المؤسسات الفلسطينية بالبرازيل…غياب التنظيم وغياب الحوار

جادالله صفا ـ البرازيل

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2091 )

الوضع المؤسساتي بالبرازيل ما زال على حاله ووضعه، ان لم اقل انه تراجع قليلا، نسبة الى الماضي والى ما تم طرحه بالعديد من المقالات السابقة، والاستمرار بطرح الموضوع يهدف بالاساس لتحميل المسؤولين الذين اخذوا على عاتقهم مسؤولية اعادة الروح وبث الحياة بمؤسسات تكون قادرة على اعادة الحركة بوسط الجالية الفلسطينية ومؤسساتها وتحميلهم مسؤولية فشلهم، وان تقف هذه الاطراف امام مسؤوليتها لبناء مؤسسات فلسطينية للجالية وليس لتوجهات او مصالح ذاتية محصورة ومحشورة لا تلبي الحد الادنى من متطلبات الجالية الانسانية والثقافية والاجتماعية والوطنية.

لا بد من الوقوف امام اهم العقبات التي تعترض اعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وبث روح الحياة لها، واعادة الاعتبار للجالية الفلسطينية ودورها وادائها، قد يتخيل المرء انه بتلك السهولة قد تعود الامور الى مجاريها الطبيعية اذا اخذت السفارة الفلسطينية مثلا قرارا باعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على اسس ديمقراطية، فالسفارة الفلسطينية وقرارها ليست العقبة الوحيدة وانما هناك ايضا عقبات اخرى تشكل عائقا، هذا اذا كنا نبحث عن مؤسسات ديمقراطية وتمثيلية للجالية الفلسطينية، ولا نبحث عن مؤسسات ذات توجهات محدودة تصب بخدمة موقف او وجهة نظر او مصالح فردية او فئوية، وهذه الحالة لا تنطبق على المؤسسات الفلسطينية وانما على المؤسسات العربية بشكل عام، ولكن بموضوعنا هذا سنخص المؤسسة الفلسطينية، وبامكان القاريء ان يرى الواقع العام للجالية العربية بالبرازيل من خلال هذه الرؤية، رغم وجود جاليتنا الفلسطينية خارج اطار المؤسسات العربية العامة والشاملة.

من العقبات التي تواجه اعادة بناء مؤسسات الجالية الفلسطينية هو عدم التعامل مع الواقع الحقيقي لطبيعة الجالية الفلسطينية، من قبل المهتمين بهذا الشأن، فالذي ينظر الى الجالية على اساس انها جالية متجانسة ومتساوية ولا توجد فوارق وفروقات داخلها، فهو يجافي الحقيقة والواقع، فواقع الجالية اليوم يختلف كليا عن واقعها بداية تاسيس الجمعيات الفلسطينية خلال عقد الثمانينات، حيث هيمنت بتلك الفترة عقلية العائلية والعشائرية على عمل الجمعيات الفلسطينية والجاليوية، اما اليوم فتجد العشرات والمئات من الخريجي وطلاب الجامعات الذين عاشوا طبيعة مجتمعية تختلف كليا عن طبيعة المجتمع العربي الفلسطيني، وعرفوا فلسطين من خلال الجامعة والبيت، قلائل جدا اولئك الذين عادوا الى فلسطين وغادروها لاحقا، اعدادا كبيرة منهم عاشروا خلافات سياسية وخلافات عائلية وتجارية عاشروها وعاشوها منذ الصغر، كبروا يحملوا بعض السلبيات معهم، هذا واقع جديد تمر به جاليتنا الفلسطينية، والمهتمين بهذا الشأن منقسمين على انفسهم، جزءا يبحث عن جمعيات ومؤسسات فلسطينية بالعقلية القديمة، واخر يريد الغاء جزء من الجالية الفلسطينية والغاء اي دور لهم على قاعدة التجديد، ولكن هذا التجديد غير قائم على اسس ديمقراطية، وانما على عقلية عنصرية، تاخذ طابعا عنصريا وتمييزا بالتفريق بين ابناء الجالية، لا نريد الماضي وسلبياته واتركوا للاجيال الجديدة ان تاخذ زمام المبادرة.

هذا الجيل الجديد ايضا يصطدم مع بعض ابناء الجالية واعني بالذكر مع مجموعات محسوبة على اليسار الفلسطيني، وتدخلات ببعض الحالات من ابناء الجالية الفلسطينية القدامى، هذه التدخلات قد تكون سلبية او ايجابية بوجهة نظرهم حسب المفهوم السياسي والتبعية، وهنا ببعض الحالات تجد منهم نفورا عندما يتم انتقاد موقفهم السياسي من ما يجري بالساحة الفلسطينية، فهم لا يعرفون واقع الحركة السياسية الفلسطينية العامة، فاكثرهم وعيا لا يعرف شيئا عن اوسلو او خارطة الطريق، ولا يعرفون اطلاقا عن التوجهات السياسية الفلسطينية او وجهات النظر السياسية بالساحة الفلسطينية، وباغلب الحالات يعرفون ان هناك ثلاثة اطراف فلسطينية هي حماس وفتح والجبهة الشعبية، وان خلافات هذه الفصائل قد اضرت بالوحدة الفلسطينية ووحدة الجالية، وهم بالواقع والاغلبية الساحقة منهم لا تعرف مباديء وخط اي فصيل فلسطيني، وتجدهم بهذه الحالة يدافعون عن اخطر التوجهات السياسية بالساحة الفلسطينية سياسة التنازلات والتفريط دون ان يدركوا ذلك على اساس انها شرعية ويجب ان ندافع عن مواقفها وحركتها، دون معرفة صحة وخطأ سياسة هذه الشرعية، وهنا تاتي خطورة الخطوات التي تمارسها السفارة وقيادة الاتحاد التي تقف عائقا امام هذا الجيل الذي لا يتكلم العربية من معرفة التوجهات السياسية بالساحة الفلسطينية وطبيعة الخلافات القائمة وتجعل هناك فاصلا بين الجالية ووجهات النظر بالساحة الفلسطينية المعارضة لسياسة هذه السلطة.

