قصيدة: حكاية غرق

أحمد حسين ـ فلسطين المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2114 )

تاه البحارة داخل سفينتهم الصغيرة

لم يعد الموج يأتي من ناحية واحدة

لقد جن ربابنة الرياح

فأتوا من كل ناحية

في سفنهم المصوبة كالمجانيق

على صندوق آلهة الخشب .

سقطت قوانين الماء والهواء واليابسة

صارت الدفة هي التي تحرك الربان

وعلى الشواطيء القاحلة

نصبت حورية الغرق المرجانية

شركها الرهيب ،

غابات من أشجار الصنوبر

تنادي ابنتها الخشبية .

طارت أشواق الخشب كمناديل الشغف

إلى امها الصنوبرية

التي وقفت تشد ثياب الريح المجنونة

كي لا تعبر إلى البحر .

وهاجم البحارة ذهول الفرح

وهم يتدلون كالمشنوقين في حبال الترقب

وبدأوا يطلقون الأناشيد الشجية

التي أدمتها مخالب العاصفة ،

يهاجمون قطع القديد

ويلتهمونها بشغف .

لا حاجة للإنتظار

لقد نجونا

والشاطيء مرمى البصر .

هدأت العاصفة

وظلت نوافذ الشمس مغلقة

ولكن شاعر السفينة

أكد أنه رأى خلخالها الذهبي

يلمع للحظة خلف الستائر .

فقال مهرج السفينة

وهو ينظر إلى ثياب الغيوم المهلهلة :

لا بد أنها كانت ذاهبة إلى الحمام

لا تسبقوا الفرح إلى حلبة الرقص ،

دعونا نلمح قدمها أولا ،

الخلخال ليس دليلا على القدم

لأن عواصف النوم

تسقط أحيانا خلاخيل النساء .

قال بحار قديم

يحمل تحت إبطه لوحا من الخشب :

للبحر سرابه أيضا

كم شاهدنا أضواء كاذبة

وغجريات يرقص عاريات على الماء

وسمعنا أغان وصلوات وتراتيل

من مدن حملتها العواصف عنا

ابعد من القمر .

في الطريق إلى قرطاجنة

لم نر على الشواطيء سوى النخيل .

فمن أين جاء الصنوبر؟

قال المهرج ساخرا :

لنبحر إذن في اتجاه القمر ،

في ليل كهذا

يجب أن نعرف اين نتجه

وما دمنا ذاهبين إلى القمر

فيلزمنا عاشق عجوز يوجّه الدفّة .

لم يفقد البحار تسامحه :

بل ربما يلزمنا قربان لإله العواصف

لم لا أقذف بك إلى البحر

لتُضحِك الأسماك !

ضحك المهرج قائلا :

إذا كان أنفك ثقيلا عليك

تمشي وتحدق في سراويلك طيلة الوقت

فمن الذي سيلقيني في البحر ؟

واصل تحديقك

وابحث تحت قدميك عن القمر

أيها العاشق المستثنى بسوى .

ضحك الشاعر وصاح :

وما يدريك أنه ليس مستثنى بإلا

لعنة الله على البحر

لو كنا على اليابسة

لاتضح المد من القصر .

صمت الشيخ مبتسما

ولكن المهرج قال :

إذا كان قوامه مقصورا

فكيف يكون ظله ممدودا ؟

أنظر كيف يتكسر على قدميه

مثل سوط الحوذي في الهواء .

واصل العجوز ابتسامته وقال :

يكون السوط مستقيما

حينما يسقط على ظهر الحمار

ويصير القصر مدا .

تندفع مؤخرة الحمار إلى الأمام

وباقي جسده إلى الخلف

وينكسر المد ثانية تحت البردعة .

الحمار هوالكائن الوحيد

الذي يهرب إلى الخلف

لهذا يسمونه حمارا .

فصاح الربان :

كفى يا حثالة البحارة !

كيف لا تغرق سفينة أنتم بحارتها

وكيف سنرى الشمس

والغيوم داخل السفينة ؟

إنتظروا قليلا

فلعل البحر يبتلعكم بدون قتال .

قال الشيخ نادبا :

من يمنع أقدار غيره !

تابعو مراقصة ظلالكم

على أبواب جنية البحر

ودعوها تهيء أسبابها

لموتكم الوضيع

تحت أقدام العاصفة .

