عنتريات التطبيع فلسطينياً: هناك فارق هائل بين “وطن” و “وطن محتل”

د. عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2084 )

ولكن، أمام هذه العيوب التطبيعية الواضحة إلى حد يصد عين الشمس. كيف يجري ستر العورات وسد الثغرات؟

من الذي شطب المقاومة من حياته، ويعمل على شطبها من حياة شعبنا، من الذي يمارس التطبيع، بل إغواء العرب ليزوروا الأرض المحتلة؟ وكيف يجري ستر عورات المطبعين جميعا : (الداعين والقادمين).

لننظر كيف يقوم هؤلاء بتخريب الوعي والوطن، لقاء بعض المال ليس أكثر، بما هم جزء من الاقتصاد السياسي للتطبيع.

طبقاً لما كتب احد الصحافيين،: “… بان فنانين وشعراء ورياضيين عرباً قدموا في العامين الأخيرين لمؤسسات ومراكز ثقافية عدة، كان أبرزها زيارة الفنان العراقي إلهام المدفعي بدعوة من مركز الفن الشعبي، والشاب فضيل بدعوة من بلدية رام الله، وعمر العبدللات بدعوة من محافظة رام الله والبيرة، وهاني شاكر بدعوة من وزارة السياحة، وصابر الرباعي بدعوة من شركة الاتصالات الوطنية الفلسطينية، وغيرهم عبر مؤسسات أخرى في رام الله والقدس وغيرهما “.

هل من حقنا نحن المناهضين للتطبيع أن لا نعرف عن كل هذه الكوارث على شعبنا؟ ليس من حقنا. إنه تقصير من جانبنا. وربما بسبب هذا التقصير، لم أعرف أنا نفسي كاتب هذه السطور قبل اعتراضي على تأجير المركز الثقافي في رام الله للموسيقار الصهيوني دانييل-برينباوم الذي استثمر تطبيعات إدوارد سعيد بعد رحيله واستمر في اغتصاب الدخول إلى الارض المحتلة عبر مؤسسته “سعيد-برينباوم”. تخيلت أن هذا أول تطبيع من نوعه، فإذا بالأمور قد وصلت إلى “خراب البصر”. لقد كنت كالمثالي الذاتي الذي أذا لم يتحقق الموجود المادي أمامه، فهذا الموجود ليس موجودا!

وسؤالنا هو: إذا كانت هذه المؤسسات تقوم بهذا، فإن للتطبيع هيمنة في الأرض المحتلة، بل هناك تطبيعا مهيمناً على المقاومة. وبالطبع، أترك دقة المعلومات لذمة ذلك الصحفي.

ما يهمني هو مباركة البعض للتطبيع مغلفاً ذلك بكلام لا معنى له ، كلام بلا محمول لا مادي ولا خطابي. إنه دفاع البعض عن التطبيع حاملاً سيفاً من هواء. ففي دفاعه عن مجيىء شاعر اسمه إبراهيم نصر الله يقول:

“…إبراهيم نصر الله فلسطيني، وأرضه ترحب به في كل وقت. يعني أنا لم أكن مع من شن الهجوم عليه. أنا ضد مثل هذه التطرفات، سواء في رام الله او القاهرة. الفلسطيني يعود إلى بلده من دون إذن من احد”

عظيم ايها السيد، وماذا يفعل ستة ملايين لاجىء في شتات الأرض؟ لماذا لا تسمح لهم أنت بالعودة!!!

لا يتعلق الأمر هنا بهذا الإسم أو ذاك. لا معنى للإسم. بل السؤال هو للبحث عن معنى: “الفلسطيني يعود إلى أرضه دون أخذ إذن من أحد”! هل صحيحاً أن هذا أو أي امرىء لا يأخذ إذنا من أحد؟ إذا صح هذا فمعناه أن لا وجوداً للاحتلال الصهيوني في أي شبر من فلسطين؟ لعل خطورة هذا الحديث هو إغواء العرب ليأتوا إلى الأرض المحتلة دون أن يعلموا أن هناك وكلاء فلسطينيين يقدمون لوائح لأخذ إذن لكل فرد منها من الاحتلال! إن الزعم بعدم أخذ إذن من أحد، لا أساس له! فالاحتلال لا يسمح حتى بدفن الموتى دون إذنه[1]. أما لماذا يتم إنكار هذا، وقيام وكلاء التطبيع بتقديم قوائم “الزوار” فهذا كذلك جزء من الاقتصاد السياسي للتطبيع. فهذا التطبيع مصدر دخل.

