الاستثمارات المالية في الانتخابات الديمقراطية

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2084 )

يوصف النظام الديمقراطي في كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة بالعراقة، وبأنّه يجسّد أرقى وأجمل العلاقات الإنسانية التي أبدعتها الحرية الليبرالية، وقد غدا هذا “النظام الحرّ” قبلة أنظار ومحطّ إعجاب وآمال معظم الأوساط المتنوّرة في جميع أنحاء العالم، خصوصاً بعد فشل التجربة السوفييتية وديمقراطيتها الشعبية المركزية، غير أنّ المعجبين يحبطون عندما يجدون أنفسهم غير قادرين على تكرار التجربة البريطانية/ الأميركية في بلادهم وبإمكانياتهم الذاتية، فيحمّلون مسؤولية خيبتهم لشعوبهم “الجاهلة المتخلّفة”، ويرفضون الالتفات إلى السبب الذي يجعل عملية استيراد أو تصدير هذه التجربة الديمقراطية شبه مستحيلة!

لقد نهض النظام الديمقراطي في كلّ من بريطانيا وأميركا، وفي بلدان الكتلة الأطلسية عموماً، بفضل التراكم المادي والمعنوي الهائل الذي حقّقه الاستيطان والاستعمار، والنهب الفظيع المباشر وغير المباشر لثروات الشعوب والأمم الأخرى، ابتداءً باستيطان أميركا وإبادة شعوبها وانتهاءً باستيطان فلسطين، وابتداءً باستعمار الهند وانتهاءً باستعمار جزر الفوكلاند، وبناءّ على ذلك تحقّقت وفرة أسطورية، مادية ومعنوية، سمحت باحتواء مجتمعات المليار الذهبي، والتغلّب بسهولة على تناقضاتها الداخلية، وتنظيمها ديمقراطياً.

في أواسط القرن التاسع عشر (في 7/10/1858) كتب فريدريك أنجلس يقول: “تتبرجز البروليتاريا الإنكليزية أكثر فأكثر، ويبدو أنّ هذه الأمة الأكثر بورجوازية بين الأمم تريد أن يكون لديها، في نهاية الأمر، إلى جانب البورجوازية، أرستقراطية بورجوازية وبروليتاريا بورجوازية! وبديهي أنّ هذا توجّه منطقي لأمة تستثمر العالم كلّه”! وبعد ربع قرن (في 12/9/1882) قال في رسالة جوابية: “تسألني عن رأي العمال الإنكليز بسياسة حيازة المستعمرات؟ إنّه لا يختلف عن رأيهم بالسياسة الإنكليزية عموماً، فهنا لا وجود لحزب عمال، وكلّ ما يوجد هنا هو حزب المحافظين وحزب الراديكاليين الليبراليين، أمّا العمال فيتمتعون معهم مطمئنين لوضع إنكلترا الاحتكاري إزاء المستعمرات، ولوضعها الاحتكاري في السوق الدولية..الخ”!

إضافة إلى شهادة أنجلس التي أوردناها يعرض نعوم تشومسكي في مقالة له نشرت مؤخّراً شهادة قديمة ثمينة أخرى لآدم سميث (صحيفة “السفير” – 29/10/2009 – ترجمة جنان جمعاوي) وقد جاء في شهادة سميث مايلي: “إنّ المهندسين الأساسيين للسياسة في بريطانيا هم تجار وصناعيون، وهم يعملون على أن تراعي السياسة مصالحهم الخاصة مهما كانت تأثيراتها مؤلمة للآخرين (البريطانيين) ومهما كانت تبعاتها أشدّ إيلاماً لأولئك الذين يعانون الظلم الوحشي على أيدي الأوروبيين في أيّ بلاد أخرى”!

