الاستشراق في الرواية النسوية الجديدة

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2108 )

عندما يتكرر الحدث أكثر من مرة و إن بأشكال مختلفة فهو يستحق أن يطلق عليه اسم الظاهرة، كما يستحق دراسة أسبابه لفهمه وتوقع مآلاته المستقبلية. ومن الظواهر التي تستحق التوقف عندها ظاهرة الروائيات الجدد اللاتي تفرغن للكتابة عن شؤون الجسد وهمومه الجنسية منذ منتصف التسعينات وحتى اليوم، فيما تطلق عليه الصحافية سعاد جروس ” ثقافة دايت طعم حلو ولكن خالٍ من السكر، ثقافة تعنى برصد كل شيء ولا تقول شيء، ابتداء من قضاء الحاجة ومرورا ببهلونيات ممارسة الجنس بمختلف أنواعه وليس انتهاء بمعاناة المرأة والمثليين في ظل الأنظمة الديكتاتورية والمجتمعات المحافظة”، وهذه الظاهرة التي بدأت بروائية معروفة سرعان ما انتشرت انتشار النار في الهشيم ليصبح عدد الروائيات اللاتي ينتهجن نفس النهج بالعشرات، وهن يلقين التشجيع: نشراً، فهناك دور نشر أعلنت عن سلاسل خاصة بالأدب النسائي (وكأننا في دار أزياء حيث نجد أزياء رجالية، و أدب نسائي، أو للسن المحير، او للأطفال)، وإعلاماً فيكفي أن يظهر على غلاف الرواية اسم امرأة ليتطوع عشرات الصحفيين لإجراء مراجعة تشيد بالكتاب وبكاتبته، و لتسارع الصحف بإجراء لقاءات معها فتقدم ممثلة لأدب بلادها رغم أن بعضهن بالكاد أصدرت مجموعة قصصة كحال كاتبة سورية ورثت المهنة عن والدها. وفي أواسط التسعينات أصدر مثقف سوري مجلة خاصة بالأدب النسائي لا ينشر فيها إلا للنساء فقط.

والسؤال كيف يسعنا فهم هذه الظاهرة لا سيما وأن اهتمام عدد كبير من الروائيات المذكورات ينحصر بالجسد وهمومه الجنسية في بلاد تتعرض للغزو والاحتلال، والقصف والنهب الغربي.

احتلت المرأة الشرقية، منذ بدء الغزو الاستعماري الغربي للشرق، مركز تصورات واستراتيجيات الغربيين لاجتياح المنطقة، فقد قامت استراتيجية الغرب منذ البداية على اكتساب المرأة إلى صفه واستخدامها كحصان طروادة لاقتحام المجتمعات العربية و المسلمة، كما يؤكد فانون. لذلك شُغف الغربيون بموضوعين مترابطين هما : الحجاب والحريم. تقول جودي مابرو Judy Mabro. مؤلفة كتاب تصورات الرحالة الغربيين عن النساء في الشرق الأوسط :

“والحال أن أوربا قد سحرت بالحجاب والحريم ونفرت منهما في آن واحد، فقد عمل هذا الرمزان من جهة أولى، على الحيلولة بين المراقب الأوربي ورؤية النساء أو الاتصال بهن مما أيقظ لديه مشاعر الإحباط والسلوك العدواني. أما من جهة ثانية فقد وفر فرصة الجموح بالخيال والتلويح بتجارب غريبة وشهوانية مع (الجميلة المتحجبة) و(درة نساء الشرق)”.

وتتابع أن الغربيين شعروا بالعداء تجاه الحجاب:

“هؤلاء النسوة المحجبات لم يكن بالنسبة للمصور لغزاً محيرا وحسب، بل كن أيضاً بمثابة هجوم صريح عليه، ولا بد من الاقتناع بأن النظرة الأنثوية المحدقة ترشح من خلال الحجاب هي نظرة من نوع خاص فهي إذ تركزها من الفتحة الضيقة المخصصة للعين، تشبه عين آلة التصوير، أو العدسة التي تجعل من كل شيء هدفا لها”.