يقول بعض دُعاة التطبيع: “… ومن بين الضوابط هذه أن يشارك الفنان العربي بفعالية فلسطينية، وأن لا يدمغ جواز سفره بختم إسرائيلي، بل يأتي عبر تصريح خاص بدعوة من السلطة الوطنية الفلسطينية، وأن لا يشارك في أية فعاليات إسرائيلية، أو مشتركة مع مؤسسات إسرائيلية، وأن تقتصر زيارته على الأراضي الفلسطينية”.

لا شك أن من يخدع نفسه، لا يُلام إذا خدع الآخرين. فالفنان، أو البطل ، العربي الذي لا يُختم جواز سفره، يعلم جيداً أن كل سنتيمتر واحد على الحدود هو تحت نعل الجندي الصهيوني الذي بوسعه وضع جواز السفر والبطل تحت نعليه. هذه المكابرة والتزييف معيبة حقاً. لذا، لا يُختم الجواز على الحدود، ولكن تُختم الذاكرة والكرامة والوعي والموقف (كما ورد في العريضة التي تدور الوطن باسره لشرح مخاطر التطبيع). ومع ذلك، فإن أل 6 ملايين لاجىء جاهزون لكي تُختم جوازات سفرهم فهل يُسمح لهم بالدخول؟ والأهم: هل يُسمح حتى لمن يدخلوا بواسطة الاحتلال أن يعيشوا في الأرض المحتلة أقصد الذين من اصل فلسطيني؟ هل سمع المطبعون عن عذابات 45 ألف فلسطيني يحملون جنسيات دول أجنبية وكيف يعذبهم الاحتلال بالحصول على تأشيرات زيارة لأيام او في الأقصى لثلاثة شهور؟ هل سمع هؤلاء أن الاحتلال لا يحترم اية جنسية لدى هؤلاء حتى الجنسية الأميركية التي تمول تسليحه بضرائب الشعب الأميركي.

وتصل المفارقة قمتها بقول هؤلاء: ” وأن تقتصر زيارته على الأراضي الفلسطينية”

أية دراما هذه؟ فالقائل، يعتبر الضفة والقطاع هي الأراضي الفلسطينية؟ هو مقولب العقل والموقف بأن فلسطين هي ما تم ذكره في اتفاق أوسلو وحسب. وبهذا لا أخال أن عليه أن ينقد أي مستوى من التطبيع، لأن اتفاق أوسلو بمجمله هو قاطرة التطبيع الكبرى. معنى قول هذا، أن الأراضي المحتلة عام 1948 هي للكيان الصهيوني؟ وطالما الأمر هو اعتراف بالكيان، فلم أجد معنى لمنع المطبعين العرب من دخول الأرض المحتلة 1948 طالما دخلوا بلا حرب إلى الأرض المحتلة1967 . يذكرني هذا بقول ابي نواس في موضع مختلف، حين رأى رجلاً يقف على قبر ويبكي فقال له:

قل لمن يبكي على رسم درَسْ واقفاً ما ضرَّ لو كان جلسْ.

وهكذا، ينتهي أهل نصف التطبيع إلى مؤدلجين لصالح اصحاب التطبيع المفتوح.

ويكرر مؤدلجو التطبيع قولهم في التالي:

“…فنحن ضد كل فنان أو مثقف أو مبدع عربي يتوجه إلى السفارات الإسرائيلية للحصول على تأشيرة دخول إلى فلسطين لأننا نرغب في أن نفتح أبوابنا على مصاريعها لأشقائنا العرب من خلال السلطة الفلسطينية فقط، كما توافقت على ذلك مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني. وإننا لا نرى في ذلك تطبيعاً بل فعلاً نضالياً وتضامنياً مع الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال.”

لتكن السلطة حَكَماَ وشاهداً ما بيننا وبينكم، نعم السلطة نفسها. هل هناك اي من السلطة مستعد لتأكيد أن السلطة هي التي تعطي تصاريح دخول إلى الأرض المحتلة دون إذن الاحتلال؟ الكل يعرف الإجابة أكثر مني. وأين هي مؤسسات المجتمع المدني التي توافقت على ما يقوله هذا السيد؟ هل هناك منظمات غير منظمات الأنجزة؟ هل لدينا مجتمعا سياسيا حتى نقول هناك منظمات مجتمع مدني؟ أتركوا عظام غرامشي تستريح قليلاً.

على أن قمة البلاغة المبالِغة في رد إحدى مؤسسات التطبيع على ناقديها بما يلي:

“…من الواضح أن هناك محاولات تستهدف إبقاء الشعب الفلسطيني خاضعاً للعزلة التي يفرضها عليه الاحتلال لقطع تواصله مع محيطه العربي والإنساني، حتى لا يرى أشقاؤه وشعوب العالم ما الذي يحصل في فلسطين وحجم معاناة أهلها جراء ممارساته الظالمة”

لو افترضنا أن مجيء العربي إلى هنا هو مجيء تفتيشي صحفي ليرى ما يحصل لنا. ما الذي بوسعه أن يفعله. هل سيركل الاحتلال على قفاه، أم العكس؟ معذرة، ماذا نضيف للحيوانات حين نزور حديقتها؟ ما نريده من العربي أن يأتي للتحرير لا للتمتع بمنظرنا في الأقفاص. ولكن يبدو أن أهل هذه المؤسسة الفنية لم يعرفوا أن هناك فضائيات تعج بصورنا حتى الغثيان. هذا ناهيك عن حقيقة ناقشتها وحسمتها البشرية منذ مئات السنين، وهي أن العقل البشري قادر على نقل المعاناة، أو المعرفة ببلاغة تصل حد الرؤية أو الممارسة المباشرة للمعاناة وللحدث.

وترتفع الدراما ليكتب أحد المخلصين للتطبيع:

“…هل نحن أمام شريحة دكتاتورية من المثقفين الأصوليين الذين لا يختلفون عن أي تنظيم سياسي متعصب لا يتقبل الاختلاف أو التفكير في أشكال نضالية أخرى. “

ناضل يا سيدي…. ما هو النضال الذي يقوم به المطبعون العرب؟ هل تعدى ذلك القول في غرف مغلقة: “لعن الله الاحتلال”! شكراً ايها المتضامنين. لقد بكينا ما فيه الكفاية ويزيد. إن المرء ليستغرب كل هذا الافتئات على اللغة، فما بالك بالواقع.

ترى، هل يعرف المطبعون العرب أن أي فلسطيني يحاول الانتقال من رام الله إلى الخليل، لا يمكنه ذلك إذا ما قرر الكيان إغلاق المنطقة. فإذا كانت هناك للسلطة سيادة، هل بوسعها رفض أمر الإغلاق الاحتلالي؟ أسوق أمثلة الضفة ولا اسوق مثال إغلاق القدس. هل لدى مسوِّقي التطبيع مثالاً واحداً على عربي أتى إلى الأرض المحتلة ودخل القدس بإذن من السلطة الفلسطينية، أو مثلاً ركل جندياً صهيونياً ومر عن حاجز تفتيش دون إبراز أوراقه، أو اقتحم حاجز التفتيش الاحتلالي حين أمره بالعودة أدراجه!

إن اللغة أيها السادة مثابة مطية، يمكن أن يستخدمها العبقري والغبي، والقديس والمافيا. ويبقى المحمول المادي لها هو الفيصل.

وينبري مطبع آخر للقول:” المطبع هو الذي يستقبل رسمياً او شبه رسمي من سلطات الاحتلال ويقبل بروايتها عن الصراع ويقيم نشاطات -علاقات طبيعية- داخل دولة الاحتلال، ويوفر غطاء لسياساتها، ولا يغير من ذلك إقامة نشاطات موازية في الاراضي الفلسطينية. “

ولنا هنا أن نسأل:

أولاً: كيف دخل هذا المثقف إلى رام الله عام 1994؟ من اين حصل على الإذن وبطاقة الهوية، من صلاح الدين الأيوبي، من جمال عبد الناصر؟ أم من شلومو ويحزقيل؟

وكيف دخل أي عربي أو فلسطيني غير الرسمي؟ هل هبط بالطائرة الشراعية التي أقلت البطل من القيادة العامة قبيل الانتفاضة الأولى بأيام قليلة؟ أم أتى من خلال مقاولي التصاريح؟ لماذا التجاوز على نقطة البدء؟

وثانياً: أليس اتفاق أوسلو مشروعا رسميا مع الاحتلال؟

وثالثاً: هل ما زال أحد بحاجة لرواية ما عن الصراع حتى يخدعه الاحتلال ويحشوه بروايته؟ وبعد التطبيع هل بقي صراعاً؟

ورابعاً: لا… لا… يكفي.


[1] في عام 1978، قررت عشيرتنا نقل جثمان عمي ابي مشهور من نيكاراجوا خلال الثورة الساندينستية، وبقي الجثمان في عمان ل 18 يوما بتهمة أن الرجل كان على علاقة بالمنظمات الفلسطينية. ولولا تدخل اصدقائنا من عائلة الحلبي في الأرض المحتلة 1948 لما دخل الجثمان. هل تغير الأمر ليدخل الأحياء في فترة الحكم الذاتي؟ كلا. ومن لديه الدليل فليُعد ال 6 ملايين لاجىء.