الدرس الفيتنامي: محاولة لانعاش الذاكرة العربية المرهقة

كلاديس مطر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2082 )

في عام 1967 وقف (مارتن لوثر كينغ ) في كنيسة ريفرسايد في مدينة نيويورك، يخطب أمام حشد كبير من رجال الدين و العامة عن حرب فيتنام. كان الأمريكيون قد أنهكوا من حرب وقعت على رؤوسهم كالصاعقة، فبلدهم العظيم كان يفتك بقرى الفقراء في سايغون، بينما كان نصره المقلوب على قفاه، يبدو كاملا على أيدي ثوار هذا البلد و مقاومته التي حاربت بكل ما لديها من إيمان وإحساس بالظلم. لقد اعترف كينغ ان صمته بعد اليوم أمام ما تقوم به إدارته، سيكون نوعا من الخيانة العظمى، وذلك على عكس ما قد يظن صغار الكتاب والشعراء العرب اليوم من ان ما يحدث في لبنان وفلسطين والعراق يدفع على الاعتقاد بان الكتابة أصبحت غير مجديه بين الدمار والدماء.

لقد اقر كينغ في خطابه ذاك ان هناك صعوبة بالتأكيد، بالنسبة للروح الإنسانية التي تريد ان تتحرك ضد بلادة الفكر الممتثل لأعراف معينة، هذا الفكر القابع في صميم كل واحد منا. وحين يكون المرء واقعا تحت ضباب الغموض والارتباك الذي يغلف عادة مثل حالات الصراع هذه، ويقصد بها الحرب، فان التصرف الفوري مطلوب بالرغم من غياب أي شعور باليقين قد يشعر به الإنسان، ذلك ان الخيانة لا تكون إلا بالصمت. لقد تحدث أيضا عن القادة الدينيين الذين تخلوا عن ميولهم التبشيرية وأصبحوا معارضين سياسيين للحرب القذرة، حرب فيتنام، التي كانت تبدل مسار قنوات ضخ المال الأمريكي، الذي كان مخصصا للبرامج القومية التي كانت معدة من اجل دعم الفقراء والتامين الصحي، وتديرها باتجاه التسلح المفرط، والعنف الذي لم يجلب لأميركا سوى العار والانهيار الأخلاقي.

ان الوعي الإنساني يقع هو الآخر تحت أشكال كثيرة من الانتداب. انه يصبح عقلا منوما مع الوقت لدرجة يشعر بعبث النضال والكتابة والتحرك! لكن التاريخ يعلمنا ان الكاتب الحقيقي الاستثنائي كان يكتب بدمه وليس من غرفة مكتبه المكيف، بينما الفضائيات تقدم له هلع الحرب بالألوان، مع فواصل لطيفة من الإعلانات التجارية وأغاني الحمية الوطنية!

لم يكن خطاب مارتن لوثر كينغ، كما يقول، موجها الى هانوي أو جبهة التحرير الوطنية، أو حتى روسيا أو الصين، كما لم يكن محاولة للقفز فوق غموض الموقف، أو هذه الرغبة في إيجاد حل شامل لمشكلة فيتنام، أو لتبيان فيتنام الشمالية، أو جبهة التحرير، كجواهر الفضيلة المشعة، ولا لهذا الدور الذي كان من الممكن ان يلعبوه من اجل ايجاد مخرج أو قرار ناجح لوقف هذا الصراع. لقد كان خطابه موجها للأمريكيين الذين تقع على كواهلهم مسؤولية وقف الصراع الذي كلف البلدين ثمنا لا يمكن مقاربته. فكل دولار كان يصرف على التسلح كان يشفط من برنامج إعالة الفقراء. والانكى من هذا، كان الأمريكيون يرسلون أبناءهم من السود والبيض المنبوذين في المجتمع الى ارض غريبة تبعد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر عن بلادهم من اجل نشر الحرية و الديمقراطية في جنوب شرق آسيا، بينما هذه الحرية وتلك الديمقراطية لم تكونا متوفرتين في جنوب غرب ولاية جورجيا الأمريكية حيث يعيش السود، ولا كذلك في شرق منطقة هارلم المعروفة. تماما كما ترسل اليوم أمريكا جيوشها من المرتزقة – البعض منهم لم يحصلوا بعد على الجنسية ولا يتحدثون اللغة بطلاقة أهل البلد – الى العراق من اجل نفس الأهداف الخائبة حيث يواجهون خطر الموت أو الانتحار لاحقا.

