فرحة صحفية السروال السودانية

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2089 )

ألم تسأل صحفية السروال السودانية نفسها هذا السؤال البسيط: هل يقبل وزيرالخارجية الفرنسي المهرج برنار كوشنر أن يستقبل إحدى نساء غزة، ثم يظهر معها في مؤتمر صحافي لتشرح مأساتها بسبب جرائم المحتل الصهيوني من الحصار إلى القصف وقتل الأخوة والأبناء والأصدقاء؟ وهل إذا ظهر ، وهو لن يظهر حتى لو أشرقت الشمس من الغرب وغربت من الشرق. هل سيبدي تعاطفاً مع مأساتها، أو يروج لكتاب يتحدث عن مأساتها؟

هل سألت صحفية السروال ما الذي يدعو الوزير المهرج والمنظمات الغربية لتبني قضيتها في حين أن نفس الوزير ونفس المنظمات لا يأبهون لمصير ملايين النسوة اللاتي يمتن من الجوع والحصار والحروب التي يتسبب بها الغرب، ونساء غزة تجسيد حي؟

عندما انفجرت هذه القصة أدركت أن الموضوع سياسي وأن وراء الأكمة ما وراءها، فقد كنت قبل أشهر في الخرطوم وشاهدت بأم عيني على شاطيء النيل الأزرق المقابل لفندق برج الفاتح حيث أقيم، شاهدت الأحبة من طلاب جامعة النيلين يجلسون أزواجاً ملتصقين على الشاطيء مديرين ظهورهم إلى الشارع غير عابئين بأحد، كما شاهدت الجنوبيات ساكنات الخرطوم يرتدين الجينز الأزرق الضيق، ونساء الطبقات الفقيرة يمارسن البيع والشراء في أسواق الخرطوم دون حاجز بين الرجال والنساء. كما أن الصحفيات السودانيات كن يملأن أروقة المؤتمر وهن يرتدين لباسهن التقليدي الذي يُظهر من شعر الرأس أكثر مما يخفي. لا يعني هذا أن نساء السودان يعشن في ظروف مثالية، بل إن ظروفهن صعبة لكن مشكلة اللباس ليست ضمن مشاكلهن الرئيسية.

القضية منذ البداية ليست قضية سروال، يبدو أن الصحافية قد أدركت ذلك فرفضت في البداية تدخل المنظمات الدولية، وأصرت على خوض معركتها القضائية مع محاكم بلدها حتى النهاية عبر رفضها حصانة الأمم المتحدة مع أن ذلك كان بين يديها لأنها تعمل مع هذه المنظمة. لكنها لم تكمل بل ما لبثت أن وقعت في اغواء الغرب الذي يبحث عن أمثال هذه القصص فيعزز مخيلته الاستشراقية عن الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة الشرقية، وليستغلها في أجندة الغزو والنهب، فيجعل تحرير المرأة مع نشر الديمقراطية حججاً لقصف تلك الشعوب بصواريخ كروز وتوماهوك. لقد أعادت صحفية السروال إنتاج قضيتها وفق أجندة الغرب الذي يتبنى قضايا الجندر وفق رؤية خاصة، فهو يغضب لقمع المرأة المسلمة الجسدي المزعوم ويطالب بتحررها من لباسها لكنه يصمت عن قصفها بطائرات الـ F16 . لقد فعلت لبنى حسين ما يريد الغرب منها تماماً فكتبت كتاباً يدل عنوانه على مضمونه “40 جلدة من أجل سروال”. كتاب يلعب على مخيلة الغرب الاستشراقي وأوهامه عن الحريم الشرقي، ثم ظهرت في مشهد مأساوي مع وزير الخارجية الفرنسي السمج برنار كوشنر الذي طلب تقبيلها، فردت عليه بسخرية بأن ذلك مدعاة لجلدها في بلدها. نقول مشهداً مأساوياً لأنه استمرار للدائرة الجهنمية التي تُحكم الخناق على مجتمعاتنا العربية، فمن جانب أول أنظمة استبدادية متخلفة في أحسن حالاتها وعميلة في أسوأها، ومن جانب آخر معارضون يبحثون عن الشهرة والمجد الشخصي والنجومية والراحة والرفاهية لذلك يلجأون لأقصر الطرق لتحقيق ذلك فيرتمون بأحضان الغرب، كما فعلت الصحافية السودانية، محولين مآسيهم الشخصية إلى رصيد للغرب يحارب به مجتمعاتهم. وبين قطبي هذه الرحى تُزحن الشعوب لتتحول إلى طحين في أهراء الغرب.

في مؤتمرها الصحفي مع الوزير المهرج سُئلت صحفية السروال عن إمكانية «استغلال» قضيتها لأغراض سياسية ضد السودان، فأجابت بأن السلطات السودانية هي التي جعلت ملابس النساء شأناً سياسياً وزجت به في القوانين، وبالتالي لا بد من التصدي لها”، وسكتت. لكن المسكوت عنه بات واضحاً وهو أنها قررت التصدي لسلطات بلدها مستعينة بالغرب.

في إحدى قصص تشيخوف واسمها فرحة نرى البطل ميتيا قد اندفع إلى شقة والديه منفعلاً منفوش الشعر في وقت متأخر من الليل، فيوقظ أهل البيت جميعاً ليشاركوه فرحته لأن روسيا كلها أصبحت تعرفه فقد ذكرت إحدى الصحف أنه كان خارجاً من حانة في حالة سكر شديد عندما دعسته زحافة يجرها حصان، ففقد الوعي وأُسعف إلى مخفر الشرطة حيث حُرر ضبط بالواقعة وقُدمت له الإسعافات الأولية. وبالمثل يحق لصحفية السروال أن تفرح فقد باتت مشهورة في كل أنحاء العالم. لقد استحقت لبنى حسين لقبها الذي اشتهرت به “صحفية السروال”.