيراً ما تشترط هذه المؤسسات على المتعاملين معها في الأرض المحتلة أن يعملوا مع مؤسسات أنجزة صهيونية مناظرة لهم!

قد يتخبل البعض أن كل هذا التركيز مقصود به تقويض الكيان الصهيوني فقط. وهذا ليس دقيقاً، فالكيان الصهيوني لن يُزال دون هزيمة المشروع الرأسمالي المعولم في الوطن العربي. وكما بدأنا هذه المقالات وغيرها، أنا نفسي وكثيرين غيري من نفس التوجه سواء في مشروع كنعان، أو أية بؤرة أخرى، فإن الحرب طويلة المدى هي مع المركز الراسمالي المعولم أولاً وأخيراً. وليس المطلوب من المواطن العادي سواء كان اشتراكيا أو إسلاميا أو قومياً، سوى أن يقرأ بعض صفحات التاريخ ويفكر قليلا في مواقف هذا المركز تجاه الكيان ليرى:

* تعصب المركز لذاته في معتقد فوقي (المركزانية بتوليداتها الإنجلو ساكسونية، والفرانكفونية، والمحافظية الجديدة، وربما نجد تفرعات من شرق اوربا روسية وسلافية…الخ).

* النظرة الدونية للعرب من الحاكم حتى العامل.

* الاعتقاد بالتفوق ال “دماغي” على العرب والأمم غير البيضاء.

* اعتبار الكيان الصهيوني تحقيقاً لتخاريف التوراة، والأهم قاعدة واستثماراً استراتيجياً لإبقاء الجغرافيا العربية بما تحوي مزرعة وسوقا وبئر نفط لهذه الأمم.

* ولو كان للعرب المصابين بالتبعية للغرب والصهيونية/الصهاينة العرب (مثقفون وساسة) أن يقولوا الصدق لحظة، لكانوا أكبر شاهد على صحة قولي هذا.

من جانب آخر، هذه المرة، في الوقت الذي تتسع رقعة تحرك الرسمي في الغرب لمقاطعة الكيان، يتهالك الصهاينة العرب والفلسطينيين ليفدوا هذا الكيان؟ هل هناك أعجب من هذا!

تجدر الإشارة، أن أية محاولة مقاطعة في الغرب ضد الكيان، هي في جوهرها مقاطعة للنظام الراسمالي الراسخ في الغرب. فالتشارك الاقتصادي والتواصل المالي بين راس المال في المركز والصهيونية يمثل زواجاً كاثوليكياً. وإلا، كيف نقرأ ونثرثر عن الشركات متعدية الجنسية، وعولمة الاقتصاد…الخ. وبهذا فإن أي نشاط لمقاطعة الكيان، هو في التحليل الأخير ضد الراسمالية والصهيونية.


[1] حين يقرأ المواطن الفرنسي مثلا عن تطبيع النظام المصري مع الصهيونية، وإجراء مناورات عسكرية مع الجيش الأميركي، لا بد أن يشعر بأن الكيان الصهيوني كياناً طبيعياً، وبأن الولايات المتحدة صديقة للعرب. أليس هذا تطبيعاً؟

[2] يمكن الرجوع الموجز ل “التنمية بالحماية الشعبية” إلى مقالتي في مجلة “كنعان”، العدد 129، نيسان 2007 ص ص 3-36،