سيلفكم المصير

بكفن واحدة مع فئران السفينة

ولن تزفكم حوريات الماء إلى القاع

كالبحارة الذين غرقوا

وهم يرفعون موتهم المجيد

نحو شماتة الآلهة ،

تغرقون منكسي الرؤوس

لتختتم عوراتكم المكشوفة

مشهد عبوركم السخيف إلى الغرق .

حينما قلت أن للبحر سرابه

أردت أن أقول

أن غابات الصنوبر

قد تكون شركا صنعته جنية البحر

ولكن الألسنة الطويلة

أخطر من العواصف

يتعثر بها الناس كما يتعثرون بالحبال .

فقال المهرج :

لقد نجونا بدون أن تقول شيئا

ولا ندري ما كان سيحدث

لو تركناك تتكلم .

قل لي أولا

كيف عرفت غابات الصنوبر

من غابات النخيل

على مثل هذا البعد ؟

استنكف الشيخ عن الرد

ولكن الشاعر قال وهو يمعن التفكير :

السؤال عورة يسترها الجواب .

قال أحدهم :

عورة من ؟ ألعبرة في الجوهر .

رد الشاعر :

عورة السائل أو المسؤول .

انتشى المهرج وصاح :

إن من البيان لسحرا

هل سيستر العجوز عورته بالجواب ؟

أدهش هدوء الشيخ البحارة

الذين كانوا يعدون في هواجسهم

ولائم الفرح على الشاطيء

ويخلعون عنهم ليالي الفراق الطويلة

على أقدام الرجوع ،

بينما كانت جنية البحر

تهمس في فرحهم الموحش

المليء بالتوجسات :

( لماذا يواصل هذا العجوز

مرثيته كصلاة يائسة

أمام سرير رجل ميت ؟

لعله يركب عصا النبوءة

ليعطي لشيخوخته المهملة

لحظة انتباه . )

وقبل أن يبلغ التوجس

مرحلة البوح ،

قال البحار القديم للمهرج :

نعم !

سأقول لك أيها الرملي

من لا يشخص بقرته عن بعد فهو مغفل

فكيف بمن لا يشخص آنية بيته على النافذة ؟

البحر بيتي الذي ولدت فيه

كان أبي ربانا وجدي صاحب سفينة

والذي يولد في حضن بحّار

يولد في البحر

لم أركب سفينة واحدة بالصدفة

كنا نتفق بدون كلام

أن تحملني هي على البحر

وأحملها أنا إلى السلامة

وكان أبي يقول :

من لا يعرف البحر كجسده

لن يدفن على اليابسة ،

ومن لا يقرأ أشجار الغابات على السواحل

عليه ألاّ يركب أمزجة العواصف .

عندما تصبح بحارا يا بني

تكفيك التفاتة واحدة

لتميز المركب البريئة من سفينة القرصان

قبل أن تصوب منجنيقاتها .

والبحار يا بني

يعرف الخوف على اليابسة فقط

لأن طرق الهرب

تتشابك أمام عينيه كأغصان الشجرة

وعليه أن يعبر مسافة النجاة

كما يعبر المسافة إلى الموت

على قدميه .

هنا في العباب الذي يغير لونه

كلما مر طائر أو سحابة

بينه وبين الشمس

تحمل السفينة طريقها في الدفة

التي يوجهها البحر والبحارة معا .

الميناء والغرق توأمان في بطن السفينة

سيولد أحدهما فقط

سُنة إله الماء وقرصانه الأزلي

عليك أن تعرف سفينته دائما

قبل فوات الوقت .

قال الشاعر متمهلا

كأنه يمعن النظر :

لا بأس بهيئة الجواب

ولكنه من ذات المرثية ،

عندما نصل الشاطيء

يبين القصر من المد

وغابات الصنوبر من النخيل .

قال البحار :

لن نصل إلى الشاطيء

لقد تركنا كل الشواطيء خلفنا

ما سنعرفه

هو إلى أي موت تقودنا الجنية .

غنّى بحار فينيقي

برهافة قميص حريري

على فتاة ما زالت تتقلب في الفراش :

هدأت العاصفة يا حبيبتي

وابتسامة الساحل

حزام من الفرح الذهبي

حول خصرك الفينيقي .