يقول تشومسكي في المقالة المذكورة أنّ مهندسي السياسة الأساسيين حالياً ليسوا تجاراً وصناعيين، بل المؤسسات المالية والشركات المتعدّدة الجنسيات، وأنّ النسخة الحالية الأكثر تعقيداً لنظرية سميث هي “نظرية استثمار السياسات”! إنّها النظرية التي طوّرها توماس فرغسون، والتي تنظر إلى الانتخابات الديمقراطية على أنّها مناسبات تجتمع خلالها مجموعات من المستثمرين تعدّ لإدارة البلاد عبر تمويل الانتخابات، أو شرائها!

ويشرح تشومسكي أنّ في الغرب الحالي خبراء يعملون في خدمة المؤسسات المالية والشركات المتعددة الجنسيات، فيستلهمون الشعار الإغريقي القديم القائل بأنّ الأقوياء يفعلون ما يريدون، أمّا الضعفاء فيعانون كما ينبغي عليهم! وأنّ كلّ دولة (أطلسية) تعتمد اليوم على هؤلاء الخبراء في صناعة التبريرات، حيث مهمّتهم هي إثبات أنّ ما يقوم به القوي نبيل وعادل، وأنّ معاناة الضعيف هي بسبب أخطائه! وأنّ هؤلاء الخبراء هم من تطلق عليهم صفة “المثقفين”، الذين يقومون (ما عدا استثناءات هامشية) بكفاءة واستقامة بالمهمة التبريرية التي كلفوا بها، مهما كانت غريبة ادّعاءات الأقوياء!

يقول تشومسكي أنّ الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2008 كشفت أنّ مصالح الشركات المالية كانت ميالة إلى إدارة أوباما، وأنّ هذه الإدارة ضمّت مموّليه الأساسيين الذين فضّلوه على ماكين، وأنّ مجلة “بيزنيس ويك” تهلّل اليوم لأنّ شركات التأمين كسبت معركة الرعاية الصحية! وأنّ المؤسسات المالية، التي كانت وراء انفجار الأزمة الحالية العامة، خرجت من دون أن تصاب بأذى، بل أقوى مما كانت، بعد عملية الإنقاذ الهائلة (التي نفذتها إدارة أوباما على حساب صغار المستثمرين ودافعي الضرائب المحدودي الدخل عموماً)! تلك هي العوامل التي حسمت نتائج انتخابات 2008: استثمارات مالية للمؤسسات المالية في الانتخابات الديمقراطية حققت الصيغة الإدارية/السياسية التي تضمن مصالحها!

ولكن ماذا عن الحريات الديمقراطية الانتخابية المبهرة، التي تأخذ مداها الكامل؟ يقول تشومسكي أنّ مهندسي السياسة يقرّون بضرورة السيطرة على سلوك وآراء الناخبين والمنتخبين! صحيح أنّ الديمقراطية في الولايات المتحدة ليست موجّهة مثلما هو الحال في إيران، حيث ينبغي على المرشحين الحصول على مصادقة المرجعية الدينية، لكنّ رأس المال المكدّس هو من يصادق على تسمية المرشحين الأميركيين! أمّا المرشحون الذين يتجاوزون عملية الغربلة (التي يجريها رأس المال الاحتكاري) فإنّ مصيرهم الانتخابي تحدّده الاتفاقات والصفقات خلال الحملة الانتخابية!

إنّ السيطرة المحكمة على الحملات الانتخابية تضمن تجنّب الخطابات والشعارات الاقتراب من القضايا الحياتية الأساسية للشعب، بينما تزدهر الجمل الرنانة، والشائعات المثيرة، وكاريزمات الشخصيات المرشّحة، أمّا أجهزة الدعاية فتروّج للمرشحين مثلما تروّج لمعجون الأسنان والعقاقير! إنّ أموالاً طائلة وموارد هائلة تكرّس لصنع ناخبين غير مدركين، يقومون بانتقاء خيارات غير عقلانية يعتقدون أنّهم انتقوها بملء حرّيتهم، بينما هي محدّدة لهم ومفروضة عليهم مسبقاً، فهي تخدم مصالح كلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، اللذين يتشكلان من فصائل متنافسة يضمها حزب مال وأعمال واحد!

:::::

ns_shamali@yahoo.com