لقد راع مارتن لوثر كينغ ان يرى مشهد شباب أمريكا من السود والبيض وهم يقتلون من اجل هدف واحد مشترك في فيتنام، بينما لم يكن يسمح لهم في بعض الولايات ان يجلسوا معا على نفس مقاعد الدراسة، أو يقطنوا في نفس المبنى في مدينة ديترويت الأمريكية. لقد كان الجنود يبرعون في تدخين حشيش الماريجوانا وهم يحرقون أغطية أكواخ الفقراء في قرى فيتنام. تماما كما يفعلون اليوم من خلال قفازات إسرائيلية في لبنان والعراق وفلسطين، متحركين بنفس الذرائع، مستخدمين نفس الوسائل، وتحركهم ذات الإيديولوجية المدمرة.

لقد حاول كينغ ان يقنع الأقلية التي تقطن في الشمال الأمريكي، كما يقول، بان قنابل المولوتوف والقذائف لن تحل لهم مشاكلهم، وأن اللاعنف هو اقصر الطرق وأنظفها وأشرفها باتجاه أي حل. لكنهم حين سألوه عن فيتنام اسقط من يده. لقد واجهوه بازدواجية المعايير الأمريكية التي تروج للمبادىء الأخلاقية هنا وهناك و تتبرع بالوعظ، عن فحوى الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تستعمل كميات مهولة من الأسلحة من اجل حل مشاكلها، معتقدة انها سوف تخلق هذا التغيير الذي ترغب فيه!

اذا، ليس هدف المثقف ولا حتى رجل الشارع التوجه الى الأمة أو العامة اليوم، وإنما الى مروجي العنف وأنبياء العهد الجديد ممن يريدون نشر الديمقراطية الكاذبة، بمقدمة الحربة المسننة، وخلق خارطة جديدة للمنطقة!

إنهم يتوجهون اليوم الى المثقف، ولرجل الشارع لكي يسألوه عن الحل برأيه، بينما يستمتع أصحاب القرار بحمامات الشمس في منتجعاتهم محاطين بحراسهم المدججين وآلاف من خطوط الاتصال لمعرفة أخبار المعارك!

لن نستغرب اليوم لماذا اكثر من ثمانين بالمائة من الشعوب العربية مؤيد للمقاومة كفكرة وممارسة…! ربما لم تكن النسبة بهذا الارتفاع مثلا في لبنان قبل العدوان الاخير عليها، ولكنها ارتفعت حتما بعدما اكتملت الصورة امام المواطن القانع المسكين. فحين وصلت رايس الى بيروت أبان تلك الحرب على متن طوافة من طوافات المارينز، محاطة بحراسة كبيرة وصل في نفس الوقت بطرك الأغلبية المسيحية مار نصر الله بطرس صفير الى مبنى السفارة الأمريكية بطوافة حربية، وهو يعتمر قبعة المارينز المعروفة، قادما من خارج البلاد. لقد استقبلت رايس استقبالا يليق بحبيبة بعد طول غياب، بينما القصف لم يتوقف بأمر من ادارتها على المواقع المدنية اللبنانية، كذلك لم تسمح هذه الإدارة للأمم المتحدة بإقرار وقف فوري لاطلاق النار، ولا لمؤتمر روما مؤخرا بالتلويح بذلك.. بينما كنا نقرأ دائما أبان تلك الفترة الصعبة وعلى إحدى الأشرطة الإخبارية العربية ان بوش يؤكد ان المجتمع الدولي يتحرك لوقف العدوان…!!!!!!!!!!

