التوظفيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطابنا (الحلقة الاولى)

د. مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2098 )

مقدمة

لماذا نناقش الخرافات التوراتية اليهودية؟

لا تكمن جذور الصراع العربي ـ الصهيوني في الابعاد والعوامل الدينية، بل في المصالح والتناقضات الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية للاطراف المتصارعة. فلسنا، إذن، امام صراع ديني وإن كان يتخذ لبوس الدين في كثير من الاحيان ولا يخلو من تجليات دينية على مستوى الحدث وتسييس الدين والتفاعلات السياسية والاجتماعية، بل إننا أمام مشهد تتداخل فيه وتتفاعل ديناميكيتان أساسيتان:

1) التوظيف الصهيوني للديانة اليهودية والخرافات الدينية الغيبية (النبوءات التوراتية تأويلاتها اليهودية ـ الصهيونية[1] والمسيحية البروتستانتية[2])، والتي وُظفت في التأسيس لادعاء “الحق الديني والتاريخي” لليهود في فلسطين؛

2) التلقي العربي لهذ المقولات والتعامل معها عبر الخطاب الديني والاعلامي والسياسي. وسيكون الرد الديني محور النقاش الرئيسي في هذه المقالة لما له من حضور دائم وعميق في مجتمعاتنا وبين جماهيرنا، ومن حيث قدرته على إختراق الوعي الشعبي والتأثير في تكوينه وتحديد مفرداته وأفكاره وأدواته.

في إطار هذا الفهم للابعاد الدينية ودورها في الصراع العربي ـ الصهيوني، فان تناولنا للخرافات الدينية والنبوءات التوراتية، قد يستدعي تلمس بعض الجوانب الدينية واللاهوتية:

□ التي لا نتناولها من منظور ديني، بل من حيث توظيفاتها السياسية، وبقدر ما تعيننا على فهم إستراتيجية العدو التي وظفتها الحركة الصهيونية في كسب الدعم الجماهيري اليهودي (في التجمعات اليهودية الموزعة في أنحاء العالم) والدعم الرسمي والشعبي في الغرب الراسمالي (المجتمعات المسيحية الغربية)؛

□ وبقدر ترابطها بالمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين والمشروع الامبريالي في فضائه الاوسع ضد الوطن العربي؛

□ وأخيراً، بقدر ما تسهم في إستشراف إستراتجية المقاومة للمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني.

□ وعليه، فلسنا بصدد المعالجة اللاهوتية لهذه النبوءات، لبس إنتقاصاً من أهمية وضرورة هذه البحوث في فهم العدو ومكوناته الثقافية، بل لاننا سنحصر نقاشنا في التوظيف السياسي الصهيوني لهذه الخرافات، من جهة، وتعامل خطابنا الديني في رده عليها، من جهة اخرى.

وتجدر بنا الاشارة، قبل الولوج الى موضوعنا، الى ملاحظة هامة وهي ان الصهيونية لم تُوظف النبوءات التوراتية فحسب، بل سعت، منذ المراحل الجنينية للفكرة الصهيونية السياسية، الى إستخدام كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية واللاهوتية الاوروبية في خدمة وتبرير سياساتها ولم تتورع، في مسعاها هذا، عن إستغلال الفكر الثوري والاشتراكي وحركاته المتنامية في ذلك العصر. إلاّ أن هذا يجب الا يعمينا عن رؤية الجوهر الاستيطاني والعنصري والفاشي للايديولوجيا الصهيونية.

سنبدي في الجزء الاول بعض الملاحظات النقدية حول عبثية الرد الديني على النبوءات التوراتية، ننتقل بعدها الى محاولة تفسير هذه الخرافات ـ متخذين كذبة “العودة” الى “أرض الميعاد” كنموذج ـ من خلال قراءة هذه النبوءات من منظور توظيفها لخدمة الاهداف السياسية للصهيونية وفي سياق تاريخ الجماعات اليهودية وتطورات حياتهم عبر القرون.