آه يا قرطاجة

يا مليحة الرجوع

هيأت جناحيّ لأطير

لكنك أسرع من الشوق

هاهو الساحل يعدو نحونا

وها أنا

أخلع عباءة البحارالزرقاء عن كتفي

تحت نافذتك

وأرتدي قميص العاشق .

أواه ما أبعد الحب

حين يكون الساحل أمامنا .

قال الشيخ بحزن :

صدقت !

الساحل أمامنا

وسوف يبقى كذلك .

منذ ظهرت الغابة لنا

لم أكف عن النظر ،

فانظروا أنتم الآن !

كم جدفنا في اتجاه الساحل

منذ هدأ سعار الريح

قهل تقدمنا خطوة واحدة ؟

كنا نجدف نحو سراب غابة الصنوبر

التي لفت بها الجنية

جبل المغناطيس

وعندما تبزغ الشمس

تختفي الغابات الكاذبة مع العاصفة

ويظهر الموت الدائري .

أتجهت العيون إلى غابات الصنوبر

وعادت وهي تروي للبحارة

ما قاله الشيخ قبل قليل .

المسافة بينهم وبين الشاطىء

حلم ميت

لم يكن فيه نورس واحد

ولم تر العيون فيها

أثرا للتجديف .

صرخ بحار شاب

بلهجة كنعانية هشة

تتكسر فيها الكلمات كأوانٍ فخارية :

ولماذا تأخرت بشارتك النبيلة إلى الآن ؟

لم تعتد أن تقاوم سحر الفجيعة ،

ترتل أحزانك بفرح الندابة بالميت

تبكيه بشغف وتفكر بالأجرة .

قال الشيخ :

ألحزن هو الأصل

وتفرح النفس لتعيش

لذلك يشترى الفرح بالمال

مثل الملابس الثقيلة أيام الشتاء ،

وكل شيء يمضي ولا يعود

ما عدا الحزن ،

لكن التهريج أجمل من الحقيقة

والتفاهة نزهة العقل الأحمق

لا فائدة من الكلام مع العقل الميت .

قال لي أبي :

لا تعاند أقدار البحر بعد مجيئها ،

عاندها قبل أن تأتي

دع البحارة يهاجمون العاصفة

كما في ميدان القتال .

تصوب العاصفة قرنيها إلى السفينة

فيضعون أيديهم بأيدي الدفة

ينطحون ثور الريح الهائح

بقرون المقدمة

حتي لا يتمكن من الخاصرة .

قدر السفن بحارتها

ولا تغرق سفينة لم يغرق بحارتها بعد .

لا تنس أبدا

أن البحارة يغرقون دائما قبل السفينة .

وها أنتم غرقتم منذ بدات العاصفة

تناثرتم امام ذئاب الماء

كما يتناثر القطيع

تتزاحمون في الهواء

كأن له أبوابا للهرب ،

وتمسكون ببطونكم وتهربون

مثل النساء الحوامل .

لو سمعتم جنية البحر

وهي تقهقه فوق السفينة :

( أي هباء جمعته الصدف

في حضن هذه السفينة التعسة

يستلقون طوعا في قبضة الغرق

كأنهم يهربون به من السفينة ،

العاصفة أسلم من هؤلاء القرود .

لو كانت سفينة أشباح فارغة

لربما كانت لها صدفة النجاة

فالصدفة تكون أحيانا

ربان الآلهة .

يأتي في ثنايا العاصفة

بعد أن يتعب البحر من السفينة

يحني رأسه لبحارتها الشجعان

ويطلق صدفة النجاة

التي ابتزتها سواعدهم من البحر .

لا تحزني أيتها المنكوبة !

سيصل الخشب سالما إلى الشاطيء

وتعودين إلى البحر في سفينة أخرى ,

سيفُكّ المغناطيس أزرار ثوبك الخشبي

وتعود ألواحك سالمة

لتبحث عن بحارة غيرهم . )

وتابع العجوز :

حاولت أن أسبق القدر بلحظة واحدة

ولكن المهرج سبقني إلى الباب

قدم لكم قطرة من نبيذه الرخيص

الذي يريح القلب الخائف

فالتهمكم الموج .