لو كان مارتن لوثر كينغ حيا الآن لكان بصق في وجه إدارته المنافقة، أما لو كان عربيا لكان بصق في وجوهنا نحن، الذين نستقبل زعمائه على ارضنا. ترى بماذا يتحدثون هؤلاء و هم يضمون ساقا على ساق ويتطلعون بعيون الصقر حولهم بينما اختاروا ربطات عنق وبذات تليق بالمناسبة…!

الحق، يبدو ان وثيقة حقوق الإنسان لم تكتب من اجل كل البشر، تماما كما ان التوراة لم تكتب إلا لشعب الله المختار!. اما نحن فانهم يستكثرون علينا حتى عقائدنا وشعائرنا واحلامنا الصغيرة.

لقد كان لوثر كينغ بعيد النظر جدا.. ففي عام 1957 اختار شعارا لمجموعته اكثر رومانسية من ان يفهم في ذلك الوقت: (من اجل انقاذ روح أمريكا).. لقد قال انه كان مقتنعا بانه لا يجب ان يحد من رؤيته ويسجنها في المطالبة بحقوق الشعب الأمريكي الأسود فقط، وإنما وجد ان بلده لن تكون حرة أبدا إلا اذا تحرر عبيدها الأوائل من الأصفاد التي ما زالوا يلبسونها.

لقد كشفت الحروب العربية الاخيرة المستور تماما… فأميركا ما زالت في أصفادها القديمة.. انها ليست حرة بالمطلق، وهذه الحكومات الاميركية لم تنتخبها الأغلبية كما تدعي – يقول توماس جيفرسون، ثالث رئيس أمريكي ومؤسس الحزب الديمقراطي – وإنما انتخبتها الأغلبية التي ساهمت فيها.

ان أمريكا في حالة تسمم الآن، وجزء من حالة التسمم هذه يعود الى عدوانها المريع على أمم أخرى أو المساهمة في العدوان على أمم اخرى، وها هي الآن تنقل عدواها الى الجميع فتلهب الأرض وتقلق الشعوب التي باتت تقيم في الشوارع منددة أكثر من منازلها.

جميعنا نذكر كيف بدا الإرهاق والإنهاك على محيا اليهود، بعد ان هزت أركانهم صواريخ حزب الله الذي اصبح ذا شعبية فاقت حدود الدول العربية والإسلامية، بينما يزداد وزن (سلة الحلول) الغربية بانتظار الموافقة قبل وقف العدوان. اما اميركا، المتراكضة بهذه السلة من مكان الى آخر فانها تعيد تماما التجربة الفيتنامية بادق تفاصيلها.

الحق، لقد انعش لوثر كينغ ذاكرة مستمعيه المضطربة في خطابه الأثير ذاك. فلقد ذكرهم ان الفيتناميين اعلنوا استقلالهم عام 1945 من الاحتلال الفرنسي والياباني المشترك وذلك قبل الثورة الشيوعية في الصين. وبالرغم من ان هوشي منه هو من قاد ثورة تحريرهم إلا انهم في بيان حريتهم استشهدوا بوثيقة الاستقلال الأمريكية تحديدا. بدلا من ان تأخذ اميركا هذا الأمر في اعتبارها، عمدت الى دعم فرنسا في إعادة وضع يدها على مستعمرتها السابقة. لقد عللت ذلك بان الشعب الفيتنامي ليس (جاهزا، تماما كما هو العراقي غير جاهز او الفلسطيني) بعد للاستقلال. وهكذا سممت المناخ الدولي برمته من جديد بوجهة نظرها. وبسبب من هذا القرار، يقول كينغ، رفضت اميركا التعامل مع الحكومة الثورية المنتخبة التي كانت تريد للأمة ان تقرر مصيرها بنفسها. بعد تسعة سنوات على استقلال فيتنام كانت لا تزال اميركا ترفض على الفيتناميين حقهم بالاستقلال، وعمدت بكل طاقتها الى دعم الفرنسيين -كما تفعل اليوم في دعمها مع إسرائيل – الى إعادة احتلال فيتنام من خلال جهود مجهضة بسبب المقاومة. وبالرغم من انهاك الفرنسيين في حربهم مع المقاومة الفيتنامية و تكبدهم للكثير من الخسائر، إلا ان اميركا لم تهدأ و بقيت تمدهم بالدعم المالي و العسكري حتى بعد ان فقدوا الرغبة في ذلك. في النهاية كان على اميركا ان تدفع بالكامل ثمن إعادة استعمار فيتنام.