رد المستشرقون على امتناع المرأة الشرقية هذا بمحاولة التلصص من ثقب الباب لذلك نراهم مهووسين بتصوير النساء في مخادعهن وبوضعيات حميمية وبأوضاع جنسية رغم أن أغلبهم لم يشاهد امرأة شرقية ولم يدخل مخدعها أبداً.

وفي الفترة التي كان الشرق ما زال يمتلك قوة وهيبة سياسية و عسكرية نراه تحول إلى مادة للحلم الغربي، فانتشرت الأزياء التركية، وارتدت النساء في الغرب تلك الأزياء في الاحتفالات التنكرية “تم ادخال العديد من مواصفات الزي التركي على تصميمات الموضة الإنكليزية آنذاك مثل القفطان المشدود باحكام، واستخدام الفرو والمشابك والعمائم المرصعة بالجواهر….”. ورسم السير جوشوا رينولد “العديد من النساء الغربيات وهن يرتدين أزياء شرقية”. كما يشرح كتاب “النساء في لوحات المستشرقين – لين ثورنتون – ترجمة مروان سعد الدين الناشر دار المدى – 2007 “

واستمر هذا الشغف الغربي بالملابس الشرقية حتى منتصف القرن التاسع عشر، حيث مال ميزان القوى السياسي والعسكري والإقتصادي بشكل حاسم نحو الغرب، عند ذلك ظهرت صور الرحالة بأزياء غربية بدل الأزياء الشرقية كما كان يحدث في الماضي، فالامبرطورة أوجيني ظهرت وهي تعتلي سنام جمل في ثوب فضفاض أثناء وجودها في مصر بمناسبة افتتاح قناة السويس. ومع اجتياح طريقة الحياة الغربية للمجتمعات الإسلامية زالت الهالة الرومانسية من أذهان الرحالة والمستشرقين. لكن البحث عن الغرائبية ظل مستمراً ” وقد استمرت الصور والبطاقات البريدية لسكان مستعمرات ما وراء البحار الفرنسية و البلجيكية. إضافة إلى الأفلام الأوربية والأمريكية المليئة بالمشاهد الغريبة، في تغذية حاجة العالم الغربي الأبدية للهروب من الواقع. والأهم من ذلك أنها مثّلت لوحات أطلقت العنان لأحلام الناس”. (نفس الكتاب السابق)

ويقول مؤلف الكتاب “أن تصوير الحرملك احتل مكانا مميزاً في لوحات المستشرقين و لأنه نادراً ما دخل مستشرق إلى هذا المكان فقد حل الخيال مكان الواقع، وتحديداً اشتغل الخيال ببعده الجنسي، إذ ظهرت النساء يستلقين بكسل بلا عمل في وضعيات ذات ايحاءات جنسية طوال اليوم، يستنشقن التبغ، ويقوم المخصيون على خدمتهن….”. مقابل ذلك أهمل المستشرقون بشكل تام النسوة الريفيات اللواتي يعملن بالحقول ولم يهتموا بالرقصات الشعبية التقليدية ولا بالزي الريفي.

ظهرت الحمامات بشكل كبير في لوحات المستشرقين وهنا أطلق المستشرقون العنان لخيالهم الجنسي فصوروا النساء بشكل عار وبإيحاءات جنسية شاذة أحياناً وذلك لإرضاء الجمهور المتشوق لهذه اللوحات، وأضاف البخور وطقوسه غرائبية مرغوبة للوحات (قارن بين ما سبق وما تجده في الروايات النسائية الجديدة ستجده متطابقاً).

لم يتوقف هوس الغرب بالمراة الشرقية حتى اليوم كما ذكرنا لأن اكتساب المراة إلى صفه يعتبر عاملاً حاسماً في استراتيجيات السيطرة الغربية على العالمين العربي والاسلامي. لكن هذه الظاهرة تبدو اليوم أكثر تعقيدا، فمن جهة لم يعد هناك حاجة لرحالة غربيين، بل إن أنظمة التعليم الغربية التي اجتاحت المنطقة، كما اجتياح العولمة تكفلا بإنتاج مثقفين من أبناء البلد يؤدون نفس الدور الذي لعبه الرحالة والمستشرقون فيما مضى، فهؤلاء المثقفون ينظرون إلى أبناء بلدهم وعاداتهم وتقاليدهم بنفس عين الرحالة والمستشرق الغربي، ويترافق نشوء هؤلاء المستشرقين المحليين مع بروز ظاهرة ما يسمى بالاستعمار الداخلي السياسي والإقتصادي، حيث تقوم نخبة محلية عسكرية و/أو اقتصادية بوظائف المستعمر التقليدي، فهي تقوم بوظيفة النهب لصالح المستعمر مقابل نسبة من عائدات النهب، كما أنها تقوم بقمع مجتمعاتها لصالح الغرب، وبذلك تكتمل دائرة السيطرة الغربية بأدوات محلية عبر تحالف ثلاثي : عسكري، اقتصادي، ثقافي يعمل وكيلا محلياً للغرب.

والرواية تبدو الأرض الخصبة لنشوء الاستشراق الفني الجديد، وذلك لأهميتها في المجتمعات المعاصرة حيث تعتبر الشكل الفني الأكثر شيوعاً في الغرب، فإذا راجعنا التحليل السابق يمكننا فهم ظاهرة ما يسمى بالرواية النسوية الجديدة، خاصة التي تمارسها كاتبات، وتلقى تسهيلات من المراكز الثقافية و المؤسسات المانحة الغربية سواء في النشر، أم في الترويج، أم في الحضور في المناسبات الثقافية الغربية. لكن بشرط أن تكون هذه الرواية استمراراً للتقليد الاستشراقي الذي يرغب في التلصص من ثقب الباب على أدق خصوصيات النساء الشرقيات في غرف النوم والمخادع باحثاً عن الغرائبية، ويظهر هذا جلياً في التركيز على الجنس و جسد المراة والعلاقات الشاذة، هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فعلى الرواية أن تنخرط ضمن ظاهرة التبعية المركبة، وبالتالي عليها أن تبتعد عن كل ما يمس الهيمنة الغربية على المجتمع، وأن تتبنى المفاهيم الغربية حول حرية المرأة المختزلة إلى حرية جسدية فقط، ومقطوعة عن حرية المجتمع ككل، وبالتالي يجب اظهار المرأة الشرقية محكومة بقوانين متخلفة ومقموعة من مجتمع ذكوري دون الإشارة إلى الدور الخطير الذي لعبه ويلعبه الغزو والنهب الإمبريالي منذ قرن ونصف في تدمير كل محاولة نهوض وتقدم في المنطقة، وعلى الكاتبات أن يتبنين القضايا التي يطرحها الغرب في السوق كل حين، فإذا كان المطروح قضايا ما يسمى بالأقليات فيجب الحرص على ابراز مظلوميتها المزعومة من الأكثرية سواء كانت دينية ام طائفية، مع تجاهل أن الأكثرية المتهمة باضطهاد الأقلية هي أساسأً مضطهدة من قبل الغرب أو من قبل وكلائه المحليين.

لقد نجح الغرب نجاحاً حقيقياً بإعادة انتاج ظاهرة الاستشراق الفني على مستوى ما يسمى بالرواية النسوية، فتحولت مجموعة من الروائيات إلى مجرد بصاصات متلصصات للرجل الغربي الباحث عن الغرائبية ليعزز أوهامه الاستشراقية وخيالاته الجنسية الاستشراقية هي الأخرى. كما أنهن أعدن صياغة قضية حرية المراة في مجتمعهن بحيث تصب سواقيها في بحيرة الغرب، وبذلك يستولي الغرب على قضية حرية المرأة فتتحول إلى سلاح في جعبته يشهره بوجه المتمردين، تماماً كما استولى على قضية حقوق الإنسان. إن ظاهرة الرواية النسائية الجديدة في التحليل النهائي مكونة من مزيج استشراقي وبحث عن الغرائبي متفاعل مع مشروع الهيمنة والنهب الغربيين للمنطقة.