نزع التوجس قناعه

وصاح الشاعر لاعنا :

هذا الشيخ غراب أعمى

ينعق ولا يخبر بشيء ،

يقلد أصوات العرافين

وليس لديه علمهم ،

إنه يتلاعب بنا ليخيفنا فقط

كما فعلت بنا العاصفة .

وهتف مساعد الربان

بلهجته الارامية المائلة

كشجرة آيلة إلى السقوط :

ولعله يستعمل كآبة الشيوخ

لينتقم من مرح الشباب ،

لم يعد قادرا على الفرح

فيخرج أكفانه ويبكي

لنشاركه البكاء .

دعوني أسأله باسمنا جميعا .

ماذا كان سيفعل

لو لم نفوت عليه الوقت ؟

فقال الطباخ اليبوسي الثقيل

الذي كان يفضل الصمت على التعب :

نعم ! زد من كآبتنا وأخبرنا

فالندم يوجع أكثر من الجوع .

حلق الشيخ في هدوءه الحزين

كأنه يد تلوح بالوداع

ثم قال :

سأخبركم بما فعلته هنا

قبل ثلاثين عاما .

كنت أبحر قي سفينة جدي

نحو سواحل قرطاجنة

عندما شممت رائحة القرود

فعرفت أنني أقترب من جبل المغناطيس

المتربص بالسفن على مدخل خليج القردة .

لم يكن هناك شيء يخص البحر

لم يعلمني إياه أبي ،

قال لي

إذا شممت رائحة القرود

في عرض البحر

فاعلم أنك في قبضة جبل المغناطيس .

لا تحاول الهرب فذلك لا يجدي ،

قل للبحارة أن يسرعوا في حل الأشرعة

ويلفوها على مقدمة السفينة

وجانبها المقابل لفا محكما

كي لا تلامس قوة المغناطيس

مسامير السفينة

وتشدها إليه .

إذا لم تكفِ الأشرعة

فادهنوا ما تبقى من المسامير بالقار .

فعلنا هذا ونجونا .

قال الربان :

أدري مثلك

أنك لم تسمع شيئا لم نسمعه ،

أو تعرف أشياء

لم يكتبها غيرك في دفاتر البحر ،

ولكن ما يخيفني

هو أن ما قلته عنا هو نحن حقا ،

أشعر كأنني في سفينة خيالية

على مسرح في أحدى ساحات آوغاريت

يروي الممثلون قصتها

تماما كما رويتها أنت .

والمخيف هو أني لو كنت الراوية

فلن أجد لها نهاية ملائمة

سوى الغرق .

إذا أرادت صدفة ما أن أنجو

فلن أحمل في سفينتي بعد اليوم

بحارة من الشمع ،

أو شيخا جاء يبحث عن الغرق .

ألصمت إذ يعانق الذهول

تسيل الملامح كالماء

ويصبح الوجه صفحة بلهاء

فقدت حروفها .

أما الخوف

حينما يركله اليقين

بقدمه الرخامية ،

فإنه يتحول إلى جنون .

لا بد من صرخة دامية

حينما يسقط الطفل فجأة

من ذراعي أمه إلى البحر.

هكذا صرخ البحار الكنعاني

وهو ينطح الهواء :

أيها القاتل القذر

هل أمسك أحد بلسانك

أم أردت أن تضع كلامك في أيدينا ؟

أما الشاعر

فكان يتساقط هلعا

كما يتساقط الطلاء

عن جدار قديم :

كنت أعرف أنك أفعى عجوز

لم تستطع أن تلدغ المهرج

فلدغت السفينة .

ليتني أستطيع أن أجد بعض العزاء

أنك ستموت معنا

ولكنني لا أرى الآن

موت أحد غيري .

آه ، لو أستطيع البكاء !

مرة أخرى

تدخل الربان الآشوري

فقال للشاعر وكأنه يبصق :

أصمت أيها اللسان !

من الذي كان يبادله الفحيح ،

يتلمظ بالحكمة المستهترة

ويقرع باب الشجار ؟

إبك، ولكن ليس على موتك

لولا أعرف أن الصاري

سيغرق مع السفينة

لرفعتك عليه

لتموت أمام عينيك ،

يصبح لسانك كالقديد

وتموت بدون أن تقول آه .

