رؤية سوداوية للأزمة المالية في دبيّ!

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2100 )

يزعم أحد المراقبين السياسيين/ الماليين الدوليين أنّه كان يتوقّع أن تغرق إمارة دبيّ في ديونها منذ العام 2007، أي منذ بداية الأزمة المالية العالمية. وأنّ شركة دبيّ العالمية راحت تحاول منذ فترة تأجيل سداد ديونها دون جدوى، لأنّ الدائنين ليسوا مصارف وطنية بل مؤسسات مالية دولية أصحابها يهود صهاينة. ونفهم من كلام هذا المراقب أنّ شايلوك الدولي يعمل على أن تعجز دبيّ عن سداد ديونها، لأنّه مصمّم على اقتطاعها بسكّينه وإلحاقها بإمبراطوريته! (راجع صحيفة “السفير” البيروتية – مقالة محمد نور الدين: “دبيّ أفلست واليهود وضعوا يدهم عليها”! – 3/12/2009).

يقول المراقب المذكور أنّ الناتج القومي لدبيّ، الناتج الداخلي غير الصافي، هو في حدود 70 إلى 75 مليار دولار، أي ما يعادل حجم نصف الأموال التي تعصف بها الأزمة وتجعلها في مهبّ الرياح. وأنّ دبيّ طلبت المساعدة على جدولة 59 مليار دولار هي ديون “شركة دبي العالمية”، مضافة إليها ديون “شركة النخيل” وشركات أخرى، ليبلغ حجم هذه الديون 80 ملياراً. غير أنّ المؤسّسات المالية العالمية لن تسمح لحكومة أبو ظبي بإنقاذ دبيّ، بخاصة وأنّ الصناديق المالية في الإمارات خرجت من أيدي أبو ظبي! وهكذا، بكلمة واحدة، يقول المراقب الدولي، تكون دبيّ قد أفلست، الأمر الذي يعني أنّ وضعها سوف يتغيّر، وسوف تقع في قبضة الرأسمال اليهودي الصهيوني الإسرائيلي!

لقد غادرت الدولارات النفطية موطنها أو مصدرها الإماراتي وعادت إلى أصحابها الأصليين في الغرب. إنّها دولارات النفط المستخرج على مدى السنوات العشر الماضية. هذا ما يقوله المراقب الدولي! وإنّه لقول يبعث أعمق الحزن في نفوس العرب عموماً، بخاصة عندما يضيف المراقب أنّ كلّ شيء في دبيّ هو الآن تحت الرهن، من المترو إلى مصادر الطاقة إلى المؤسسات السياحية بكاملها! إنّ المصارف الدولية اليهودية الصهيونية الإسرائيلية سوف تحجز على دبيّ حال إعلان إفلاسها!

غير أننا، ونحن نأمل أنّ ما عرضه المراقب الدولي هو مبالغات، ونتطلّع بلهفة إلى إمكانية نجاح إمارة دبيّ في تجاوز أزمتها المالية، لا نستطيع تجاهل الحقائق والوقائع السياسية التي فرضت على العرب، والتي تنهض عليها أوضاع أوطانهم بصورة تجعلها دائماً وأبداً في مهبّ الرياح الدولية. فمعظم دول العالم، الثريّة والناهضة والفقيرة، تتّسم اقتصادياتها بسمة التنوع والتكامل والتنمية المتوازية أو المتوازنة بين مختلف فروعها. إنّ تنمية فروع الاقتصاد التقليدية التاريخية، الثابتة والمتعدّدة، تبقى في رأس سلّم أولويات الدول الطبيعية. وإنّ القطاع البشري، الذي هو دائماً الأسمى والأغلى والغاية والوسيلة، يبقى الأساس في المشاريع التنموية الشاملة التي عمادها التنمية البشرية. أمّا فروع الاقتصاد الطارئة، غير الثابتة التي يمكن أن يتجاوزها التطور، أو أن تنضب كالنفط مثلاً، فلا يمكن لدولة طبيعية الركون إليها وحدها مهما بلغت قيمتها وأهميتها واستمراريتها الراهنة. غير أنّ الحال ليس كذلك في أكثرية الدول العربية، وبخاصة النفطية، وعلى الأخص الخليجية في معظمها، حيث يبدو وجود هذه الدول مرهون بصناعة النفط ومصيرها مرتبط بمصيره.

