قراءة في كتاب:حركة فتح في “مرثية صفا”

إميل صرصور

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2101 )

الكتاب: حركة فتح في “مرثية صفا”

المؤلف: د.الياس شوفاني

“مرثية الصفاء” كتاب جديد للدكتور الياس شوفاني صادر عن دار الحصاد ويشمل سيرة ذاتية او “مرايا” عن تجربتة في حركة فتح خصوصا والعمل الوطني الفلسطيني عموما عبر مرحلة تمتد لأربعة عقود. ومرثية الصفاء كعنوان يذكرنا ب “رسائل اخوان الصفا” في العصر العباسي. فهل هناك مقارنة مابين الحالتين؟

ولد الياس شوفاني في قرية معليا 1932 ودرس الثانوية في عكا ثم تابع دراسته الجامعية في القدس و سافر الى امريكا عام 1962 وحصل على شهادة الدكتوراة في التاريخ من جامعة برنستن 1968، وعين بعدها استاذا مساعدا في جامعة ماريلاند. انضم الى حركة فتح وعين مسؤولا اعلاميا ثم غادر امريكا نهائيا الى بيروت على اثر حرب اكتوبر 1973 وعين مسؤولا في مركز الدراسات الفلسطينية متخصصا في الحركة والكيان الصيهوني.

ولقد لفت نظري بعض النقاط الايجابية والسلبية في هذا الكتاب وسأوجز ذلك في المجال الانساني والاخلاقي والقيادي والتنظيمي والسياسي.

في المجال الانساني:

لايمكن للمرء الا أن يتعاطف مع د. الياس ويُكبرُ فيه انتقاله التام من حالة الرفاة الاجتماعي والمركز العلمي الأكاديمي في أمريكا، الى حالة انخراط يومي في تفاصيل حياة الناس والثورة في لبنان. وكذلك الى معاناته المادية حتى الجوع والتشرد، ونقص في المال اللازم لعلاج زوجته وبالتالي وفاتها. ثم الى الى مرضه هو شخصيا ودخولة العناية المشددة فقيرا معدما لايملك من اجر المشفى والأطباء الا سمعة طيبة ويد نظيفة ولولا تدخل بعض الأخوة والاصدقاء ودفع جميع نفقات العلاج والدواء لما عاش ليكتب مرثيته هذه. وتكشف هذه المعاناة من ناحية أخرى بؤس وتشوة العلاقة مع رفاق الدرب في القيادة وكأن الأمر يخص احتياجات رجل مجهول الهوية.

و يُبرز الكاتب علاقته الحميمة مع ابنتيه بعد وفاة زوجته وتوصيلهم الى بر الأمان العلمي والعملي.

كما ويبرز الكاتب تأثره الواضح بوالده الذي شارك بحماية قريته من العدوان الصهيوني 1948 ويلخص شعوره بعد نسف الصهاينة لمنزل العائلة ” أحسست بالاحتلال ينزع عني بعض سمات انسانيتي ويشوه وجوده الحضاري”.

في المجال الأخلاقي:

معروف عن الأخ الياس شوفاني صدقه وتعامله الأخلاقي مع الجميع وكذلك نظافة يده ولسانه وفرجه. كما ان ذكرياته تصل الى حد الاعتراف بما قام به عن قصد وعمد وتَحّملِ مسؤوليته عن ذلك وبالتالي مُسَآلته، وكذلك بما لم يقم به رغم شكوك بعض القيادات حول اشتراكه بازاحتهم من الطريق. ويكشف في هذا الكتاب عن اطياف البوح حتى الاعتراف بما خطط له أوعمله الى حد التصريح العلني بتفاصيل غير معروفه من قبل الكثير

في المجال القيادي والتنظيمي:

يبدو أن ساحة امريكا افرزت الكثير من قيادات ومفكرين فتح مثل زهير العلمي وحنا مخائيل” أبو عمر”ونبيل شعث والياس شوفاني. والكثير من المفكرين كهشام شرابي وابراهيم أبو لغد وادوارد سعيد وحتي من قيادات حركة حماس كعزيز دويك والشهيد اسماعيل أبو شنب. ويبدو أن الجميع وصلوا أو توصلوا الى العلاقة الخاصة مابين المركز الامبريالي واسرائيل وبالتالي الى عقم وعدم جدوى التسوية السياسية المطروحة بأشكالها وأدواتها الحالية.

في امريكا انخرط الياس شوفاني في عمل عربي “لفلسطين” فكان اتحاد الطلاب وحركة فتح اطارا واحدا للفلسطينين وللعرب معا، وهذا ما كان له الأثر الكبير في رؤيته لأهمية البعد العربي في النضال الفلسطيني.

ولكن المركز في بيروت كان له رأي أخر بضرورة فصل الفلسطيني عن العربي فكان أول تمرد له على قرار القيادة عام 1970.

ومابين عامي 1973 و1983 يسجل ذكرياته عن احداث مهمة جدا كمعركة الجنوب 1978 وعن تصديه لنهج التسوية المدمر لفكرة التحرير وكذلك عن حصار بيروت 1982. ولكن ماستناوله هنا هو مشاركته في مركز قيادي مهم فيما يسمى ” يسار فتح” أو التيار الديموقراطي في حركة فتح. هذا التيار الذي أعلن التمرد ” انتفاضة” حركة فتح ايار 1983على أداء القيادة التنظيمي والسياسي والعسكري والمالي الرديئ وخاصة اثر خروج قوات الثورة من لبنان عام بعد فك حصار بيروت 1982.