أنسحب المهرج إلى الخلف

ليجانب العاصفة

ولكنها كانت تراقبه كالفريسة :

وأنت يا كلب مدين

كيف تعرفت على البحر

هل كان أبوك نوتيا

وغرق على ظهر جمله في الرمل ؟

المهرج يعيش بعورة عقله

كما تعيش الزانية بعورة جسدها .

لعلك تعلم الآن

أن البحرليس حبلا ترقص عليه الغجريات .

إنه الحبل الذي يحمل أمجاد الخطر .

أما أنت أيها البحار القديم

فشيخوختك ليست في لسانك

علمك بدون حكمة

مثل امراة قبيحة الجمال.

لو كنت أكثر منا حكمة

كما تدعي

لعرفت أن الحكمة جمال كل شيء .

صفع الشيخ غضبَه

ولكن الكبرياء أعلى من الغضب

لا تطولها الأيدي

فشمخ بأنفه وقال :

عندما بدأت العاصفة

لم يستشر علمي أحد

كان الربان فيك أقوى من العقل

والكبرياء أقوى من الخطر

لم أعرف الحقيقة

إلا بعد أن رأيت غابات الصنوبر

وهي تبادلنا الخطى ،

ولكني لم أشم رائحة القرود

لأن العاصفة كانت تبددها

حاولت أن أقرع جرس اليقين بعصا الظن

ولكنكم كسرتم العصا .

لو كنت تؤمن بعلمي

لكنت أسكتهم وتركتني أقول ،

ولكنك لم تحفل إلا برُبّانيتك

واكتسحتْ ظنوني موجة التهريج

حتى تكامل هدوء العاصفة

وشممت رائحة القرود متأخرا .

كان الوقت قد فات

فقد كانت الرائحة حادة

تأتي من مكان قريب .

فقلت لنفسي الجريحة

لماذا أهاجم يقينهم بالنجاة

ليهاجموني بسخريتهم بدون فائدة .

قال الربان :

ولماذا لم توجه كلامك إلي ؟

وأجاب الشيخ متحديا :

أنت رباننا جميعا

ولست رباني وحدي ،

وقد رأيتني أحاول فأغرق في العبث ،

فماذا فعلت ؟

انهزمت لكبريائك بدون حق

فانهزمت أنا لكبريائي بحق ،

لماذا لم تكن حكيما كالربان

لأكون حكيما كالبحار

أما قلت ذلك لنفسك ؟

رقصت على حبل الكبرياء

ورقصوا على حبل السلامة

حتى انقطع كلاهما

فارقصوا الآن على حبل الندم

لم يبق غيره حبل أخر .

عندما كانت تفاجؤنا العاصفة

كنت أجمع البحارة وأستمع لهم

ثم أخبرهم بما يفعلون

ولا أنتظر أن يقول لى أحد ماذا أفعل .

قال الربان بكبرياء ضاعفها الغضب :

وعلى أي حبل ترقص أنت الآن

أيها البحار الحكيم

البحر والسفينة والربان والغرق لنا جميعا .

هل سينفعك العلم بالشيء ؟

قال الشيخ :

نعم !

ستغرقون جميعا ،

أما أنا

فسوف ترسو سفيتي في مينائها ،

هل تراني خائفا مثلكم ؟

قال الربان :

وهل تراني خائفا ؟

تمتم الشيخ

وهو يحفر في وجه الرجل بعينيه :

لا أدري !

ليس كل الخوف يظهر للعين

ولكني أعرف أنك غاضب وحزين .

لا أحد يخلع ثوب الحياة مستسلما

سوي بحار عجوز مثلى

يحلم أن يكون الغرق ميناءه الأخير.

لو كنت في ريعانك لحزنت .

أمامك الكثير من الشواطيء

لترسو على لذة السلامة

والكثير من الكؤؤس التي تنتظر فرحك

وأمامك الكثير من النساء الجميلات

اللواتي ستبحر منهن إلى عروشك الكاذبة

وأمامك مساحات من فرح الصباح والمساء

تقطعها على قدميك ،

والآن

سوف يعبرها الموت قبلك .

أنا البحار العجوز

عبرت كل مساحات الحزن والفرح

لم يعد خلفي سوى الصمت

وأمامي سوى الفراغ

خوفي الآن أصغر من الموت بكثير .

