لعبة نتنياهو… عرب وأمريكان وساعة حقيقة!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2089 )

مع الأيام يمعن الإسرائيليون والأمريكان أكثر فأكثر في مأثرة إعفائنا من عناء التفكر ومشقة التحليل لفهم سياساتهم واستهدافاتها ضدنا. لعل هذا هو ما يخصوننا به اليوم، عندما يبادروننا بجديد مواقفهم وتحركاتهم وقراراتهم العدوانية تجاه قضايانا العربية جميعاً. إذ تعفيهم الحالة العربية البائسة من مجرد اللجوء إلى المواربة أو تهمة إخفاء المرامي. كما أنهم ويوماً فيوم يخيبون أكثر فأكثر آمال الواهمين من بني جلدتنا، هؤلاء الذين أصبح من الصعب عليهم إقناع أنفسهم لا إقناع سواهم بأن هناك ثمة احتمالات لتباين أو فوارق، أو حتى مجرد بعض من شوائب مؤثرة، يمكن أن تغشى تليد العلاقة العضوية، أو الأكثر من تحالفية، الراسخة بين واشنطن وتل أبيب. لقد كان هذا هو السائد دائماً، لكنه الذي غدا اليوم ثابتاً لا يقبل جدلاً مهما اختلفت الإدارات الأمريكية أو تبدلت العهود واستبدلت المسميات وتمايزت الوجوه.

في الأيام الأخيرة، مثل الطرفان على خشبة قهرنا دون أن يرفّ لهما جفن آخر خدعهم المكشوفة، والتي لم تعد خدعاً بقدر ما هي نوع من الإملاءات غير المباشرة، والتي كان قد سبق تسريبها وتداولها خلال الأشهر الماضية. تخلى الإسرائيليون أكثر من ذي قبل عن تليد المناورة والمداورة المفضوحة والمعتادة، وابتعد الأمريكان أكثر هذه المرة عن نفاقهم المعهود. لقد فعلا هذا بالتزامن الذي يشي بالتنسيق المسبق بينهما وبهدف التكامل. ظهرا على التوالي، نتنياهو في القدس المحتلة تلفزيونياً، وجورج ميتشل في مؤتمر صحفي في واشنطن. أعلن الأول بالعبرية ما يعني “تأخير” الإستيطان مؤقتاً، ثم أردف مكرر إعلانه بالإنكليزية لكن بما يعني “تعليقه”… تعليقه، ولمدة عشرة أشهر، مستثنياً من هذا القدس، وواعداً بالعودة إلى وتيرته السابقة بعد انتهاء هذه المدة… وهكذا تتابع المشهد، ما أن يفرغ نتنياهو من تلاوة بيانه وتغادرنا اطلالته من على الشاشة حتى يطل علينا من خلالها جورج ميتشل مرحباً بهذه المكرمة الإسرائيلية، أو متلقفاً هذا ال” أكثر من أي شيء فعلته حكومة إسرائيلية من قبل”، مع تكرار ذات اللازمة التي لم تعد ذات معنى أو قيمة أو مصداقية، معبراً عنها هذه المرة بقوله: أنه “تبقى السياسة الأمريكية حول المستوطنات غير متأثرة ومن دون تغيير”… ثم لم يكد المعروف بالمبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، الذي حث الفلسطينيين على اغتنام الفرصة التي أتاحتها أريحية نتنياهو، والالتحاق فوراً بطاولة المفاوضات، داعياً العرب إلى التجاوب مع هذه الخطوة تطبيعياً، ينهي ما كان منه إلا ولحقت به السيدة كلينتون، وزيرة الخارجية، لتخبرنا بأن القرار الإسرائيلي في نظرها سوف “يساعد على المضي قدماً نحو حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني”!

ما الذي تعنيه لعبة نتنياهو، هذه التي صفق لها الأمريكان، وشاركوه يداً بيد في تدبير ثنائي ومسبق لإخراجها… هذه اللعبة المعهودة التي يعفيه الإنحدار العربي المقيت هذه المرة حتى من محاولة مداراة عوراتها المكشوفة، ويعفي الأمريكان من مواصلة مفضوح نفاقهم وخداعهم المزمن والمبرمج حيال حصري امتياز رعايتهم الدائمة لعملية التصفية الدائرة للقضية العربية المركزية في فلسطين!؟

