الإشكالية المعرفية بصدد الرابطة العثمانية

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2090 )

على مدى أكثر من قرن مضى، وبجهود مركّزة مثابرة من المركزية الدولية الأوروبية الأمريكية، تحوّل موضوع الرابطة أو الدولة العثمانية إلى إشكالية معرفية عويصة صنعتها هذه المركزية التي حمّلت الرابطة جميع الأوزار الداخلية والخارجية، ونسبت إليها أحطّ التهمّ، وجرّدتها من كلّ فضيلة! ومع أنّ سلطات تلك الرابطة/الدولة لم تكن تختلف عن غيرها من سلطات دول العالم، من حيث السلبيات والإيجابيات، بل إنّ إيجابياتها حتى نهايات القرن الثامن عشر كانت تميّزها عن كثير من الدول الأوروبية، التي فضحت الحركات الاشتراكية ممارساتها الداخلية الفظيعة، ناهيكم عن ممارساتها الخارجية الوحشية، فقد لاقت الحملات الأوروبية الأمريكية الظالمة ضدّ الرابطة رواجاً في أوساط الضحايا، وبين أبناء الرابطة بالذات أكثر من غيرهم، بخاصة بعد دخول الدولة العثمانية مرحلة الاضمحلال الطويلة بسبب الحصار الأوروبي الطويل!

لقد حدث ذلك كلّه في سياق الحرب الاستعمارية العنصرية المفتوحة ضدّ جميع أمم الأرض من جهة، وللإجهاز على ما تبقّى من العصر العربي الإسلامي/الأممي من جهة أخرى، فشملت الحرب جميع الميادين: الفكرية والنفسية والروحية، والسياسية/الجغرافية، والاقتصادية والاجتماعية (تماماً مثلما هو الحال اليوم). وبالطبع فإننا لو أخذنا اليوم بالخطابات الموجّهة إلينا، في سياق هذه الحرب الظالمة المستمرّة، فسوف يكون لزاماً علينا أن نتحمّس لتمزيق كلّ قطر عربي (بذريعة الخلاص من التخلف والاستبداد) مثلما تحمّسنا بالأمس لتمزيق الرابطة العثمانية للتخلّص من التخلّف والاستبداد اللذين عانت منهما شعوب الرابطة فعلاً!

غير أنّ الخطابات والسياسات الاستعمارية، المركّزة المستمرّة، بمضامينها وأهدافها التي أصبحت بديهيات ومسلّمات على نطاق دولي واسع، لم تحل دون صدور إشارات أوروبية نادرة مخالفة للمزاعم الاستعمارية العنصرية، وعلى سبيل المثال فقد ورد في إحدى الموسوعات التاريخية الفرنسية ما يلي:

‘عزا البعض سبب السعي وراء الاكتشافات (الاكتشافات = الحملات الاستعمارية) إلى تقدّم الأتراك في آسيا الصغرى وفي حوض المتوسط الشرقي، وإلى قطعهم طرق التجارة القديمة بين الهند والغرب، ولكن من الثابت أنّ الأتراك لم يقفوا موقفاً عدائياً من التجارة مع الغربيين، فقد جدّدوا تكراراً وبملء رضاهم المعاهدات التجارية مع البندقية وجنوا، وتقيّدوا بما كانت تنصّ عليه، وحافظوا على حرّية طرق القوافل المارّة في بلاد فارس والطرق البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وما أن فتح سليم الأول مصر (عام 1514) حتى بادر إلى تجديد المعاهدات التي كان المماليك قد عقدوها مع البندقية، وفي العام 1528 وقّع خليفته سليمان معاهدة مع فرنسوا الأول، فجاءت السفن الفرنسية تنافس البندقيين في الإسكندرية، بل إنّ الأتراك خفّضوا الرسوم التي فرضها المماليك على الأفاويه من عشرة بالمائة إلى خمسة ثم ثلاثة بالمائة. كلاّ، ليـــس للأتراك أيّ ضلع في أزمة الأفاويه التي نجمت عن ظروف أخرى’! (موسوعة ‘تاريخ الحضارات العام’ الفرنسية).

في المقابل تتحدّث الموسوعة الفرنسية نفســـها عن النــــجاحات التي حققتها الحملات الفرنسية في إحدى المستعمرات جنوب الأطلنطي، بعد إلحاق الهزيمة بالأسطول البرتغالي، فتقول:

‘أفلح الفرنسيون في استمالة البلديين (سكان المستعمرة البرتغالية السابقة) وذلك بلطفهم، وصدق معاملتهم، وتساهلهم وحسن التفاتتهم، فحين تأكّدت لهم رغبة قبائل البوتيغوارا في أكل لحوم البشر رتّبوا خدمة منتظمة وظيفتها نقل الزنوج من غينيا وتقديمهم مأكلاً لقبائل البوتيغوارا’! (المرجع السابق- ص 490).