بعد تلويث المياه وقتل اكثر من مليون فيتنامي اغلبهم من الاطفال والنساء وتشريد الباقيين.. اخذ الجنود الاميركيون يتفرجون على شبان فيتنام يبيعون أخواتهم لهم، ويطلبون منهم التحرش بأمهاتهم من اجل لقمة العيش.

ربما أتت صواريخ حزب الله تحديدا من أولئك الذين تعلموا الدرس الفيتنامي جيدا وبدقة. فهؤلاء لا يريدون رجوعا الى الوراء ولا يحتملون رؤية طفل يتلوى بعد في حضن امه، ولن يقبلوا ان تجرب اميركا اسلحتها الجديدة المحرمة في كل معركة تستفتح بها شهيتها على “الروح العربية”، مع انها تفعل ذلك بشق النفس الآن.

لقد كان كينغ قلقا على سمعة اميركا وهي تروج للعنف في فيتنام و تدفع شعبها لكي يخلق جبهته التحريرية الخاصة من اجل الخلاص.انه خائف من ازدواجية معايير ادارته التي كانت تشجع على انتخابات وطنية في فيتنام (كما تشجع على هذه الانتخابات اليوم في العراق وترفضها في فلسطين)، بينما لم تسمح في الوقت نفسه ان يحتل التنظيم الشيوعي العالي المقدرة مكانه في الحكومة الجديدة، تماما كما تفعل اليوم وهي تحارب الأحزاب العربية ذات الأكثرية الساحقة شعبيا من اجل منع مشاركتها في الحكومات الجديدة فقط لانها لا تتماشى مع رؤيتها ومطامحها السياسية في المنطقة!

لقد علمنا التاريخ ان أميركا تكره أحزاب الأكثرية الفعلية لأنها تمثل الشعب الذي كان دائما العدو الخفي لأية حكومة أمريكية بالرغم من تبنيها العلني، كما تدعي، لرغباته وحرياته.
لقد كان مؤثرا جدا ان يقف كينغ الأمريكي في زاوية رؤية (العدو الفيتنامي) تماما، محاولا أن يتفهم دوافعه ويطرح الأسئلة التي تتحرك في بواطن عقله، وان يعتبر ذلك من عمق إيمانه المسيحي الذي يطالبه حتى بمحبة عدوه. لقد كان مؤثرا ان يتعرف على نفسه كأمريكي، مرة جديدة، انطلاقا من عيون فلاحي فيتنام المشردين بعيدا عن أطيانهم والأكواخ، وان يرى الصراع الفظ أيضا بعيون الجندي الأمريكي الذي ترك أرضه وذهب يحارب من اجل أهداف اكتشف لاحقا بأنها كاذبة جملة وتفصيلا، كما حدث تماما خلال غزو العراق، وكما يحدث في فلسطين التي ترفض أميركا الاعتراف بحكومة الأغلبية فيها.

ان الشعب الاميركي اليوم يدفع من ضرائبه ثمن الصواريخ الإسرائيلية التي تدمر بنية لبنان وفلسطين التحتيه، كما انه يدفع من نفس الضرائب، بالمقابل، ثمنا مضاعفا من اجل انهيار أحلامه بأميركا عادلة وأخلاقية! انه في الحقيقة يمول ما يسميه الإرهاب في العالم من جيبه الخاص!

