حينما يكون اجماع اسرائيلي على جدار جابوتنسكي …!

نواف الزرو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2111 )

“افهموا، ان المشكلة الفلسطينية كفت عن أن تكون ملحة، وكذا في العالم ايضا، و”الواقع الذي ننشغل فيه كلنا بهوس بالمشكلة الفلسطينية انتهى/هارتس- 18 / 12 / 2009 “، هذا ما اعلنه وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان في خطاب في كلية مستعمرة ارئيل في الضفة الغربية، وادعى ليبرمان بان “المشكلة الفلسطينية هي المشكلة الاقل اقلاقا” ودعا مستمعيه الى “أن يفهموا بان المسألة الفلسطينية هي بالاجمال مسألة اخرى، وبالتأكيد ليست “المسألة”. العالم، قال، تشغله مسائل اخرى، “انظروا ماذا حصل في افغانستان، في الباكستان، في ايران، في كوريا الشمالية وفي افريقيا. العالم لا ينشغل بشكل مهووس بالمشكلة الاسرائيلية – الفلسطينية وحان الاوان كي نغير نحن ايضا القرص، الواقع الذي ننشغل فيه جميعا بهوس بالمشكلة الفلسطينية انتهى- افهموا”.

ولمن لم يفهم الرسالة التي اراد نقلها، اوصى ليبرمان بقراءة مقال “الجدار الحديدي” لزئيف جابوتنسكي، “اقرأوا وستفهمون، ولكن يمكن حل المشكلة الفلسطينية بدون حلول وسط اقليمية، ببساطة كسر الدافعية والايمان لدى الطرف الاخر بانه يمكن شطب دولة اسرائيل من الخريطة، هكذا فقط تحل نهاية النزاع”.

اذن- ليبرمان يستحضر مجددا “جدار جابوتنسكي لكسر الارادة الفلسطينية”، والحقيقة الساطعة في المشهد الاسرائيلي اليوم، انهم هناك في الخريطة السياسية الاسرائيلية الحكومية والبرلمانية والحزبية يجمعون الى حد ساحق على اعتماد”جدار جابوتنسكي لتحطيم الارادة الفلسطينية والعربية في التصدي” واجبار الجميع على التسليم بالحقيقة الصهيونية.

ونحن بدورنا في هذه المناسبة نستحضر جوهر “جدار جابوتنسكي” كما اعلنه وشرحه عدد من اقطابهم.

فبعد ان اخفق تماما في كافة حساباته العسكرية والامنية والاستراتيجية في حروبه المتصلة التي شنها تباعا على الفلسطينيين واللبنانيين على مدار السنة الماضية من حكمه وحكومته، اخذ رئيس وزراء “اسرائيل” السابق ايهود اولمرت يهرب الى الماضي مستحضرا “الادبيات الصهيونية الحربية العنصرية التي كان الآباء المؤسسون للدولة الصهيونية قد وضعوها وحملوها وطبقوها على ارض فلسطين، ففي كلمته التي القاها في احتفال اقيم في يوم عيد ميلاد ثيودور هرتزل- نبي الدولة الصهيونية- ال” 147″، عاد اولمرت ليذكر الاسرائيليين ب”جدار جابوتنسكي” مؤسس الحركة الصهيونية المحافظة قائلا:”ان هناك اساسا واحدا له اهمية كبيرة لم تذكره نبوءة هرتزل الصهيونية وهو الاساس العسكري”، واضاف:” كان جابوتنسكي هو الذي ادرك ذلك مبكرا في نحته” الجدار الفولاذي”، فبالكفاح الصعب وبالدم والعرق والدموع اقيمت اسرائيل وانتصرت الصهيونية “، واكد اولمرت:”لولا الحربة لما قامت للصهيونية قائمة/عن يديعوت احرونوت/2007/4/30″، واختتم اولمرت كلمته قائلا:”امام اسرائيل ثلاثة تحديات هامة: ضمان اغلبية يهودية واضحة على مدى الاجيال في اطار حدود اسرائيل، وتعزيز نوعيتها الداخلية وصورتها الاخلاقية والاجتماعية، وتحقيق الامن والسلام المفقودين مع جاراتها-وفق نظرية جابوتنسكي طبعا-، واذا اردنا ذلك فليس ذلك اسطورة -اي فان الامر قابل للتحقيق-“.

