التطبيع في فذلكات “يسار…خاص”: رفض لفظي لأوسلو وتعيُّش عليها وعلى الأنجزة

د. عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2086 )

كما أشرت في غير موضع، هناك الكثير من العرب، وحتى التقدميين منهم من لم يدركوا بعد ما المقصود بمناهضة التطبيع. فالبعض يدين مثقفين وفنانين/ات عرباً لأنهم زاروا الضفة الغربية ولم يزوروا غزة! وبالطبع لا يعدموا فرصة لشتم حماس باعتبارها “إمارة إسلامية”! في محاولة منهم لعقد مساواة بين إمارة الكمبرادور والتسوية وبين حماس في غزة، رغم أن الفارق الأساس هو في:

* رفض الاعتراف بالكيان

* وبقاء مشروع المقاومة.

إن حصر الأمر في وجوب زيارة غزة، مقابل زيارة رام الله، هو تبسيط للأمور وتسطيح لا يخلو من قصدٍ واعٍ. بمعنى أن هؤلاء اليساريين هم من تفريخات الستالينية المحلية التي تعتبر الاعتراف بالكيان براءة اختراع ووسام وصول إلى حضن السيد الأبيض.

لذلك، لا بد من كلمة سواء: هل يمكن لأحد أن يؤكد لنا، نظراً لغلاظة ذهننا (كمخ وليس كعقل) أن أوسلو لا تعني إعتراف فلسطينيين بأن المحتل عام 1948 هو أرض لدولة اليهود، كما تسمي نفسها؟ إذا لم يكن هذا هو المعنى، فما معنى الإلتزام العلني من كثير من الفلسطينيين ب (أوسلو)!

يقول كثيرون، إن حركة حماس قد دخلت الانتخابات وأعلنت أنها ستقبل أو قبلت بدولة في الضفة والقطاع، وها هي لا تمارس المقاومة، وأن صواريخها ألعاب نارية…الخ. كما أن سوريا تفتح باب التفاوض وتعلن قبولها بالتفاوض منذ 30 سنة.

قد يكون كل هذا صحيحاً، ولكن، ما المصلحة الوطنية في دفع حماس وسوريا للاعتراف المتعجل والعلني والمباشر؟ حينما تعترفان بالكيان، سنكون أول من يقف ضدهما، على تواضع موقفنا وقدراتنا. وطالما لديهما درجة من التماسك، فإن تفكيكهما لا يخدم سوى الأعداء. ولذا، فالتعجل ليس إلا رغبة شهوانية للانتهاء في حضن التسوية العاقر. أما كون حماس لا تقاوم، ربما بعدم الاعتراف هي تقاوم! هذا دون أن نسأل هل يقاوم الذين يدينون تدني المقاومة في غزة! قد يختلف الاحتلال والمركز الراسمالي والأنظمة القًطرية المعترفة، عنا بشأن تفسير دخول حماس الانتخابات، ولذا، كما يبدو يريد من حماس ركوعاً مطلقاً. فإذا صح هذا التفسير، هل نرغم حماس على ذلك حتى يستوي الجميع بالأرض!

لذا، فالمشكلة ليست كما يحاول هؤلاء مداورةَ تحويل الأنظار إلى ما يمكن تسميته عدم التوازن الذي يقع فيه الزوار إلى الأرض المحتلة “زوار المرحلة السوداء”، بمعنى أن هؤلاء الزورا مُدانون لأنهم زاروا الضفة الغربية فقط ولم يزوروا غزة!. المشكلة ليست زوجا لم يعدل بين الحرملك! المشكلة في هؤلاء الكتاب والصحفيين وخاصة من أوساط اليسار الذين يمكننا وصفهم كما يلي:

* يساريون أو ماركسيون ما زالوا مصابين بجرثومة الشيوعية الستالينية العربية التي تنطلق من الاعتراف بالكيان الصهيوني (وحتى بافتخار متعال) قبل الاعتراف بالأمة العربية. أي أن المشكلة هي في الاعتراف، والقيمة في عدم الاعتراف حتى لو ما زال من حيث القوة في طور اللغة.

* هؤلاء اليساريون انتهوا إلى تأييد أوسلو عمليا وشتمها لفظياً، ولم يكن أحد يعرفهم بقدر ما كان يعرفهم ياسر عرفات الذي مد لهم الحبل لأنهم لم يكونوا سوى ثعالب صغيرة تلعب في حضنه. وتأييد أوسلو لا يعني سوى الاعتراف بالكيان وشطب حق العودة. ومع ذلك، انتهى الاعتراف بالكيان:

· يميناً إلى تسميم عرفات

· ويسارا إلى تفجير الرفيق الشهيد بجدارة أبو علي مصطفى! فماذا بقي ايها السيدات والسادة أن نقوله حتى تسحبوا الصهينة من تحت جلودكم؟ هل للغرب والصهيونية كل هذا الضوء المبهر؟

* هؤلاء اليساريون والماركسيون على إعجاب واندهاش بأمثال لهم في الأرض المحتلة الذين يطبِّعون مع الكيان ويشتمون أوسلو، يتمتعون بخيرها ويشتمونها، وينشؤون طبعات لتعريف التطبيع تستثنيهم هم وحدهم، وتطال الناس كافة، لا لشيىء إلا لأنهم عباقرة ومن مريدي إدوارد سعيد ومحمود درويش وإميل حبيبي. ويكفي أن نشير هنا إلى أن إدوارد سعيد اقام مع الموسيقار الصهيوني مؤسسة سعيد-برينباوم للموسيقى التي أنجزت التطبيع بالموسيقى، والتي بعرضها في رام الله، والذي اثار رفض المرابطين في الأرض ضدها، اثار أو فتح ملف التطبيع مجداً في الوطن المحتل.

إن فذلكات هؤلاء لا تخفي عيوبهم، وعيوب مواقفهم، وهذا ما يدفع الذاكرة الشعبية إلى فتح ملفات سوداء تدين كل من هو يساري أو اشتراكي. وحبذا لو يُفارق هؤلاء ذلك النفاق الرانخين فيه ليقولوا للناس: “نحن مع الاعتراف بالكيان لأننا نعتبره حالة حضارية زرعت في فلسطين لنقل العرب الهمج إلى الحضارة”، وليكملوا: نحن “طبعة خاصة من اليسار لا علاقة لنا بالطبعة الأصيلة والثورية أو حتى المتخشبة، نعم نقبل بهذا الوصم وذلك كي يعتقونا” .

نعم ايها اليسار المتصهين: “نحن ندفع فواتير تطريبك ومنامك المخمليّْ”.

نعم لأن هؤلاء اليساريين حريصون دوماً ومعهم لبراليون من طراز الراحل إدوارد سعيد، حريصون على:

* التنكر للقومية العربية، تماماً كما أراده ويريده اليسار الأوروبي/بل الأبيض بمعظمه.

* أن يكونوا مقبولين في أوساط اليسار الغربي الذي يعتبر الكيان واسطة العِقد في الوطن العربي، ويريدون له اندماجاً مهيمناً في وعلى الوطن العربي.

* ومقبولين من هذا اليسار الذي لا يعطي “حسن سلوك ثقافي وأكاديمي” لأي عربي لا يشتم الإسلام وقريباً سيضموا إلى الإسلام المسيحية الأم/ الشرقية.

* حريصون على أن يبقى نظرائهم في الأرض المحتلة متنعمين بخيرات الأنجزة، لأنهم يخشون إن اشتد ساعد مناهضة التطبيع أن يقول للمتأنجزين : “لماذا قبلتم بهذا والعمل عند هذا”!

كفى وقوفاً كأهل الأعراف بين الجنة والنار. وحبذا لو يعرف هؤلاء أن الوطن أهم من هذا وذاك، ومن العملات الصعبة وأن الحياة تسير بقليل من النقود، وأن الوعي والعلم والثقافة والثورة لا يحول دونها الفقر.

سيصرخ كثيرون وكثيرات من “أهل العقل والتعقل: ما هذا التطرف؟

ليكن، ايها السيدات والسادة. ولكن أجيبوا عن السؤال الساذج التالي، ليس لنا، بل لأولادكم، وأزواجكم وزوجاتكم،:

لماذا في حين تعترفون للعدو بكامل فلسطين باستثناء إمارة رام الله “العلمانية”، يطالب العدو بفلسطين دولة لليهود؟ ما هي ميكانيزمات ارتفاع سقفه سوى انعدام سقفكم؟ ولماذا تركضون إليه بالتطبيع العاري، بينما يرفض عودة لاجىء واحد؟ هل سمعتم أحاديق تسيفي ليفني وشمعون بيرس واولمرت ونتنياهو وحتى اليسار الصهيوني الذي تأستذ علينا دهراً!

نسأل هذه الأسئلة لأن هناك قشرة من اليسار تتحكم بتراث ونضال اليسار داخل الأرض المحتلة وخارجها، وتبرر الاعتراف بالكيان على أرضية:

* ليس بوسعنا هزيمة هذا “العملاق”.

* وما الخلل أن نعترف للعدو بفلسطين طالما بالوسع تحقيق حق العودة؟

إن كان بوسعكم أيها السيدات/دة تحقيق حق العودة إلى دولة اليهود، فنحن شديدو الأسف على وقاحتنا، حتى لو كانت عودة حطابين وسقائين.