سـؤال المقـاومـة ..التحـريــر ـ التغييــر

بسام الهلسه

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2110 )

بقدر ما يتعلق الأمر بالشعوب المحتلة، أو الواقعة تحت الهيمنة، فإن المقاومة ليست خياراً مطروحاً للبحث والتأمل، وإنما هي شرط وجودٍ ضروري أوّلي. ويغدو هذا الشرط مضاعفاً ومؤكداً عليه بقوة وإلحاح في الحالة العربية التي إجتاحتها -وتجتاحها- غزوة استعمارية ذات طبيعة استثنائية، هي الغزوة الصهيونية الغربية. وهي استثنائية، لأنها لا تستهدف فقط السيطرة على السيادة ونهب الثروات كما هي الحال في مناطق أخرى من العالم، بل تستهدف أيضاً تقويض الوجود القومي الحضاري المتميز للأمة وتمزيقه وصياغة هوية جديدة له.

ابتدأت هذه الغزوة في مرحلتها الحديثة، في القرن التاسع عشر كما هو معروف، باحتلال الجزائر وعدن ومصر، مواصلةً ما كان قد بُوشِر في مستهل القرن السادس عشر الميلادي -إثر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح- من غزو للمجالات البحرية وللأرض العربية في الخليج. وأكملت احتلال بقية الأقطار العربية -أو وضعتها تحت الهيمنة المباشرة- في مطلع القرن العشرين ثم في الحرب العالمية الأولى (1914م-1918م) التي دحرت فيها الدولة العثمانية وأنجزت احتلال سورية الطبيعية (بلاد الشام) والعراق.

ولم يكتف المنتصران في الحرب: بريطانيا وفرنسا بالاحتلال، بل قاما باقتسام القطرين بينهما كغنيمة حرب. ومن بين كل الأقطار العربية المُحتلة، تعيَّن على سورية أن تدفع الثمن الباهظ والأكبر. فقد تمت الإطاحة بدولتها الوليدة في تموز- يوليو 1920م، ثم تمزيقها إلى أقطار ودول وتخصيص جزئها الجنوبي (فلسطين) لتُقام فيه الدولة الصهيو-يهودية، المكلفة بضمان استمرار المصالح الاستعمارية في بقاء البلاد العربية -وخصوصاً سورية- مجزأة، ومتخلفة، وتابعة.

ثم جاءت المرحلة الراهنة من السيطرة والغزو التي قامت بها الولايات المتحدة منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي، وأتمتها باحتلال العراق في العام 2003م، في سياق حربها المزعومة على “الإرهاب” التي إبتدأتها باحتلال افغانستان، فيما أوعزت لأثيوبيا بغزو الصومال.

* * *

المقاومة إذاً، هي النداء الطبيعي المُلح لتصفية هذا الوضع المفروض الشاذ، المعيق لوجود الأمة وحقها بالحياة كأمة حرة سيدة لاختياراتها.

لكن المقاومة -على أهميتها، وفي حدودها هذه- ليست سوى الجانب “السالب” من القضية: أي مواجهة وصد ما لا نريده…

أما الجانب “الموجب” فيتمثل بعدم التوقف عند حدود “ما لا نريده” بل تجاوزها إلى إستشراف ورؤية “ما تريده” أمتنا وبلادنا. فإذا كان الجانب الأول يتعلق برفض ما فُرض علينا في الماضي والحاضر، فإن الجانب الثاني يتعلق بغدنا المأمول الذي نطمح ونسعى إلى تحقيقه. وهذا يتطلب امتلاك مشروع للتغيير يستجيب لحاجات الأمة العميقة وأشواقها للمستقبل، ولما تريدُ أن تكونَه وتَصيرَ إليه.

* * *

ومع أن مشروع التغيير يشترط -لإنجازه- تحقق الجانب الأول: المقاومة فالتحرير، إلا أنه يتداخل معه في عملية تكاملية تعطي للمقاومة معناها وتُقدّم وُعُودَها. فالصراع ضد الاحتلال، والتجزئة، والتبعية، والتخلف الشامل، لا يجري على الجبهات الخارجية فحسب، وإنما يجري أيضاً -وفي الآن نفسه- في الداخل: داخل الوطن والأمة، في الأبنية الذهنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية …الخ، وسيستمر بأشكاله ومستوياته وساحاته المختلفة حتى تتمكن العناصر الطليعية الحية الواعدة في الأمة من حشد التأييد، وقيادة الأمة في معاركها المصيرية نحو النصر والغد…

:::::

alhalaseh@gmail.com