لقد تسبّب النفط وإداراته في جعل الأمة العربية عموماً رهينة للأجانب وبخاصة الأميركيين. وتبدو معظم البلاد العربية اليوم كأنّما هي آخر الخطوط الدفاعية العالمية التي تمكّن الولايات المتحدة من الصمود في وجه العواصف الداخلية والخارجية القوية. إنّ النفط العربي هو من يرغم دولة عظمى كالصين على الخضوع للابتزاز الأميركي، بل على مدّ يد العون للحكومة الأميركية في أزمتها الخانقة. فالصين لا تستطيع شراء احتياجاتها الملحة من النفط إلاّ بالدولار الذي يغطّيه النفط العربي وليس الذهب. ولذلك نراها تحتفظ باحتياطي ضخم من هذه العملة يقارب التريليونين!

منذ العام 1947 وحتى يومنا هذا تتصرّف واشنطن بالنفط العربي كأنّما هو يستخرج في بلادها. فبدلاً من أن يكون الوطن العربي هو العمق الطبيعي لهذه الثروة نرى الولايات المتحدة وقد فرضت نفسها قسراً، وخلافاً للطبيعة، عمقاً لهذه الثروة العربية! وعندما تحوّلت الولايات المتحدة، في العام 1969، من مصدّرة إلى مستوردة ومن دائنة إلى مدينة، كان أوّل ما فعلته لمواجهة أزمتها النوعية (ابتداءً من العام 1971) هو إبرام اتفاقات مع بعض الحكومات العربية النفطية خلاصتها إطلاق يدها في شؤون النفط مقابل ضمانها أمن وديمومة بعض الحكومات العربية! ومنذ ذلك التاريخ حلّ النفط العربي محلّ الذهب كغطاء للدولار الأميركي، فظهر ما صار يعرف بالبترودولار، وصار الدولار هو العملة الوحيدة المعتمدة لبيع وشراء النفط، الأمر الذي أرغم جميع حكومات العالم على السعي للاحتفاظ بما يلزمها منه لضمان تأمين احتياجاتها من النفط!

والحال أنّ إمارة صغيرة كدبي، ثريّة ثراءً استثنائياً هائلاً (أو حتى دولة الإمارات، بل المملكة السعودية) لا تستطيع أن تعيش في حدّ ذاتها مستقلّة نامية مزدهرة مستقرّة. إنّها تحتاج إلى عمق جغرافي وبشري يتناسب مع حجم ثرائها. فإذا كان عمقها هو أمتها العربية ووطنها العربي الكبير، وهذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع، فإنها، عندئذ، لا تعود إمارة أو دولة صغيرة، بل ركناً من أركان أمة ووطن، يتأكّد وجودها بوجودهما ويتأكّد وجودهما بوجودها. أمّا إذا حرمت من أن يكون عمقها هو عمقها فإنّها ستعوّضه بالاعتماد على أعماق أجنبية. والعمق الأجنبي يمكن أن يقرّر عند الضرورة إلحاقها به. أي إزالتها من الوجود في الواقع، وذلك بمحق شخصيتها وخصوصيتها. ولقد كان مقلقاً حقاً إعلان شركة هاليبرتون الأميركية قبل فترة (شركة ديك تشيني) أنّها قرّرت نقل إدارتها المركزية من الولايات المتحدة إلى دبي. فقد ذكّرنا ذلك الإعلان بوعد بلفور، وبالوكالة اليهودية، وببدايات اغتصاب فلسطين واستيطانها من قبل المرتزقة الصهاينة الأجانب، من هبّ منهم ومن دبّ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله!