المركزية الغربية وابنتها الصهيونية

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2082 )

ينقل الكاتب سراج عاصي عن الكاتبة اليهودية الشرقية المعادية للصهيونية أيَلا شوحَط ملاحظتها عن تحول اليهود من ضحايا للنظريات المركزية الأوربية العنصرية ذات النزعة الاستشراقية إلى منتجين مصدرين لها منذ النصف الثاني للقرن العشرين (القدس العربي 23 -10 -2009 ).

هنا أتحفظ على اعتبار اليهود ضحايا للمركزية الغربية بالمطلق وذلك لأن البعد التوراتي ظل مكوناً أساسياً في الثقافة والفكر الغربيين، وبالتالي كان لليهود مكانتهم في المركزية الغربية ما عدا في الفكر النازي وفي المرحلة النازية. ومن خلال ما اطلعت عليه من كتابات أيَلا شوحط فإني أعتقد أنها تخصص اليهود الشرقيين كضحايا للمركزية الغربية إذ عاملهم اليهود الغربيون الصهاينة بعد هجرتهم إلى الكيان الصهيوني كيهود من الدرجة الثانية فوصموهم وثقافتهم العربية بالتخلف وعدم التحضر، ثم أخضعوهم لإعادة تأهيل لتخليصهم من لغتهم العربية وحضارتهم الشرقية العربية الاسلامية في عملية سلخ حضاري رهيبة.

بالطبع ليس من المستغرب أن يتبنى الصهاينة نظريات الاستشراق المركزية الغربية عن العرب وعن الحضارة العربية الإسلامية، فالكيان الصهيوني قام على فكرة زائفة تنكر وجود شعب عربي فلسطيني “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهي نفس الفكرة الاستشراقية المركزية الغربية التي تنكر وجود أمة عربية، وتنظر لأمتنا على أنها مجرد قبائل واثنيات وطوائف متصارعة متخلفة تحتاج على الدوام إلى قوة غربية خيرة لتحضيرها وضبط صراعاتها.

إن إنكار وجود العرب بالنسبة للمركزية الغربية، وإنكار الفلسطينيين من قبل المركزية الصهيونية الاستشراقية هو حجر الأساس في النظريتين، وإذا اضطروا تحت ضغط الوقائع للإعتراف بوجود العرب أو الفلسطينيين، فهم قوم متخلفون لا تاريخ لهم، أو هم بدو متوحشون دمروا الحضارات التي كانت قائمة في بلاد الشام والعراق وفارس قبل مجيئهم. وبالتالي يمكن فهم سياق تصريحات المحاضر الأكاديمي دان شفتان الحديثة: “إنّ العرب هم الفشل الأكبر في تاريخ الجنس البشري” التي أدلى بها في دورة خاصة تعليمية لكبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

وتتابع الصهيونية سيرها وفق خطوط المركزية الغربية، فهي تفترض وجود عصر ذهبي عبراني، تم تدميره على يد مجموعة بشرية ينتهي نسبها بشكل أو بآخر إلى العرب، تماماً كما تفترض المركزية الغربية وجود عصر ذهبي بيزنطي- روماني وريث للثقافة اليونانية المتحضرة تم تدميره على يد العرب، فدخلت البشرية في ظلام دامس قبل أن تستيقظ في الغرب المعاصر فيُعاد إحياء العصر الذهبي في بلاد الشام ومصر والعراق عن طريق المستعمرين الغربيين، وبعد طرد أو هزيمة الغزاة العرب البدو غير المتحضرين، أما في فلسطين فيتولى هذه المهمة الصهاينة الذين أعادوا بدورهم إحياء العصر الذهبي العبراني السابق للعرب وبرعاية غربية.

إن التبني الغربي والصهيوني لهذه النظريات العنصرية مفهوم بحكم مصلحتهم الواقعية في تدمير العرب وكل ما يمت إليهم بنسب من أجل إدامة النهب والسيطرة الغربيين على المنطقة، لكن الأمر المستغرب هو تبني بعض الكتاب والمفكرين العرب نفس النظرة الغربية الصهيونية الاستشراقية لأمتهم، فيرددون ببغائية نفس عبارات الاستشراق الغربي والصهيوني عن البداوة العربية وعن همجية الإسلام ..الخ! هل نفسر ذلك بالجهل؟ بالغباء؟ بالمصالح الشخصية الانتهازية؟ ربما بكل ذلك.

لكن الحقيقة رغم أنف المستشرقين والصهاينة ومن لف لفيفهم تبقى واضحة كما الشمس في كبد السماء، وهي أن العرب أقاموا حضارة أضاءت ليل البشرية التي كانت ترزخ تحت علاقات عبودية بيزنطية ساسانية، علاقات جمدت عجلة التطور الاقتصادي والإنساني والحضاري، فجاء العرب برسالة الاسلام ليقيموا حضارة إنسانية مزدهرة قامت على مبدأ المساواة بين البشر بغض النظر عن العرق واللون، وعلى علاقات العمل الحر سواء في المدن أم في الأرياف ليضخوا دماءً جديدة في شرايين البشرية جعلتها أكثر حيوية وإنسانية لعشرة قرون قبل أن يقوم الغربيون المعاصرون بانقلابهم العبودي الجديد منذ خمسة قرون، فينشأوا نظاماً عالمياً يقوم على العبودية والاستهلاك و الاحتكار لتدخل البشرية في مأزقها الحضاري الراهن، حيث بات مجرد الوجود البيولوجي للإنسان مهدداً بالزوال بسبب التغيرات المناخية والدمار الواسع لكوكب الأرض نتيجة عقيدة النظام الاستهلاكي الربوي العبودي الغربي. وها هي البشرية تنتظر رسالة جديدة وفكراً جديداً ينقذها من محنتها الراهنة، وإن العرب- رغم هوانهم الظاهر ـ أكثر المؤهلين لهذه المهمة.