(1)

عبثية الرد الديني

تكمن مواطن الخلل الاساسية في الخطاب الديني[3] حيال المقولات اليهودية ـ الصهيونية في جوانب عديدة، نذكر أهمها:

1) مخاطر هذا النهج على مستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني ومشروع مقاومته.

2) عجز الخطاب الديني عن صياغة برنامج عملي: فالخطاب الديني لا يمكن ترجمته الى فعل بشريٍ واعٍ ومنظم، وبالتالي تتعذر صياغة برنامج نضالي عملي.

3) فشله في إحراز نتائج ملموسة على عدة مستويات:

ـ فقد فشل في توعية الجماهير العربية وتعبئتها وتحريضها وتنظيمها في النضال ضد العدو الصهيوني، بل كثيراً ما عمل على إيقاظ المشاعر الدينية العنصرية والنزعات الطائفية.

ـ لم يساهم في التأسيس لمشروع مقاومة للاحتلال والمشروع الصهيوني والراسمالي برمته (دون التنكر لنضال الحركات الاسلامية المقاومة في لبنان وفلسطين، والتي تكافح ضد الاحتلال والمشروع الصهيوني على أسس وطنية وقومية لا على مرتكزات الخطاب الديني).

ـ لم يوفق الخطاب الديني في كسب التأييد العالمي لقضايانا سواء على المستوى الرسمي او الشعبي.

نهج الخطاب الديني

يعجز الخطاب الديني عن تحليل الواقع القائم وتفسير تطوراته ومتغيراته لان التفسير الديني بطبيعته تفسير نصوصي يفتقر الى التحليل المادي التاريخي ويرتكن، في فهم الواقع والطبيعة والمجتمع والتاريخ، الى قوى غيبية ومشيئة ربانية وتفسيرات ميتافيزيقية مثالية. وهي أدوات لاتاريخية تعجز عن فهم الصراع في بلادنا وطبيعة تناقضاته ومكونات العدو الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني.

1) يخفق الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في فهم وتفسير أوضاع الجماعات اليهودية وتطور الحياة اليهودية في المجتمعات التي عاشوا فيها. ولهذا السبب فانه يخفق أيضاً في فهم السياق الذي نشأت في إطاره الصهيونية وعلاقتها بهذه الجماعات بكافة فئاتها (الفقيرة والبرجوازية، المندمجة في المجتمعات التي كانت تقيم فيها أو المنعزلة عنها، المتدينة أو العلمانية…).

قد يكون الجهل المعرفي لهذه الاوضاع احد الاسباب الهامة وراء ذلك، إلا انه حتى عندما يتوفر الكم المعرفي والمعلوماتي، فان الخطاب الديني لا يرقى الى المنهج التحليلي لفهم التاريخ والقوى المحركة له كديناميكية حيّة والى فهم التناقضات بين القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية كعامل أساسي في صنع التاريخ وحركته.

2) كما يخفق الخطاب الديني في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في إطار تطور حياة وأوضاع الجماعات اليهودية عبر العصور وعبر المجتمعات. ومن هنا، وللسبب ذاته، فانه يفشل في فهم الدور الذي لعبته الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية في نشوء الدعوة الصهيونية وتبلورها كحركة سياسية تدّعي تمثيل المصالح اليهودية وتعمل على حل المسألة اليهودية باقامة “وطن قومي” لليهود في فلسطين، من جهة، وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية كوليدة وأداة لها، من جهة اخرى.

3) بالاضافة الى ان الخطاب أو التفسير الديني لا يلتقط ولا يعير الاهمية لتلاقي المصالح وتحالف الصهيونية مع الراسمالية العالمية.

لهذا الاسباب وغيرها، يعجز الرد الديني عن تفسير جذور وأسباب الصراع العربي ـ الصهيوني وحلوله تفسيراً موضوعياً بل نراه ينسج من حوله الاوهام والغيبيات.

