البارزاني والحكيم جسدان بروح واحدة!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2103 )

قد يُختصر منطوق المقالة، بالقول الشائع ـ الطيور على اشكالها تقع ـ ولكن ليس هدفنا هنا هو توصيف لحالة التماهي والتناغم والتكافل بينهما فقط، وانما نريد البحث في خلفيات هذا الاتساق ومسبباته التي انتجت لنا ما نراه من تلاحم حد التطابق رغم الاختلافات المظهرية بينهما ـ احدهما بعمامة سوداء والاخر بيشماغ احمر ـ!

لنبحث في ماهية العلاقة وجذورها ودوافعها القريبة والبعيدة ضمن مسلسل لم تعد حلقاته سرية، انه يعكس متانة ووحدة الجين السياسي المورث بينهما، فمهما تعقدت وتشابكت وتقاطعت اجندات كل التحالفات والائتلافات السياسية القائمة فان حلفهما فقط المحصن حتى تحقيق الاحلام الكاملة ـ تقسيم العراق الى ثلاث دويلات، واحدة شيعية لبيت الحكيم واخرى كردية لبيت البارزاني، والاخيرة سنية تترك لمن يحكمها عدا البعث طبعا ـ!

ربما يقول قائل: نعم هناك احترام وتفاهم وتقدير وتحالف بين مكانة وتاريخية البيتين ـ بيت ال الحكيم وبيت الملا البارزاني ـ فكلاهما ينطلق من مواقع الوصاية على الرعية ـ عشيرة، طائفة ـ لدرجة انها تختصر تمثيلها بنفسها، واذا كان منطلق ال الحكيم روحي، فان البارزانية كانت في عشيرتها ايضا روحية ـ نسبة الى الدور الملائي ـ شيخ طريقة ـ لاحمد البارزاني شقيق الملا مصطفى والذي وجد باندفاعة شقيقه الاصغر فيض للمشيخة عبر الدور السياسي لتوحيد العشائر الكردية الاخرى تحت زعامته وهذه المرة براية قومية عابرة للعشيرة، فارضة سطوتها بقوة السلاح المستند على دعم واحدة من دول الجوار القوية التي تستخدمها كورقة ضغط لابتزاز الحكومات العراقية ـ ويضيف هذا القائل بان سيد محسن الحكيم كان قد وقف بالضد من ضرب الحركة البارزانية ايام قاسم وايام عارف، بل ان الحكيم والبرزاني كان لهما نفس الموقف المرحب بانقلاب 63 ضد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، وليس مصادفة ان يكون هذا الموقف مطابق لموقف ايران الشاهنشاهية وهو ذاته موقف شركات النفط الاحتكارية وهو ذاته موقف حكام الكويت وقتها!

اتفق ولحد كبير مع اقوال هذا القائل، ولكن تعمق وتواصل هذا التطابق والتعاطف لابد ان يستند على منهجية يرتكز عليها ليصل الى ما وصل اليه الان من اصطفاف سياسي واستراتيجي فاعل بحكم تمكن البيتين وفي آن واحد من تكوين فكي كماشة ماسكة بتلابيب حاضر ومستقبل كل العراق، حتى يخيل للبعض ان هذين البيتين قادران على قلب العراق رأسا على عقب بل وحتى على جعله ثلاثة دول غير قابلة للتعايش السلمي ولاجل غير مسمى!

نعم ليست مجرد مصادفة ان تكون بين البيتين كل المشتركات السابقة واللاحقة التالية:

ـ الشعور بالخطر ازاء اي مد يساري وطني بملامح طبقية تضعف البنى الطائفية والعشائرية المتلبسة لبوس الدين والقومية في العراق!

ـ العمل على اضعاف كيان الدولة العراقية، وليس مجرد الحكومات تحت نفس الذريعة ـ المظلومية ـ!

ـ الاتخاذ من ايران كظهير وولي لهما، ايام الشاه وايام خميني على حد سواء، وكان لتطابق مواقفهما العملية اثناء الحرب العراقية الايرانية ـ فيلق بدر وبيشمركة البارزاني يقاتلان الى جانب جيش خميني وتحت إمرة الباسدارـ برهان عملي على ذلك!