قد تكون هناك خلفيات وعوامل متعددة وراء استحضار اولمرت لايديولوجيا الجدران الفولاذية الجابوتنسكية ،غير ان تطورات المشهد الفلسطيني وسيطرة حماس على غزة تبقى هي الاساس في الحسابات الاسرائيلية، يضاف اليها ربما نوازع ذاتية لدى اولمرت في محاولة منه لارتداء زي القادة الكبار للدولة العبرية …!.

ليأتي نتنياهو بعده بنحو شهرين ليعلن متحديا العالم العربي:” لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية ، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان بل علينا البقاء فيها”.

والواضح ان قادة وجنرالات اسرائيل” كلهم مبرمجون على “نظرية الجدار الجابوتنسكي”، ففي مقال له بصحيفة ذي غارديان البريطانية قال أستاذ علم النفس بجامعة تل أبيب كارلو سترنغر”الواقع أن كل السياسات الإسرائيلية واقعة تحت تأثير نظرية “الجدار الحديدي”، بل إن هذه النظرية هي المسؤولة عن التطورات المذهلة للسياسة الإسرائيلية منذ العام 2002، فرغم أن إسرائيل ظلت لعقود تتوق إلى قبول العالم العربي بها، فإن أيا من زعمائها لم يعتبر أن مبادرة السلام العربية تستحق حتى أن ينظر فيها بجدية، فكأن نظرية جابوتنسكي ضاربة الآن في جذور الوجدان الإسرائيلي”.

ولعل ابرز المعطيات الاسرائيلية في هذا الصدد تصاعد وتفشي ما يمكن ان نطلق عليه “انفلونزا الصقور” حيث يتسابقون هناك في “اسرائيل” في اظهار كل مظاهر التطرف والتشدد والعنصرية ،بل يمكن القول”ان المجتمع الاسرائيلي لم يشهد -على سبيل المثال- اجماعا سياسيا من اقصى اليسار الى اقصى اليمين كما يشهد في هذه الايام في مواجهة الوضع الفلسطيني، وحول تخليد الاحتلال للضفة الغربية /عن الوف بن/هآرتس”.

وتحت عنوان”عودة إلى الجدار الحديدي”كتب المحلل الاسرائيلي دان مرغليت في معاريف يقول: “أن السلام لن يأتي أبدا، ولكن حتى يصل الفلسطينيون الى المرحلة التي يصبحون فيها معنيين به – يتوجب على اسرائيل أن تتبنى لنفسها مزاجا متشددا أكثر من العادة ومنيعا وقائما على الافتراض بأن التسوية السياسية بعيدة عنا، على هذا النحو بالضبط: المبادرة الى استراتيجية شاملة، لم تقم أية حكومة منذ ايام دافيد بن غوريون ببلورتها بصورة جدية، سياسة تزيد من التركيز على الشؤون الأمنية والأمن القومي ورفع القدرات القتالية والتكنولوجية، سياسة تكون شمولية مع تربية صارخة لقيم الصهيونية وعدالة طريقها ومع مواريث الثقافة اليهودية قبل الانفتاح الضروري أمام العولمة بحيث تتمكن اسرائيل من الخروج الى العالم الفسيح الذي يبحث عن الحقيقة من اجل تعزيز المعطيات الديمغرافية للشعب اليهودي والمبادرة الى دعوات التهويد”، ويضفي مرغليت على هذه المضامين بعدا جداريا مؤكدا:”هذا هو”الجدار الفولاذي” الذي طرحه بن غوريون>

ولذلك نتساءل في ضوء كل ذلك باندهاش كبير :

طالما اننا امام اجماع سياسي على تخليد الاحتلال للضفة، وامام نزعة صقرية دموية على هذا النحو، وامام تلك الجدران الفولاذية التي يستحضرونها على الدوام، فلماذا يتهافت العرب في ضوء كل ذلك اذن على عقد مؤتمرات السلام وعلى التطبيع الشامل مع تلك الدولة ومع ذلك المجتمع الذي لا يرى فيهم سوى نمل وديدان يجب سحقها …؟!!!

وفي ضوء تلك النزعة والجدران المستحضرة الحاضرة لا يتوقعن احد اذن ان يخرج جنرالات وقادة الاحتلال- الشارونات الصغار- من جلدهم وعن طبيعتهم …او عن ذلك الثراث الارهابي الدموي وعن ذلك المجتمع العنصري الملوث بلوثة الشارونية وتفريخاتها الارهابية …؟!!!!

:::::

nawafzaru@yahoo.com