لقد اتخذ مجلس وزراءه المصغر ما دعاه قرارات “صعبة” و “تاريخية”… كان قد سبق وأن اتخذ مثلها سلفه أولمرت واستغلها في حينه أيما استغلال في تسريع مخططات تهويد القدس. وكان قد تم، كما قلنا، تداولها خلال الأشهر الماضية، وكان قد ثار حولها الجدل منذ خطابه الشهير في جامعة بارإيلان، ولطالما سمعنا دعوات وجهت للفلسطينيين من واشنطن والقدس المحتلة تدور حولها… لكنما هي جاءت الآن وكأنما هي موجهة حصراً للإدارة الأمريكية، هذه التي يريد رئيسها، وفق ما يقوله الإسرائيليون، إنجازاً ما يأخذه معه وهو يتوجه لاستلام جائزة نوبل للسلام في العاشر من الشهر القادم، أكثر مما هي موجهة للعرب والفلسطينيين… ردت عليها واشنطن مباشرة، وكأنما نحن حيال حوار أمريكي إسرائيلي يترجم فورياً ضغطاً مباشراً على مدمني “السلام خياراً إستراتيجياً وحيداً” في بلادنا، ولاسيما منهم عشاق المفاوضات من المهد إلى اللحد… ما جوهر ما اتخذ؟

أعلن نتنياهو تبنيه لمبدأ “الدولتين”… مكرهاً، أي خشية من أن لا يتبقى أمامه سوى خيار “الدولة الواحدة” أو مواجهة الخطر الديموغرافي الفلسطيني… دولتان، واحدة يهودية مسيطرة، وأخرى، هي عبارة عن شيء من “بانتوستانات” فلسطينية هشة ومسخاً مقطعاً، هي أقرب إلى الحاويات البشرية أو معسكرات الإعتقال التي ينوب عن الإحتلال في إدارتها جندرما أو تكوينات انكشارية محلية. بيد أنه لا بأس إن كان لهذا المخلوق “الدولة” علماً وما تختاره من مسميات لنفسها حتى وإن كان إمبراطورية… وأخرج القدس وحق العودة من دائرة ما تدعى مفاوضات الحل النهائي، وترك فلسطينيي المحتل العام 1948 تحت استحقاقات “يهودية الدولة” الترانسفيرية، وصولاً إلى “دولة الحدود المؤقتة”… وفي خطوة تشرّع “الاستيطان” بموافقة أمريكية، أعلن “بالم” أن حركة التهويد في بقايا الضفة سوف “تكبح” لأشهر… باستثناء آلاف الوحدات التي تمت المصادقة على إنشائها، وتلك التي بدء في بنائها، والمنشئات العامة والحكومية بأنواعها وما قد يدرج تحت هذا العنوان… وطبعاً التأكيد على استمراره بوتيرة أعلى في القدس… والجدار… كان جاداً، إذ فقط بعد يوم واحد، وفي نطاق هذا “التجميد” أو “الكبح” الذي يترجم عبرياً ب”التأخير”، وافق نتنياهو على بناء عشرات مما دعي مؤسسة أو مرفقاً أو مبنى عاماً جديداً، إلى جانب عشرات المشاريع المقرة!

هذا “المؤلم” الذي اتخذه نتنياهو، أو ما دعاه “خطوة غير سهلة، خطوة مؤلمة، ونحن نتخذها من منطلق اعتبارات قومية واسعة” يحظى باجماع إسرائيلي، ورضا من قبل “المستوطنين”، الذين أعلنوا سلفاً أن الاستيطان “غير قابل للتجميد”، و استرضى به الأمريكان، هؤلاء الذين كانوا يريدون منه بعض ما يعطونه لأصدقائهم الصدوقين العرب ويستغلونه كورقة ضغط على فلسطينيي التسوية لاستدرار آخر ما يقدرون عليه من تنازلات ليس إلا… ورغم أن هذا يأتي في سياق هذا الإجماع الإسرائيلي وتحت خيمته، فهو يعبّرعنه في موقفين: واحد توافق عليه إئتلافه الحاكم بأطرافه المختلفة، لسان حاله بعض ما يقوله وزير الحرب باراك حول ضرورة “التفاهمات مع الولايات المتحدة”، والواضح أكثر من قبل يعلون وبني بيغن، من أن ما اتخذه نتنياهو ليس تجميداً للاستيطان بل “إرجاءاً” له، ولا ينطوي على جديد، وهو فقط لإرضاء الأمريكان… طبعاً باستثناء حزب شاس المتغيب عن التصويت في المجلس الوزاري المصغر”، الذي يقول قائله مزاوداً أننا “لا يمكن أن نوافق على تجميد الاستيطان ولو ليوم واحد”!

والثاني، موقف غلاة الليكود، حزب نتنياهو، الذين تنوب عنهم الوزيرة ليمور لفنات في الحملة على الأمريكان وإدارتهم الأوباماوية، التي تراها أنها الأسوء من بين هذه الإدارات، لاسيما وأنه “بعد أسبوع سيبدأ بناء الوحدات السكنية المصادق عليها وحينها سيهب العالم قائلاً أننا مخادعون ونصابون ولن يبقى معنى للقرار” الذي أجبرنا الأمريكان عليه! كما أن نائباً ليكودياً في الكنيست اعتبر قرارات نتنياهو الذي يتزعم حزبه والذي يحكم باسمه “مناهضة لليهودية ومناهضة للصهيونية ويرفرف فوقها علم أسود”!

