التوظيف السياسي للنبوءات التوراتية: ملاحظات في عبثية خطابنا (الحلقة الثانية)

د. مسعد عربيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2100 )

ملاحظة:

بامكان القارئ مطالعة الحلقة الاولى على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=2149

* * *

ملاحظة في مصطلح “الغرب الراسمالي”

لا ينطلق مفهومنا “للغرب الراسمالي” من مفهوم عرقي او عنصري أو إثني او شوفيني. بل اننا نستخدم مفردة “الغرب الراسمالي” كمصطلح سياسي من منطلق فهمنا للتناقض الرئيسي في بلادنا على انه تناقض بين مشروعين متناحرين: (1) المشروع التحرري ـ التنموي ـ القومي العربي، و(2) والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني الذي يسعى منذ ما ينوف على قرنين من الزمن الى الهيمنة على بلادنا وشعوبنا بمقدراتها وثرواتها. وعليه، فان استخدامنا لمفردة الغرب الراسمالي يدلل الى مستويين:

أ ـ الغرب الرسمي: بطبقاته الحاكمة وقواه المهيمنة التي تقود مشروع الهيمنة على بلادنا وشعوب العالم الثالث والعالم باسره.

ب ـ الغرب الشعبي: ولا نقصد الانسان والفرد الغربي، بل ما يتضمنه ذلك من ثقافة شعبية ودينية ونظم قيمية وتاريخ وتراث…الخ. وهذا التحديد لا يعني معاداة الآخر الغربي المسيحي ولا يلغي وجود فئات وقوى سياسية واجتماعية مؤيدة لنضالنا وقضايانا، بل هو يبقي الباب مفتوحاً كي نلتقي مع هذه القوى ونحاورها ونناضل معها ولكن على ارضية برنامج مشترك يقوم على مبادئنا وثوابتنا الوطنية والقومية ويخدم قضايانا العادلة.

تحديات التعامل مع الغرب الراسمالي

مركزية اليهود واليهودية في الثقافة الغربية

بدءً، تجدر الاشارة الى ضرورة التمييز بين المقولات التوراتية لدى اليهود كما وردت في الديانة اليهودية، والمقولات الانجيلية (المسيحية) أي تلك التي تشمل التأويلات والتفسيرات (الحَرْفية) للمقولات التوراتية لدي المسيحيين وعلى وجه الخصوص أتباع الحركات والطوائف البروتستانتية.

وتنبع أهمية المقولات الانجيلية هذه من أنها تُعتبر أحد المنابع الرئيسية للثقافة السائدة في الغرب. وقد تغلغلت هذه المقولات، على مدى قرون طويلة، الى الوجدان الغربي ووعيه وثقافته الشعبية السائدة وأصبحت، في نظر الاغلبية الشعبية من المواطنين، “مسلمات” لا يرقى اليها الشك والتشكيك وليست قابلة للجدل أو التساؤل. ومن أهم تجليات هذه المقولات في العقلية والوعي الغربي هو تفرد اليهود وخصوصياتهم كشعب الله المختار وحقهم في العودة الى الارض التي وعدهم الله بها.

من هنا ندرك ان “مركزية” الموقع الذي يحظى بها اليهود والادعاءات اليهودية في الخطاب والثقافة الغربيين، تعود في جزءٍ هامٍ منها، الى العقيدة المسحية في المجيء الثاني للمسيح من أجل الخلاص البشري وإشتراط مجيئه هذا بعودة اليهود الى “أرض الميعاد” وفق المشيئة الربانية لتحقيق هذه النبوءة.[1] بهذا المعنى، فان خرافة العودة توضح أهمية هذه المقولة ودورها المركزي الذي يحظى به اليهود في الوجدان الغربي، وسيظل اليهود يحتلون هذا الموقع في الثقافة الغربية الى أمدٍ طويل، حيث ان المجيء الثاني للمسيح مرتبط بعودتهم الى فلسطين.