لقد انتبه احد القادة البوذيين الفيتناميين الى اية تهلكة تذهب اميركا اليها بخطوات الواثق حين قال انها تحول حتى أصدقاءها وحلفاءها الى أعداء لها، والانكى من هذا وذاك انها كانت تريد، ضمنا، ان تحتل هذا البلد الصغير لجر الصين الى الحرب من اجل تدمير برنامجها وترسانتها النووية! اليس هذا التنظير قريبا مما يحدث الآن في توليفة التعاطي مع لبنان، ومن هذا الخوف من جر رجل ايران وسوريا الى هذا المستنقع الدامي المخيف!!

ماذا تغير في طريقة التفكير الأمريكية!! لا شيىء! ان أقدامها مدججة بنفس الأصفاد الاعتبارية القاتلة و بنفس الرغبة في الهيمنة التي لا حد لها. من اين لكينغ اذا ان يحررها من أصفادها وان يعيد لها الاعتبار الأخلاقي المسفوك في بلاليع الشرق الأوسط الملتهب!

مع ذلك، وجد الحل في خلاص اميركا من هذا الجنون الذي ترتكبه عبر بضعة نقاط، لخصها بكل حمية في نفس خطابه الناري للامة من كنيسة ريفرسايد في نيويورك، هذا الحل الذي نطالب به اليوم، والآن بالذات من اجل الخروج من نفق الحروب والمناورات التفاوضية التي لا آخر لها.

لقد اصر على وقف كامل للقصف المدفعي على كل من فيتنام الشمالية والجنوبية، وباعلان احادي الجانب لوقف اطلاق النار على امل ان يخلق هذا مناخا من اجل التمهيد للمفاوضات. كذلك، اتخاد الخطوات الفورية من اجل منع ساحات المعارك الاخرى في جنوب شرق آسيا عن طريق تقليص التعزيزات العسكرية الأمريكية في تايلاند والتدخل في لاوس. وان تقبل الادارة الأمريكية بكل واقعية، ان جبهة التحرير الوطنية الفيتنامية لديها شعبية و دعم كبيرين في جنوب فيتنام و لهذا يجب عليها ان تلعب دورا في اية مفاوضات ذات معنى مع حكومة فيتنام المستقبلية. واخيرا ان تحدد أمريكا تاريخا من اجل عادة انتشار كل الجيوش الأجنبية من فيتنام و ذلك بالتوافق مع معاهدة جنيف الموقعة عام 1954. لم يكتفي كينغ في هذه الخطوات وإنما طالب بتعويض لكل فيتنامي طاله التشرد والتهجير والدمار.

إن ” شن الحرب ” مرض تعاني منه روح أمريكا. لقد كان يخاف كينغ ان يطال هذا المرض في ذاك الوقت غواتيمالا والبيرو وتايلاند وكمبوديا وموزامبيق وجنوب افريقيا. وكان خائفا على شعوب العالم وبلدانهم من هذا التوق المريع للحرب! وكان يشدد على ضرورة القضاء على عوارض المرض قبل ان يستفحل وتاتي الاجيال القادمة فلا تجد من اميركا سوى جثة محتضرة متفحمة اخلاقيا.

من السخرية ان نجد ان الأمر اليوم هو هكذا، بحذافيره. فامريكا طورت نوعا من النمط السلوكي السياسي القمعي لها و للاخرين وادخلت الكوكب في نفق الاحتضار الطويل المنهك. ان طموحها البطريركي الاستثماري وراء المحيطات جعل من الثورة السلمية امرا مستحيلا واحل بدلا منها ثورة العنف والارهاب، وذلك كما ذكر مرة جون كيندي. ان الرأسماليين الغربيين الذين يستثمرون مبالغ طائلة من الاموال في آسيا وافريقيا وجنوب أمريكا والبلاد العربية هم احد أشكال الغزو ومقدمة لازمة له. انها ليست استثمارات تقدم المقابل المكافىء للبلاد التي تستثمر فيها ذلك انها تستعبدها بطرق ابشع حين تدوس على كرامة ثقافاتها والامل في أي تحسين مجتمعي مفترض.