مخاطر نهج الخطاب الديني

أ ـ تديين الصراع وتسييس الدين: للاسباب المذكورة، فان الرد الديني يقدم فهماً مشوهاً لاسباب وجذور الصراع ويتوه في مطلقات غيبية تؤدي الى الانزلاق في تديين الصراع أي التأسيس لفهم الصراع في بلادنا على أنه صراع ديني، فيتحول صراعنا مع الصهيونية وكيانها الى صراع مع اليهودية واليهود، أما صراعنا مع الامبريالية الاميركية والراسمالية العالمية فيصبح حرباً ضد النصارى والصليبيين والكفّار. ان السقوط في فخ تديين الصراع في بلادنا لهو كارثة، بل هو أكبر المخاطر التي تحيق بنضالنا ومستقبلنا، ناهيك عن ان الصهيونية والغرب الراسمالي دأبا لعقود طويلة على تغذيه وتسعير مثل هذه المفاهيم.

ما نود ان نخلص اليه هو ان مثل هذا النهج يؤدي الى طمس وتشويه طبيعة الصراع ومعسكر الاعداء؛ والى تشخيص العدو على أساس مكوناته الدينية. ويفضي هذا بدوره الى اعتبار ان صراعنا هو مع اليهودية (كديانة) واليهود (كأتباع لهذه الديانة) مما يحرف بوصلة نضالنا عن العدو الرئيسي: الصهيوني. كما ام مثل هذا الوهم يفرش الارضية للتمييز على أساس الدين وتسعير النزعات والاحقاد الطائفية. وعليه، فانه في أجله البعيد وفي رده الديني على “يهودية” الدولة الصهيونية، يفضي الى طرح الحلول الدينية والطائفية البديلة في بلادنا والدعوة الى إقامة كيانات “دينية” كنقيض للكيان الصهيوني، تقوم هي ايضاً على حوامل دينية ونزعات طائفية. ولا يخفى ان مثل هذه الدعوات تلقى الكثير من “الترحيب” والصدى من العديد من القوى والنزعات كما انها تجد في واقعنا الراهن تربة خصبة لها.

ب ـ عبثية السجال الديني: دون الانتقاص من الجوانب الدينية واللاهوتية والفكرية التي تهم المعنيين والباحثين بهذا الشأن، إلا أن الرد الديني على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية والدحض اللاهوتي للنبوءات التوراتية من منظور توظيفاتها السياسية، يجرنا، بحكم كونه جدلاً دينياً، الى المحاججة الدينية المعاكسة ويوقعنا في فخ السجال الديني العقيم وتصوير صراعنا مع الصهيونية والغرب الراسمالي على أنه صراع ديني.

وتتجلى عبثية مثل هذا النهج في انه يحرمنا من فرصة تقديم نقد موضوعي تاريخي يستند الى وقائع التاريخ وحقائقه، إضافة الى أنه يخلق الانطباع باننا نعادي اليهودية كعقيدة دينية مهما حاولنا تفادي هذا الانطباع الذي تحرص الدعاية الصهيونية دوماً على تعزيزه. ونكون بذلك قد قدمنا للصهيونية سلاحاً مجانياً وإضافياً لإلصاق تهم العنصرية والشوفينية والتعصب الديني بنا وبنضالنا وبقضايانا العادلة. فالعدو الصهيوني غير معني بمثل هذا الجدل الذي مرّ عليه أكثر من قرن، بل لعله معني بالمزيد من إلهائنا وحرفنا عن المعارك الرئيسية.

بالرغم من أن العديد من مفكري الحركة الصهيونية وقادتها السياسيين، بما فيهم مؤسسها ثيودور هرتسل، كانوا من العلمانيين والملحدين، فقد أتقن الصهاينة توظيف الدين ومقولاته في خدمة مشروعهم منذ بداية الفكرة الصهيونية، ولاحقاً في تغذية الهجرة والاستيطان الصهيوني لفلسطين.[4] ولم يتوقف هذا التوظيف يوماً حتى بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، وما زلنا نشهده يومياً في نهب الارض العربية وبناء المستوطنات الصهيونية في مرتفعات الضفة الغربية المحتلة. ولم يتواني الصهاينة وحاخاماتهم يوماً عن إستحضار كل ما اوتوا به من أساطير توراتية لتبرير جرائمهم.