من هذا المنطلق فان الغرب يرى الصهيونية كحركة يهودية جاءت لإحياء الدين والتراث اليهوديين، وكآلية ووسيلة لتحقيق النبوءات التوراتية وتجسيد الحلم اليهودي في العودة. ومن هنا فان الغرب يرى ان الصهيونية فكرة وحركة قديمة قدم التاريخ.

هذا هو باختصار تفسير المسيحية وخصوصاً البروتستانتية لمقولات جاءت في التوراة ثم تكررت بمجملها في العهد القديم من الكتاب المقدس للمسيحيين.

خطابنا وخطابهم:

أين نجحوا وأين أخقفنا؟

لقد أتقن الخطاب الصهيوني استخدام وتجيير المفاهيم الغيبية والاساطير التوراتية لتحقيق مشروعه فأدخلها الى وعي اليهودي وإستدخلها هذا الاخير كوسيلة للخلاص اليهودي (الفردي والجماعي)، وتحقيق “الحلم اليهودي” في اقامة “الوطن القومي” في فلسطين، والتخلص من الاضطهاد “الازلي” لليهود. ولم تنجو من هذا الوعي المشوه سوى القلة القليلة التي تعارض الصهيونية على خلفيات متعددة من لاهوتية الى علمانية وسياسية وايديولوجية. أما الكثرة فقد إبتلت بهذا الوعي المشوه وتجسيده المادي في الكيان الصهيوني ومقولة “حق اسرائيل في الوجود”، فعجزت دون إستثناء عن تجاوز هذا “الخط الاحمر” بغض النظر عما أتت به من تبريرات وفذلكات تقدمية ويسارية وإشتراكية وماركسية وتروتسكية وغيرها. لقد فرشت الدعوة والدعاية الصهيونية في ذهن ووعي اليهودي، والى حد ما وعي المسيحي الغربي، (1) الارضية لفهم براجماتي لمصالحهم إستدخله كل من اليهودي والغربي المسيحي، كل في سياقه، حتى بلغ مواطن الوعي والوجدان (سواء كانت هذه المصالح شخصية أو جمعية، طبقية او أجتماعية أو اقتصادية، او تلبية لرغباتهم او قناعاتهم العقائدية والدينية، أو دغدغة لمشاعر النفي والمنفى والحنين الى صهيون…الخ)، (2) كما ان الصهيونية قدمت لهم مشروعاً وبرنامجاً (سياسياً وتنظيمياً وعملياً) لتجسيد هذه المصالح.

نخلص من هذا ان الصهيونية نجحت عبر سنوات الاستيطان وبناء الكيان الصهيوني، في المقاربة المستديمة بين الفكرة والمشروع الصهيونيين من جهة، ووعي اليهود من جهة اخرى (من حيث انها رأت فيهم مادة الاستيطان ووقود المشروع الصهيوني)، وخلقت الآليات لتضليل أتباعها وصهرهم في تنظيمات وجمعيات شحذت جهودهم في خدمة المشروع وأفكاره “ومثله” (نموذج الكيبوتس والهستدروت وغيرهما من آليات التلقين والعمل التنظيمي والدعاوي).

ولعله من نافلة القول تكرار مقولة ان المشروع الصهيوني لم يكن ليحظى بالنجاح دون توظيف العوامل المحلية والاقليمية (في اوروبا الشرقية والغربية) والدولية، ودون التحالف والتلاقي المصلحي (الطبقي والاقتصادي والسياسي) بين القوى البرجوازية اليهودية والحركة الصهيونية من جهة، ومثيلاتها من القوى الاستعمارية والحاكمة في اوروبا الغربية والولايات المتحدة من جهة اخرى. إلا انه هذا لا ينفي، وينبغي الا يقلل من أهمية الحقيقة الملازمة للصهيونية وهي انها قدمت نفسها كممثلة “للمصالح القومية اليهودية” (الفردية والجمعية)، وهكذا إستدخلها الوعي اليهودي والمسيحي الغربي، ودأبت منذ بداية فكرتها على مقاربة هذه المصالح مع المشروع الصهيوني عبر:

1) تحقيق مصالح البرجوازية اليهودية (المندمجة والمتحالفة مع البرجوازية الاوروبية)؛

2) الإدعاء بالعمل على تحقيق مصالح فقراء اليهود (البروليتارية اليهودية) في إنقاذهم من الاضطهاد والتمييز وإيصالهم الى شاطىء الامان في الدولة الموعودة و”طنهم القومي”؛

3) وأخيراً، وهو ما يهمنا، الولوج الى وعي اليهودي عبر توظيف الدين والتراث اليهوديين، ومن ثم إستدخاله للصهيونية، فكرة ومشروعاً، كمشروع خلاص من الاضطهاد و”كحركة تحرر وطني يهودية” و”كحل” نهائي للمسألة اليهودية عن طريق بناء “الوطن القومي لليهود”، وكذلك إستدخال المشروع الصهيوني كتجسيد للنبوءات التوراتية والمشيئة الربانية وتحقيق الحلم الذي طال إنتظاره.

* * *

الآن يمكننا الانتقال الى السؤال الثالي، وإن لم نكن في معرض المقارنة مع الصهيونية:

إذا كان الخطاب الصهيوني (من حيث توظيفه للدين) قد نجح في تضليل وكسب الجماعات اليهودية والمجتمعات الغربية لاكثر من قرن من الزمان، فهل إستطاع ردنا الديني، وهل يقوى، على مقارعة الخطاب الصهيوني؟

وهل تمكن هذا الخطاب من إدخال مشروع تحرير فلسطين الى الوعي العربي صاحب الارض والقضية، على غرار ما فعل الخطاب الصهيوني في وعي اليهودي المستوطن القادم من بولندا او روسيا، على سبيل المثال، في مطلع القرن المنصرم؟

هل توفرت لدينا آليات النضال وعوامل الانجاز (التنظيم السياسي والبرنامج السياسي والعملي والقيادة والرؤية والقدرة على إستخدام الاوضاع المحلية والاقليمية والدولي)؟ وهل بوسع الخطاب الديني ان يخلق الوعي العربي بالمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني وفهم مراميه ومخاطره فهماً مادياً وموضوعياً؟

وبالمحصلة، هل يستطيع الخطاب الديني ان يحرض الجماهير وينظم فعلها؟

لقد جاء خطابنا الديني في مجمله، (والعلماني في بعض الاحيان)، كرد فعل على الخطاب الصهيوني وغرق في إستنباط الآيات والاقوال القرآنية والانجيلية لدحض الخطاب اليهودي ـ الصهيوني. وبالرغم من الاهيمة البحثية لمثل هذه الشؤون الدينية، فاننا لا نبالغ إذا قلنا أن جلَّ ما قيل وكُتبَ في معرض هذا الدحض الديني وما شق طريقه الى وعي المواطن العربي (في مرحلة يكسوها إستدخال الهزيمة وهيمنة الفكر الغيبي)، لم يتجسد في فهم موضوعي للخطاب الصهيوني المعادي ولم يترجم الى آليات عملية نضالية لمكافحته والرد عليه، ولم يخرج عن آفاق الطروحات الدينية الميتافيزيقية الملقنة. لقد جاء هذا الرد في مجمله، كما أسلفنا، من قبيل السجال الديني والمحاججة واللاهوتية وإستخراج الاقتباسات والاستشهادات القرآنية والانجيلية. وكثيراً ما تم هذا السجال في فضاءِ مشحون بالتعصب الديني وخلط الاوراق والمفاهيم ومعاداة اليهودية والمسيحية أو اليهود والمسيحيين الغربيين كأتباع لهذا الديانات، بدلاً من ادارة الصراع مع القوى والمشاريع والمخططات الاقتصادية والسياسية الراسمالية الغربية والصهيونية.