ـ التحالف مع “الشيطان” لتحقيق مأربهما في التمكن من الدولة والسلطة والمجتمع ـ تحالفا مع ايران ومع امريكا واغمضا العيون عن التمدد الاسرائيلي داخل العراق المحكم باجندتهما المتواطئة مع المحتلين ـ واحيانا تكون العيون وقحة، فهي تغمز لفتح طريق الحرير مع الموساد دون مواربة ـ ثم تحالفهما المستحدث مع الكويت التي اصبح لا هم لها الا الحاق الاذى بالعراق وشعبه وبدون اجل!

ـ كلنا يذكر استخدام الشاه للبرزاني، وكلنا يذكر تحالف باقر وعبد العزيز الحكيم مع ادريس ومسعود البارزاني تحت خيمة الولي الفقيه!

ـ تعاونهما مع المخابرات الايرانية وتنفيذ توجيهاتها وتسهيل مهامها داخل العراق!

ـ لكليهما مصالح تجارية ومالية داخل ايران في الماضي والحاضر!

ـ كلاهما لا يرى لا يسمع لا يتكلم عن تجاوزات فيلق القدس في الوسط والجنوب وعن القصف شبه اليومي للاراضي العراقية المحاذية لايران شمال العراق!

ـ كلاهما يستثمر لمصلحته تناقضات الاحتلالين الامريكي والايراني في العراق!

ـ لكليهما نفس المواقف ازاء ابرز القضايا المطروحة، فعندما جيشت ايران الحوزات الدينية لتدعو وباصرار لحصر تمثيل السكان بحسب الهويات الطائفية والعنصرية وجاهدت لانتزاع بصمة من وقع تحت رحمتها التي لاترحم ـ الاكراد اسرى لسلطة عصابات البيشمركة، والشيعة تحت سطوة فيلق بدر ومن ضاق به الامر بعد فتوى السيستاني التي ايدها البارزاني ليخرج عن دائرة الحصار تتلقاه قوات الاحتلال من الصوبين الامريكي والايراني، فكانت انتخابات معممة ومقدسة طائفيا وعنصريا ـ!

ـ موقفهما المتطابق في موضوعة الفدرالية، الحكيم يفدرل الجنوب والبارزاني يفدرل الشمال وسيكون الوسط مفدرلا كأمر واقع!

ـ فيلق بدر اصبح قوة نظامية في مفاصل الجيش التحاصصي الجديد وحزب ال الحكيم لم يكتفي بذلك فقط وانما راح يؤسس اجهزة مخابراتية وفرق للمهمات الخاصة رديفة وبثياب ووظائف مدنية وبدعم واسناد ايراني بات مفضوحا، البيشمركة ايضا اصبحت قوة نظامية تعمل بوجهين احدهما رسمي واخر حزبي عنصري، وراح البارزاني يوسع من قواته لتكون قوى رديفة بل واقوى من القوات النظامية بدعم مخلص من قبل اسرائيل، وتصريحه الاخير الذي اعلن فيه انه يحلم بجيش كردي نظامي يكون تحت قيادة كردية خالصة كما هو حال دوائر الامن والمخابرات، الاسايش، ليكون ضمانة لاستقرار الاقليم، وكذلك تزامنه مع دعواته ليكون نفط الشمال وبكل مراحله تحت تصرف ادارته يعكس التوجه الحثيث والمتدرج نحو اعلان قيام الدولة البارزانية التي تريد ضم كركوك وسهل نينوى ونصف بعقوبة اليها، والتي سيقابلها تدخل ايراني كبير في الجنوب يسلم فيه الحكم للحكيم ليكون وكيله عليه!

أعتقد ان المفردات اعلاه هي نماذج بارزة ومتجلية عن عمق الاصرة البارزانية الحكيمية، وما يعزز خلاصاتها هوالسلوك اليومي الراهن والمواقف التفصيلية المتناغمة بينهما حول اغلب المستجدات!

لا غرابة بعد كل هذا التفاهم ان يكون الحكيم والبارزاني اقرب لبعضيهما من المالكي والطالباني مثلا، وتوافق مواقفهما تماما من قضية التعديلات الاخيرة على قانون الانتخابات تأكيد فعلي على ما ذهبنا اليه وليس بعيدا ان يعملا على استبدال المالكي بعادل عبد المهدي في التشكيل الحكومي القادم والذي يلي الانتخابات الموعودة، والتي مهما تأجلت لكنها ستتم بفعل الارادة الامريكية التي تريدها منجزة قبل البدء بسحب ثقيل لقواتها القتالية من العراق خلال النصف الثاني من العام القادم!