وعليه، نحن حيال ذروة الوضوح التصفوي المعد للقضية الفلسطينية، وجلي المرامي بالنسبة للمخططات الإسرائيلية ومعتاد النفاق لكن بمستوى جديد من الشفافية غير المسبوقة أمريكياً… وصل الأمر بأن يقولها ليبرمان وزير الخارجية وبدون مواربة: “الكرة في الملعب الفلسطيني… وإننا قدمنا لأبي مازن كل ما بوسعنا فعله… وإذا أرادوا فليأتوا للمفاوضات وإذا لم يريدوا فليفعلوا ما يشاؤون”!!!

إذاً هذا هو كل ما لديهم للتسوويين الفلسطينيين، وهذا هو ما يخصون به الوادعين من عرب “السلام خياراً استراتيجياً وحيداً”… وهنا لا يمكننا إلا الموافقة مع ليبرمان بأن الكرة فعلاً قد أصبحت في ملعب الفلسطينيين والعرب، والتي إن أرادوا ردها إلى الملعب المقابل فيتطلب الأمر منهم واحدة من اثنتين: إما مزيداً من التنازل أو المواجهة. وحيث لم يبق ما يستطيعون التنازل عنه سوى أمران لا يقوى أحد ولا يجرؤ، حتى لو أراد، التنازل عنهما، وهما القدس وحق العودة، أو ما يعني في الجوهر التنازل عن فلسطين، أو التسليم التام بضياعها وقبول تصفية قضيتها نهائياً برفع الأيدي والأرجل معاً… فإنه، وإذا ما تفاءلنا، ليس أمامهم سوى وقفة مع الذات، وانعطافة مستحقة باتجاه المراجعة المستوجبة وتقييم كامل التجربة الخاسرة من ألفها إلى يائها، وبالتالي العودة بالصراع وحقائقه إلى مربعه الأول. بمعنى الانحياز نهائياً وكلياً إلى النهج الأسلم والخيار الأصح الذي ما ثم سواه، أي المقاومة… خيار الشعب الفلسطيني والأمة العربية، والذي وحده ينسجم مع ثوابت وأسس هذا الصراع منذ أن بدأ وإلى يوم أن يحسم لصالحهما… وعليه فإن مجرد الكلام عن رفض المفاوضات مع الاستمرار المعهود في الاستجابة لشروطها ليس بديلاً، ولا يعني أكثر مما كان حينما كانوا يشتكون من أن “الاستيطان” و “الجدار” يدمر المفاوضات، واستمروا يفاوضون، أو يستجدون المفاوضات، إلى أن أوصلونا إلى ما وصلنا إليه… واليوم، وحيث لم يعد أمام الواهمين ما يبرر إيهامهم لأنفسهم بأن هناك فرق بين نتنياهو وأسلافه، وبين بوش ومن يخلفه الآن في البيت الأبيض، هل هناك من بدائل أمام التسوويين الفلسطينيين والعرب سوى نعي التسوية التصفية، وعودتهم عن بائس مقولة “السلام خياراً استراتيجياً وحيداً”… هل هذا المأمول ممكن؟

إن الإقدام على هكذا خطوة يتطلب تغييراً جذرياً في الاستراتيجيات والنهج والتحالفات… تغييراً بدايته أو أقل ألفه وبائه هو إيقاف التنسيق الأمني من قبل سلطة أوسلو مع الاحتلال، والكف عن التطبيع الرسمي العربي مع المحتلين… نعم، إنها ساعة الحقيقة، وقديماً قالوا، رب ضارة نافعة، إذ لعل من حسنات وضوح نتنياهو، ووقاحة ليبرمان، في ظل دراما تراجعات أوباما، التي محت وهم اختلافه عن سلفه، أنهم اليوم قد ألقوا فعلاً بالكرة في ملعب التسوويين الفلسطينيين ومرمى “معتدلي” العرب، وقالوا لهم بالعربي الفصيح والذي لا يقبل تأويلاً، لقد سقطت رهاناتكم ومعها سالف خياركم “الاستراتيجي الوحيد” الذي أدمنتموه وتشبثتم به أو هربتم من مسؤولياتكم التاريخية إليه، وإلى غير رجعة، فهل بقي لكم من خيار آخر سوى خيار الأمة… العودة إلى أبجديات الصراع… إلى ضرورة المواجهة؟!