رب قائل بان للدين والمحاججة الدينية دور فعال في مجتمعاتنا وفي التأثير على المواطن والرأي العام، وهو ما يجيز إستخدامهما كأدوات تثقيف للمواطنين وتوعيتهم وتحريضهم على النضال ضد العدو المحتل. ويتابع أصحاب هذه الحجة، إذا كان الصهاينة والغرب الراسمالي قد سخروا الدين في خدمة أهدافهم على مدى عقود من الزمن، فما الذي يعيب علينا ان نستخدم الادوات ذاتها؟

لا شك في ان إستخدام الدين، كعاملٍ وفاعلٍ واحدى مكونات الهوية الثقافية، يلعب دوراً هاماً وفعالاً في المجتمعات والتقليدية منها على وجه الخصوص، وفي عملية خلق وتكوين الوعي والوجدان، إلا انه لا يؤسس لمشروع تحرير وطني إبتلى بهذا المعسكر من الاعداء وبعوامل التعقيد والتعثر ما لم تواجهه حركة تحرير وطنية في التاريخ. كما ان توظيف الدين لا يؤسس لفهم موضوعي لطبيعة ومكونات الصراع القائم بين مشروعنا العربي (التحريري ـ النهضوي ـ التنموي) من جهة، والمشروع الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني من جهة أخرى. إذ إننا نقف امام صراع يكاد يكون أزلياً، إحتدم على ارضنا لما ينوف على قرنين من الزمن، وكان من أهم عبره ودروسه أنه ليس صراعاً دينياً، وإن إتخذ لبوس الدين وإحتقن بالكثير من المظاهر والتجليات الدينية، بل هو مشروع هيمنة راسمالية ـ امبريالية يقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين في القلب منه بهدف تجزئة الوطن العربي والهيمنة عليه، ومن هنا كانت الصهيونية وكيانها وليدة راس المال العالمي وأداة وظيفية في خدمته.

ما نريد ان نخلص اليه هو انه ما لم يتوفر لدينا الفهم الموضوعي للنبوءات التوراتية ولتوظيفاتها السياسية، فان ردنا الديني الداحض، ومجمل خطابنا الدعاوي والاعلامي، لن يعدو كونه جدلاً لاهوتياًً عقيماً لا طائل تحته. وفي هذا، فهو يخدم الدعاية الصهيونية ويغريها الى المزيد من إلهائنا وهدر جهودنا، ناهيك عن مخاطر الانزلاق في الصراع والتعصب الديني والتأسيس لاصولية دينية أضحت منفلته في مجتمعاتنا. لن يكتب لنا النصر في نضالنا العادل إذا قام هذا النضال على عكازات دينية دون التأسيس لوعي نقدي جذري وثوري.

لذا نرى أن البحث في حقيقة الصهيونية وتعرية أكاذيبها والرد على النبوءات التوراتية، التي إستغلتها أفضل إستغلال، لا يتسنى بالرد الديني، بل يجب ان يتجه نحو فضح الصهيونية في مفاهيمها السياسية والاستعمارية والاستيطانية وتحالفها مع راس المال العالمي، وتجليسها بدقة في الثالوث المعادي: الراسمالية والامبريالية والصهيونية. اما الخرافات الدينية والتوراتية فيجب فهمها من خلال توظيفها لخدمة الاغراض السياسية للصهيونية والامبريالية الغربية.

ولعل المحك التاريخي الاكثر مصداقية يكمن في السؤال التالي: فماذا حقق الرد الديني حتى يومنا هذا وما هي إنجازاته؟


[1] تجدر الاشارة الى تشابه الهدف في هذه الدعوة، دعوة خلاص البشر، بين (1) العقيدة المسيحية في “المجيء الثاني للمسيح”، (2) والعقيدة اليهودية في “مجيء الماشيح”، و(3) العقيدة الاسلامية في المهدي المنتظر وحتمية ظهوره في آخر الزمان “ليملأ الدنيا عدلاً”.