لن ندخل هنا في تفاصيل قضية العهد العثماني والرابطة العثمانية، ونكتفي بالقول أنّ قيام تلك الرابطة كان في جوهره التاريخي انكفاءً عربياً إسلامياً، من الأممية الأوسع إلى أممية أضيق، أي إلى رابطة إسلامية دفاعية، محاصرة منذ بداياتها بالعصر الجديد الأوروبي العالمي. وبالطبع، فإنّ ذلك الانكفاء، الذي لم يكن تقدّمياً وعمرانياً وأمميّاً بل دفاعياً في المقام الأول، هو علامة في غير صالح العرب والمسلمين!

لقد صار همّ الدول الإسلامية المنكفئة، المتّحدة في نطاق الرابطة العثمانية المحاصرة، مقتصراً على مجرّد الدفاع عن وجودها ضدّ تواصل موجات الحروب الفرنجية، سواء أكانت الرابطة تهاجم وتتقدّم أم تهاجم وتتراجع، فالعالم كان قد أصبح أوروبياً منذ تحققت السيطرة على المراكز العالمية الإستراتيجية في حوض المحيط الهندي، وعلى طرق التجارة الدولية، وإنها لمعجزة حقاً أن الرابطة العثمانية نجحت في البقاء على قيد الحياة أكثر من أربعة قرون، وأنّ أطرافها من الشعوب، وبخاصة العرب، بقوا على قيد الحياة حتى يومنا هذا، ولم يتحقّق استئصالهم كما استؤصلت شعوب أخرى، وهذا كلام واقعي، حيث جرت محاولة استئصال الجزائريين وفشلت، وما زالت محاولة استئصال الفلسطينيين مستمرة!

وجدير بالذكر أن أطراف الرابطة العثمانية، التي نخرها الفساد أخيراً من داخلها وأنهكها الحصار المفتوح من خارجها، قد تفرقوا بعد الحرب العالمية الأولى، وصار كل طرف ليس مهتماً بنفسه وحسب بل كارهاً لأخيه السابق في الرابطة أكثر من كرهه للاستعمار الأوروبي، فمهّد ذلك لمزيد من الانكفاء العربي والإسلامي، بحيث نرى اليوم القومية الواحدة، أو الأمة الواحدة، مهدّدة بالتحوّل إلى مدن/ دول غير متّحدة، متباغضة ومتحاربة، ومنخرطة في ركاب التحالف الأوروبي/الأمريكي، ولنلاحظ كيف أصبح بعض المنكفئين اليوم كارهاً للمقاومة الفلسطينية وغير الفلسطينية، المسلّحة وغير المسلّحة، ربّما أكثر من كرهه للعدو الصهيوني!

في عام 1910 كانت الكتلة النقدية الدولية (أي العملة الصعبة) تقدّر بحوالي 600 مليار فرنك فرنسي، تستأثر بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا لوحدها بحوالي 80′ من مجملها (476 ملياراً) أما بقية الكتلة النقدية (121 ملياراً) فكانت موزعة على ثلاث عشرة دولة أوروبية (معها اليابان فقط من خارج أوروبا) ولم يكن ثمة وجود في اللائحة لدولة الرابطة العثمانية بشعوبها الكثيرة وأوطانها الكبيرة، فهي كانت في عداد الدول المكبّلة بالديون والمهدّدة بأساطيل الجباية الحربية! وفي عام 1919 جرى توزيع أشلاء الرابطة على المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، الذين صاروا يسيطرون على مستعمرات بلغت مساحتها 72′ من المساحة الإجمالية للكرة الأرضية، ويعيش فيها 70′ من سكان العالم!

الخلاصة: لقد أصبحت الرابطة العثمانية في ذمّة التاريخ، وهي لن تعود أبداً، لكنّ الإشكالية المعرفية بصددها لا تزال تفعل فعلها السلبي في حياتنا المعاشة، الأمر الذي يستدعي استكمال معرفتنا بتاريخ العصر الأوروبي الأمريكي، وتحديد موقع أمتنا منه وفيه، في الماضي والحاضر والمستقبل، وتصحيح أدائنا وخطابنا بما يتفق مع حقائق تاريخه، فالجهل بهذه الحقائق كلفنا الكثير، وسيكلفنا أكثر في حال استمراره!