اذا علمنا أن دور د. الياس القيادي فيما يمسى ” الحزب” يدأ بعد استشهاد أبو عمر 1976. هذا “الحزب” الذي تشكل في القطاع الغربي من فتح ” لجنة 100″ و باشتراك قيادات من التنظيمات الفلسطينية وخصوصا جبهة التحرير كان هدفه تشكيل رافعة وقيادة جذرية تقود استمرارالصراع ضد الكيان الصهيوني بدلا من قيادات التسوية ونهجها.

وهنا اسجل بعض الملاحظات على أداء و ادارة الأخ د. الياس وقيادة” يسار حركة فتح” في تلك الفترة وحسب ما ورد في كتابه:

1) الكتاب فيه الكثير من الضبابيه حول البنية التنظيمية والفكرية للتيار الديموقراطي في حركة فتح ولم يعطي صورة واضحة عن بعض التفاصيل.

2) الغريب أن” قيادة جذرية” تطمح ان تكون بديلة تتكون في النهاية فقط من اثنين أبو خالد العملة و د.الياس شوفاني والباقي لا اثر له أو بدون فعالية تذكر!!

والغريب ايضا أنه عندما يَسأل اي كادر عن التفاصيل فيواجه بجمل علومات على قدر الحاجة وليس على قدر الثقه” هذه الجملة ظاهرها التزام وحذر أمني تنظيمي وباطنها قمع وتهرب من المُسَآلة.

لقد قال أحد الأخوة ذات يوم: انني أرى في طريقة عمل قياده هذا اليسار كطريقة الشيوخ في المساجد ” كل شيخ وله طريقة ومريدون”. ان هذا أخر ما كنت أتوقع أن أقع به، تيار ديموقراطي وجذري على الطريقة الباطنية.

3) منذ عام 1983 وحتى 1992 حاول الياس ترك القيادة والبقاء في البيت عدة مرات. وهنا أسال كيف يمكن لقيادي مسؤول عن فكرة وتشكيل قيادة جذرية في حركة رائده أن يحرد و يذهب الى البيت. قد يكون ذلك مفهوما من الاخوة قدري، أبو صالح، أبو موسى، أبو مجدي أو أبو أكرم. أما ان يكون الياس فهذا لغز صعب حَلّه.

4) لقد شارك في انتفاضة حركة فتح عام 1983 الألاف من كوادر فتح ومن قوات العاصفة و من التنظيمات الفلسطينية، هؤلاء الكوادر الملتزمة اخلاقيا والمتفانية وطنيا والمثقفة سياسية عقدوا راية القيادة لكم. فمن يتحمل مسؤولية تلاشيهم من ساحات القتال والنضال.

هل يكفي للقائد أن يقول لقد حاولت وفشلت!!

5) كيف تستقيم فكرة اخراج السلاح من المخيمات في لبنان وقد رأينا مذبحة صبرا وشاتيلا، ورأينا ايضا حصار المخيمات الدامي من قبل حركة امل 1985-1987. المطلوب هو تنظيم وترشيد استخدام السلاح في المخيمات وليس اخراجه الى القواعد. النوايا الطيبة لاتكفي وحدها لحماية الجماهير.

6) سؤال أخير : اذا لم يكن د. الياس متشككا في جدوى ” الانتفاضة” و نجاعتها بتكوين الحزب الجذري فلماذا ساهم باخراج أبو صالح وقدري وغيرهم من القيادة؟ أليس من الأفضل انتاج حركة مُحسَنة عن حركة فتح مقارنة بما آلت اليه الأمور لاحقا. ألم يَثبتْ أن نظرية الفك والتركيب في حركة فتح هي نظرية فاشلة عند التطبيق.

7) ألاف المقاتلين والأخوة من التنظيم شاركوا بالانتفاضة عام 1983 على أرضية استمرار الصراع مع العدو وليس من اجل الانخراط في تشكيل حزب جذري. ألم يؤخذ ذلك بالحسبان؟ أم أن مرض الطفولة اليساري قد أصاب من القيادة مقتلا قبل أن تبدأ. أليس التكلفة هنا أعلى بكثير من المردود.

في المجال السياسي:

سأناقش في مقال لاحق نظرية أن الكيان الصهيوني هو كيان وظيفي ومركز متقدم للامبريالية أو هو قاعدة، ثكنة عسكرية ولها دور في المنطقة لم يستكمل بناؤها.

انني أقدر وأحترم شجاعة الياس شوفاني بممارسة النقد و التجربة وهذا جزء مهم، قد تكون الآجيال المقبلة بحاجة اليه.

ونعذره ونلومه لأنه اخفق في طموحه رغم حسن النيه والاجتهاد وعلى حد القول المأثور: اذا اجتهد العالم وأصاب فله أجرين وان أخطأ فله أجر واحد.

:::::
أميل صرصور

رئيس اتحاد جمعيات المهاجرين، أوبسالا، السويد.