ثمن الفراغ السياسي

معقل زهور عدي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2085 )

خلف الصورة الحزينة للتعصب الكروي المنفلت من عقاله بين مصر والجزائر والذي فاق في انتشاره وحدته أي ظاهرة شعبية كروية مماثلة في المنطقة العربية منذ زمن طويل. لابد من البحث عن جذور اجتماعية – سياسية، وكل تفسير آخر لا يدخل تلك العوامل في حسابه لن يكون مقنعا سوى للفرق الرياضية ذاتها ومشجعيها المشتعلين بالحماس، فالمسالة التي تستحق الاهتمام تكمن في السؤال: لماذا أمكن لحماس كروي تقليدي أن يتحول الى وباء تعصب وكراهية يجتاح فئات اجتماعية واسعة، سواء بمصر او بالجزائر، فتخرج المظاهرات الصاخبة ويتم تدمير ممتلكات كل بلد في البلد الآخر، وتنفذ مقاطعات ثقافية وفنية، وينخرط السياسيون في تلك الحملات المجنونة، ولم يبق سوى ان نحمد الله أن الجزائر لاتمتلك حدودا مشتركة مع مصر لحشد الجيوش على كلا الطرفين!!

على امتداد عقود مضت لم يمل العقلاء في وطننا العربي من التحذير من أجواء التصحر السياسي والفكري، تلك الأجواء التي أنتجها الاستبداد العربي الحديث، والتي أوصلت الأجيال الجديدة الى النظر للفكر السياسي والممارسة السياسية بوصفهما خطرا يفوق أي خطر آخر، وتولت تيارات العنف اكمال ما عجز الاستبداد العربي بمفرده عن انجازه، وبين مطرقة الاستبداد وسندان العنف تم طحن الحياة السياسية وتدميرها. لكن ذلك لا يمثل سوى أحد وجوه المسألة، فالوجه الآخر يتمثل في بقاء المعضلات الكبرى دون حل، فالعربي اليوم يشعر أن هويته منتقصة ومهددة بالزوال، في حين لم يكتسب مواطنيته بصورة حقيقية،وتلاحقه في غرف نومه كوابيس الخذلان الممزوج بالشعور بالألم والعجز تجسدها صور الضحايا في حرب غزة، ولا ينفتح أمامه اي أفق للعدالة الاجتماعية وفرص النهوض، العربي الذي يعيش أزمة وجود وأزمة كرامة وأزمة خبز وأزمة عدالة، مطلوب منه تحت طائلة اقسى العقوبات أن لا يفكر بمأساته، وتلك هي المأساة ما تقوله أحداث مصر والجزائر اليوم هو الآتي: اذا لم تجد الشعوب الفرصة للتعبير عن أزماتها العميقة بطريقة عقلانية فسوف تنفجر تلك الأزمات اليوم أو غدا أو بعد غد بطرق لا يعلم اشكالها الا الله، طرق تفتقر للمنطق والعقل، مثلما تفتقر للهدف، والأرجح ان الشعوب العربية ستنخرط بصراعات داخلية بلا أفق، صراعات عبثية تدميرية، وذلك هو ثمن الفراغ السياسي.

السياسة ليست سوى ايجاد الحلول العقلانية لادارة المجتمعات، بهدف استمرار وجودها أولا وتحسين كيفية ذلك الوجود، والحياة السياسية هي البيئة التي تحتضن وتنتج السياسة العقلانية، وحين يتم تدمير الحياة السياسية يصبح المجتمع مكشوفا تحت رحمة أقداره.

تنذر الكيفية التي تعاملت معها النخبة السياسية الحاكمة في مصر والجزائر على حد سواء مع ظاهرة انفلات التعصب الكروي بأسوأ العواقب، فبدلا من تحجيم ذلك التعصب باستخدام الاعلام وكافة المنابر التي تملكها الدولة، شهدنا نفخا بتلك النار القبيحة واستخداما لها لتلميع صور اولئك السياسيين واظهارهم كابطال وطنيين في معركة الكرة ( المشرفة )، ولا يدل ذلك على خواء السياسيين وأنانيتهم فقط ولكن أيضا على قصر نظرهم المخيف، والرسالة التي أرسلوها للشباب كانت واضحة: الوطنية هي ضد الشقيق وليست ضد العدو الحقيقي، وساحة المعركة هي ملعب الكرة وليست القدس والأقصى، وتعصبكم مفهوم ومحترم ولن نحاسبكم عليه، فقط لا تفكروا في مصائركم!