من حروب بوش الوقائية إلى حروب أوباما العادلة

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2099 )

قبل أن ياتي إلى النروج ليتسلم جائزة نوبل للسلام كان الرئيس باراك أوباما قد وقع أمراً بزيادة عدد القوات الأمريكية في افغانستان بمعدل ثلاثين ألفاً، كما دفع نحو تعميق الحرب في باكستان سواء تلك التي يخوضها الجيش الباكستاني بالنيابة عن الأمريكي، أم عبر القصف اليومي الذي تقوم به الطائرات الأمريكية بدون طيار فتقتل العشرات كل أسبوع داخل مناطق القبائل الباكستانية. أما في العراق ما زال الوضع على حاله على الأرض فشركات المرتزقة والجيش الأمريكي وأضخم سفارة أمريكية في العالم تتحكم بمقدرات ومصير البلد، ولولا المقاومة المستمرة لها لصار كل شيء بيدها. وفي فلسطين تبخرت بسرعة الأوهام التي عُلقت على مجيء السيد أوباما فلم يستطع إجبار اليمين الصهيوني على مجرد ايقاف الاستيطان، كما يتصاعد الحصار المضروب على غزة أملاً في إخضاعه من جديد للمشيئة الصهيونية، وفي أمريكا اللاتينية حصلت الولايات المتحدة على ستة قواعد عسكرية في قلب القارة في كولومبيا لتدخل تلك القارة في سباق تسلح جديد، ولم يستطع الرئيس تنفيذ وعده في إغلاق معتقل غوانتنامو.

هذا هو سجل الرئيس الذي جاء ليستلم جائزة السلام، حرب جديدة، وحروب متصاعدة، ومزيد من عسكرة العلاقات الدولية. ولا بد أنه شعر بالحرج فهو رئيس ذكي سريع البديهة على عكس سلفه، لذلك التقط هذه المفارقة فتحدث عن مفهوم الحرب العادلة ليبرر نشاطه العسكري المتصاعد، لكن مَن مِن الرؤوساء الأمريكان كانت حربه غير عادلة؟ كلهم ذهبوا للحروب على مضض.

في دراسة مهمة- ككل اعماله- يشير الباحث العربي منير العكش إلى كتاب وثائقي عثر عليه بالصدفة للمؤرخ رسل بوهايت عميد كلية العلوم والفنون بجامعة ميزوري- رولا يضم بين دفتيه الخطابات التي برر بها 42 رئيس أمريكي حروبهم. يقول الكاتب:

“في الكتاب مئة وخطبتان تتكرر مفرداتها وتعاد حججها من حرب إلى حرب، ومن جيل إلى جيل، وكأنها تقمص وتتناسخ ولا يتغير فيها إلا الزمان وعناوين الموتى: “أمريكا أكثر الأمم حبا للسلام، وهي لا تذهب للحرب إلا على مضض”، الرئيس وودر ويلسون. وهي في كل حروبها لم تقتل إنساناً، فكل ضحايا هذه الحروب التي تتحدث عنها خطب الرؤوساء كانوا “وحوشاً” أو ينتمون بنسبة متفاوتة إلى البشر”.

ويلاحظ المؤرخ أن كل الرؤوساء قد أضفوا على حروبهم طبيعة خيرية تهون في سبيلها التضحيات أو ما يعرف في القاموس الأمريكي “الأضرار الجانبية”. وخطاب أوباما أثناء تلقيه جائزة نوبل لم يشذ عن هذه الوصفة الجاهزة، فالحروب مرفوضة إلا إذا كانت عادلة ولحماية الجنس البشري من المتوحشين، الإرهابيين الاسلاميين في هذه الحالة. وهو أيضاً يذهب للحرب على مضض!

وهذا المشهد الأوريلي الحقيقي، حيث تنقلب المعاني فيصبح السلام يعني الحرب، الذي شهدناه أثناء تسلم أوباما للجائزة لا يضاهيه سوى حقيقة الجائزة نفسها التي تسمي نفسها باسم السلام، فقبل سنوات انفجرت فضيحة أوريلية تتعلق بها و”هي فضيحة استثمار لجنة جائزة نوبل للسلام أموالها في صناعة الأسلحة، ومنها أسلحة محرمة دولياً، فقد كشفت حركة «المستقبل في أيدينا» النرويجية أن الواقع لا يعكس الصورة الظاهرة عن تلك الجائزة. فالحركة كشفت أن لجنة نوبل النرويجية تستثمر قسماً كبيراً من أموالها في شركات أميركية، كشركة «تيرو برايس» التي بدورها تستثمر أسهمها في شركات تصنيع الأسلحة ومنها شركة «لوكهيد مارتين» التي تصنع أجزاء من القنابل الانشطارية المحظورة دولياً وأجزاء لصواريخ تحمل رؤوساً نووية، إضافة إلى شركة «هانيويل» التي لها دور أساسي في تطوير برنامج الولايات المتحدة النووي”.( نقلاً عن جريدة الحياة اللندنية – 09/12/05). فضيحة عشية توزيع الجوائز الأشهر في العالم… لجنة نوبل داعية السلام تستثمر أموالها في صناعة السلاح!

كل شيء في عالم اليوم ينتمي إلى عالم جورج أوريل فالمعاني مقلوبة، فإذا تحدثوا عن السلام فاعرف أنها الحرب، وإذا قالوا بالرخاء فاعرف أنك مقبل على المجاعة، وإذا تحدثوا عن صحة الإنسان فاعلم أنهم يجهزون الأوبئة، وإذا اجتمع زعماء العالم لإنقاذ الأرض، كما في كوبنهاغن، فذلك يعني أن تقرأ الفاتحة على روح هذا الكوكب الجميل.

القاعدة المعروفة التي تقول إن الإمبرطور هو الإمبرطور هي ما أكد عليه الرئيس أوباما في خطابه “لا يمكنني أن أقف مكتوف الايدي في وجه التهديدات التي يواجهها الشعب الأمريكي” وكأنه بهذا يوجه صفعة لكل من نسج أوهاماً مصنوعة من لون بشرته، أو من أصله العرق، أو من انتمائه الديني، وهم كثر في العالم العربي. فقد نشر هؤلاء اوهاماً خدروا بها قطاعاً من أبناء أمتهم عن الرئيس الأسود، أبو حسين، الآتي لينقذهم من الدمار والموت والخراب الذي نشرته جيوش بلاده من أفغانستان إلى العراق والصومال مروراً بفلسطين. وأصيب بعضهم برعشة عميقة لأن السيد أوباما خاطبهم بجامعة القاهرة بتحية الاسلام واستشهد بآيات من القرآن، ووصل الأمر بأحدهم أن تغنى بحجاب مستشارته داليا مجاهد مقدماً إياها على أنها مثال نادر للمراة المسلمة التي ترتقي أعلى المناصب محافظة على حجابها، مع أن تاريخ الغزو الغربي للشعوب مليء بقصص نساء من شعوب محتلة ومن مختلف الطبقات وضعن أنفسهم بتصرف المحتل، فأدين كل الخدمات التي تطلبها الجيوش المحتلة، فكنَّ عيوناً وأدلاء لتلك الجيوش.

أين هؤلاء وما دبجوا من مقالات؟ لا بد أنهم يبحثون عن وهم جديد يخدرون به أبناء أمتهم.

بعيداً عن الأوهام التي تبخرت سريعاً في حالة الرئيس أوباما. فإن الملك هو الملك سواء كان الأبيض الواسب جورج بوش، أم الخلاسي باراك حسين أوباما، أم شخص أصفر البشرة من الأقلية الصينية، أم يتكلم الاسبانية من الأقلية اللاتينية. الملك هو الملك وكلهم أقنعة للحاكم الحقيقي الذي هو المجمع الصناعي- العسكري ذلك المجمع الذي حذر منه الرئيس لأمريكي ايزنهاور، ففي 17 يناير عام 1961 وجه الرئيس الأمريكي أيزنهاور خطاباً إلي الشعب الأمريكي أسماه خطاب الوداع. كان هذا آخر خطاب يلقيه كرئيس قبل أن يسلم السلطة إلي الرئيس الجديد جون كينيدي. وقد حذر ايزنهاور في هذا الخطاب من المجمع الصناعي- العسكري وخطورة تحالفه مع الجيش على الديمقراطية الأمريكية، ومما قاله أيزنهاور في هذا الخطاب:

“[…] وهذا المساء فإنني جئت إليكم مودعاً ومستأذنا في الإنصراف، وفي نفس الوقت فإن لدي بعض الهواجس التي أريد أن أفضي بها لكم حتى تشاركوني فيها و تحملوا أمانتها إن رأيتم صوابها […]”. علي أن أقول صراحة أن هناك الآن مجموعة صناعية عسكرية مالية سياسية وفكرية تمارس نفوذاً غير مسبوق في التجربة الأمريكية ومع أننا نتفهم الظروف التي أدت لنشأة هذه المجموعة فإننا لابد أن نحذر من وصولها إلي مواقع التأثير المعنوي والسياسي والعملي علي القرار الأمريكي، لأن ذلك خطر شديد علي المجتمع الأمريكي قبل أن يكون خطراً علي غيره […]. ومن سوء الحظ أن الثورة التكنولوجية التي تتدفق نتائجها علي عالمنا اليوم تساعد أطراف هذا المجمع الخطر وتزيد من قدراتهم وتمكنهم من السيطرة علي برامج الإدارة ومخصصات إنفاقها، خصوصاً أن قوة أموالهم توفر لهم تأثير فادح التكاليف علي مؤسسات الفكر والعلم[…]”.