الواقع الفلسطيني اليوم يتطلب من المسؤولين والمهتمين باوضاع الجالية واعادة بناء مؤسساتها، يتطلب من الجميع التاكيد على تاسيس لجان فرعية للاتحادات الشعبية الفلسطينية، التي تضمن اكبر واوسع مشاركة فلسطينية للجالية الفلسطينية، فهناك الطلاب والمحامين والاطباء والمهندسين والمعلمين والاعلاميين والشباب والمرأة والتجار، جيل اول وجيل ثاني وثالث، هناك غني وفقير، ووجهات نظر سياسية مختلفة، ونشطاء وطاقات كامنة، فما هي افضل الاشكال التنظيمية لاعادة بناء مؤسسات جالية لكل هذه الفروقات؟ من يحق له ان ينتمي الى هذه المؤسسة الفلسطينية ومن لا يحق له؟

الفروقات الاقتصادية والمالية بين ابناء الجالية الفلسطينية، ايضا تلعب دورا اساسيا بشل الحركة بالعديد من المناطق، فاغنياء الجالية واصحاب رؤوس الاموال قلائل، وهناك قطاع واسع من هذه الفئة يرفض ان تكون رئاسة الجمعيات والمؤسسات من خارجها، فهذه المجموعة ترى الاشتراك المالي عبئا على ابناء الجالية الفلسطينية بالمؤسسات، وهي على استعداد لتمويل نشاطات او تحركات يضمن لها قيادة العمل الجاليوي، وقطاع واسع من هذه الفئة يرى بالديمقراطية الحقيقية بهذه المؤسسات التي يضمن لها الفوز، اما الجزء الاخر من الجالية الاقل قدرة اقتصادية ومالية من الاغنياء فهو يرى بالجمعية والمؤسسة الفلسطينية عبئا قد تترك نتائج سلبية على عمله وتجارته، والدافع بذلك ان الجمعية والمؤسسة لا تقدم له شيئا، ولا يرى بها املا قد يصل من خلالها الى ما يطمح اليه، فالجمعيات والمؤسسات الفلسطينية التي كانت اهدافها دائما بالاساس وطنية، ورغم تشكيلها للعديد من الفرق الفنية الا انها لم تتمكن من توفير خدمات لصالح الجالية الفلسطينية، بما يعزز دورها ويؤكد على نفوذها وامكانياتها وطاقاتها وتوفير الراحه لابناء الجالية، وان تكون جسرا لتعزيز وتعميق الروابط الاخوية بين الجالية الفلسطينية والمجتمع البرازيلي

اعادة بناء الاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية بالبرازيل على اساس تمثيلي واسع للجالية الفلسطينية وعلى اسس ديمقراطية شفافة، يتطلب ان ياخذ بعين الاعتبار الفروق الاساسية بين ابناء الجالية الفلسطينية، وعدم اسثناء اي فئة او طرف او رأي، وهذا لا يقع على عاتق مجموعة وانما على عاتق كل من هو حريص على اتحاد وجمعيات تمثيلية حقيقية بكل تجمع فلسطيني، اما الذين يقولون ان تكون وجهات النظر السياسية التي تمثل حالة خلاف بالساحة الفلسطينية خارج المؤسسات الفلسطينية، بالواقع هذه الاصوات هي تريد استثناء قطاعات واسعة، وهذه القطاعات هي تلك التي تعارض السياسة التفريطية للقيادة الفلسطينية، ويريدون من مؤسسات فلسطينية ان تتنازل عن صفد بلد الرئيس الفلسطيني، ويريدون ان يقولوا ان حيفا ليست فلسطينية، فالحريص على العمل الوطني والحريص على وحدة الجالية هو ذلك الانسان الذي لا يستثني احدا من ابناء الجالية بغض النظر عن مستواه التعليمي، او قريته او مركزه العائلي او الطبقي او جنسه او من كان اباه، وان لا يستثني وجهات النظر السياسية بين ابناء الجالية الفلسطينية، فاذا فعلا كانوا حريصين على وحدة الجالية ورفع مستواها الثقافي والسياسي والنظري عليهم ان يضعوا الجالية الفلسطينية وبالاخص الجيلين الثاني والثالث بصورة الوضع السياسي والخارطة السياسية الفلسطينية من خلال دعوة العديد من ممثلي وجهات النظر المختلفة لطرح وجهة النظر من كافة القضايا التي تمر بها الساحة الفلسطينية من حالة تردي، فحماس ليست مسؤولة عن حالة الانقسام بدون حركة فتح وبدون تحميل اليسار الفلسطيني ايضا مسؤولية، فهل رئيس الاتحاد العام للمؤسسات الفلسطينية قادر على تحديد مسؤولية اي طرف بالساحة الفلسطينية عن هذه الحالة المتردية؟ بكل صراحة اقول لا، وهنا تكمن المصيبة.