لقد كانت اميركا تخاف من الشيوعية فيما مضى لكنها لم تعرف كيف تحاربها و تقضي عليها من دون اثمان باهظة دفعتها هي اولا. واليوم هي تحارب بنفس الطريقة الباهظة الارهاب القابع في أمواج الاصولية كما تعتقد. فاذا كان التاريخ القريب لم يسعفها باي درس اخلاقي حول طرقها والوسائل، اذا اية امة ذكية هي! وأي حتف تتطلع الى ملاقاته ؟

ليست فرق المقاومة العربية مجرد مليشيا من المقاتلين ايا كانت هذه الفرق. انها تقف اليوم تماما في الجهة الاخرى المقابلة للصلف الغربي وانهيار القيم. لقد تجاوزنا الصراع من اجل الارض و استرداد الاسرى و…و.. كل هذه التوليفة من الاهداف المباشرة، ذلك ان الحرب هي الآن ضد وجهة نظر غربية تريد ان تنهي العالم بكبسة زر. انها حرب بين حضارة مفعمة بالروح واخرى مفرغة منها تماما. انها حرب الرموز و المضامين و المواقف..حرب من يريد ان يعيد ما لقيصر لقيصر وما لله لله وبين من يريد كل ما لقيصر وما لله الآن والى الابد.

ربما تبدو المماطلة في وقف هذا الجنون كلص يسرق الزمن. المماطلة تسرق المستقبل بكل تؤدة على وهم ايجاد حل شامل. أي ادعاء هذا! أي حل شامل سوف تتفتق عنه ذاكرة المماطلة وارجاء القتل المنهجي العابث في غياب أي مرجعية اخلاقية مهما كانت!!!

سيغدو الزمن اطرشا قريبا جدا.. عندها لن ينفع البكاء ولا صرير الاسنان في الباحة العربية البرانية.

فكرت كثيرا فيما مضى انه لو ترك للمرأة قيادة هذا العالم الذي شج راسه من كثرة الحروب والجنون الفالت من عقالة، لكان مصيره افضل!! كنت اظن ان لحنان المراة وعدم ميلها للحلول العسكرية ورقة قلبها الفطرية تجاه الاطفال ان يعين على خلق مناخ بديل مؤسس على الحوار والبناء والإصلاح وتفهم بواعث الآخرين واحلامهم. اليوم، حينما أرى وزيرات خارجية العالم الغربي يتناوبن وراء ميكروفونات التلفزة العالمية في ازياء الجنس الموحد الرسمية ويصرحن باقسى القرارات ضاربين عرض الحائط باي اعتبار اخلاقي مهما كان… أقول في نفسي على الدنيا السلام.

يبدو ان الصراعات المسلحة والقساوة التي اخذنا نحل بها مشاكلنا قد اثرت على امرأة هذا العصر! فاحتضرت الانوثة الوجدانية للمرأة، مع بقية المبادىء الاخرى التي أصبحت مستحاثات في متحف هذا الزمن! لكني لا يجب ان اعمم حقا هذا الواقع فاشمل كل نساء العالم به، وذلك لأن متابعة يومية لنسائنا العربيات المحجبات والسافرات وهن يخرجن في التظاهرات المنددة بالعدوان تجعلنا حتما نعيد الثقة بهذا الوجدان الانثوي المناضل.

هذه فيتنام عربية جديدة.. لو تدري أمريكا!

وكما ان القنبلة الذرية الملقاة على هيروشيما لم تجد نفعا، بل جرت خرابا للجهتين، كذلك امتلاك اسرائيل لمليون قنبلة ذرية لن يجديها نفعا، لان الانتصار في حربها الشاملة مستحيل ان يكون واقعا باي شكل من الأشكال في غياب المفهوم الكلاسيكي اليوم للحرب المؤسس على توزان القوى. القنبلة الذرية العربية الاقوى هي بالضبط احلامنا القومية الوحدوية التي لا تنهار امام لعبة فوتبول مثلا!!

:::::

كاتبة وباحثة من سوريا

الموقع الالكتروني للكاتبة:

www.gladysmatar.net