أما دحضنا ومحاججاتنا لمقولاتهم الدينية على مدى قرن من الزمان، فقد ذهبت أدراج الرياح، لانهم لم يأبهوا يوما بها. ولعل ما قاله الحاخام ياكوف سافيرونقلته وكالات الانباء (30 مايو 2009) يعبر عن هذا بجلاء: “ان الانتقادات الدولية للاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية” سخيفة لان الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب ان يرحلوا الى مكان آخر”، ثم أضاف: “ان هذه الأرض هي ارض يهودية – انها ديارنا”.

أما السجال الديني مع الغرب المسيحي فهو هدر للطاقات لا جدوى منه، بالرغم من الترويج الذي نشهده منذ سنوات ل”حوار” الاديان والثقافات. فرأس المال لا دين له ولا ثقافة سوى الربح والربح الاقصى. أما السياسة، فهي مصالح إقتصادية وسياسية واستراتيجية لا تجدي فيها جلسات الحوار الصوفية. وبعد هذا فانه لا يهمنا الكلام المعسول من مفردات الحوار والتسامح … الى آخر تلك المعزوفة الممجوجة. الغرب الراسمالي في مستواه الرسمي، مستوى قواه المهيمنة وطبقاته الحاكمة، معني فقط بمصالحه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية: نهب ثروات الشعوب والهيمنة على مقدراتها. أما على المستوى الشعبي، مستوى الثقافة الشعبية المسيحية الغربية، فان الغرب يصدق ما يقوله الصهاينة وحاخاماتهم. والى أن نعود الى هذه المسألة لاحقاً، نكتفي الآن بالقول بان الغرب قد إستدخل المقولات الدينية اليهودية في معتقداته الايمانية وشعائر عبادته كما في ثقافته ومنظومة قيمه فأصبحت هذه المقولات احدى المكونات الهامة لهويته الثقافية.


[1] هي يهودية من حيث مصدرها كمكونات للعقيدة اليهودية، ولكنها ايضاً صهيونية من حيث توظيفها في خدمة الاهداف السياسية للحركة الصهيونية.

[2] نقصد بالخرافات، في سياق هذه المقالة، جملة الاساطير والخزعبلات التي تبنع من النبوءات التوراتية اليهودية وتأويلاتها البروتستانتية التي يتمحور حولها السرد اليهودي ـ الصهيوني، وأهم هذه الاساطير: أن اليهود “شعب الله المختار”، وأنه وفقاً “للوعد الالهي” يتوجب عودة هذا الشعب الى موطنه الذي وعده الله به، “ارض الميعاد”/ فلسطين، إلا ان هذه العودة لا تتأتى إلا بمشيئة الهية. وتشكل هذه العقيدة شرطاً ومقدمة ضرورية “لمجيء المسيح الثاني”.

[3] لا يتسع المجال في هذه المقالة لمناقشة كافة أبعاد الخطاب العربي بجوانبه الاعلامية والسياسية والاخلاقية والقانونية. وعليه، سيقتصر نقاشنا على الخطاب الديني في رده على الادعاءات اليهودية ـ الصهيونية.

[4] لعلها مفارقة أليمة انه في حين أتقن القادة الصهاينة العلمانيون توظيف الادعاءات الدينية، وحذقوا في الجمع بين العلماني والملحد والمتدين المتشدد على خدمة مشروعهم ببراجماتية غير معهودة، نرى ان قادتنا ومفكرينا ومثقفينا يتعثرون في إقامة تحالف قوى المقاومة بمختلف منابعها القومية والاسلامية والاشتراكية.