صمت الربان

ريثما سوى هندام قلقه وقال :

من سواحل أيونية المشمسة

وحتى حافة بحر الظلمات

ركبت سبعا وعشرين سفينة

وقمت بأكثر من مئة رحلة

ولا أعرف عدد البحارة الذين شاهدتهم

ولكني لم أر بحارا عجوزا مثلك

يمسك حبل المعرفة بيد الجنون .

وقال الشيخ :

قدت سفنا أقل من أصابع اليدين

لم تغرق سفينة واحدة منها .

تنفست في البحر

أضعاف ما تنفست على اليابسة

زرت موانيء ليس لها أسماء

وموانيء لم أعرف أسماءها من قبل

ولكني لم أركب سفينة غرق واحدة

قبل هذه السفينة .

حينما رأيتكم

أخبرتني وجوهكم بكل شيء

لقد اعتدت أن أقرا وجوه البحارة

وحركاتهم

قبل أن أضمهم إلي .

البحار الجيد يخفق وجهه كالشراع

لأنه عقل السفينة وقلبها

حينما تهب العاصفة

يحب السفينة أكثر

ويعطي خوفه لرفاقه ،

والبحار الرديء

مثل الهواء الفاسد

يؤذي رفاقه

ويحب النساء أكثر من السفينة ،

لا يهمه إذا وصلت به الشاطيء

أو قذفته ألواحها عليه .

إذا حملته أجنحة النجاة

إلى عرش الرمل

اغتسل ببول امرأة سوداء

وظن نفسه ملكا .

وفي الصباح

تركله السوداء بقدمها

ويخرج بنصف ملابسه .

هذه هي اللعبة

ترمينا الآلهة بأقدارنا

التي صنعناها بأنفسنا .

قال الربان بفتور تحمله السخرية :

الكلام يلد نفسه

يجمّل ما يريد

مثل الماشطة ليلة العرس ،

وفي النهاية

يظل كل شيء كما كان .

أما الحكمة

فلا تلد سوى الجمال

وكما قلت لك قبل قليل

لو كنت أكثر منا حكمة

لعرفت أن الحكمة جمال كل شيء

وليس الكلام .

قال الشيخ بسخرية أشد :

لست أدعي الحكمة

أو أومن بها

لو كان للحكمة أصل سوى الظن

فلماذا يختلف الحكماء ؟

أنا بحار يحفظ دروس البحر

التي ظننتَ أن حكمتك الجميلة

ستهمس لك بها عند الخطر .

أما الجمال

فإنه مثل الحزن

أصل كل شيء .

والحكيم هو الذي تعانق روحه الجمال

وتبحث عنه حتى في موتها

لهذا ركبت سفينتكم الغارقة

ليس لأني أبحث عن الموت كما تقول

لا أحد يحب الموت

إنه القبح الذي يلد التعاسة

ولا يهزمه سوى الجمال .

كل ما يهزم الموت جميل

وقد أتيت أبحث عن موت مهزوم .

أترجل عن جوادي كالفارس

الذي يحمل جراحه القاتلة

وليس كالسبيّة

التي تترجل في أحضان ذلها .

هز الربان رأسه وقال :

لو قلت أنك ثرثار فارغ

لظننت أني أستسهل التعليل

لأداري عدم الفهم ،

ولن أقول أنك مجنون

فلست أبحث لك عن عذر ،

لذلك أقول أنك كلاهما معا .

أيّ جمال في الموت ؟

قال الشيخ :

لم اقل أنني أبحث عن جمال الموت

قلت أنني أبحث لنفسي عن موتها الجميل

والفرق بينهما

يدركه الذين يعرفون

أن الحياة هي قدرنا الجميل

يولد الإنسان على وهم الموت

كما يولد على وهم الحياة

وبينهما تولد الحقائق

على لحظات الجمال .

الجمال هوالسر الوحيد

بين الميلاد والموت

الذي يجعل كل شيء حقيقيا .

هل تعرف ما في هذا اللوح الخشبي ؟

قال الربان :

حروف سوداء

بوجوه قبيحة

لا أفهم منها شيئا .

تابع العجوز كأنه لم يسمع :

إنها قصة الغرق

كما شاهدتها على هذه السفينة

نقشتها في الخشب

بمسامير الحديد الملتهبة

ليحمل البحر رسالتي إلى الشواطيء .

هناك الكثير من البحارة

الذين يتهيأون في الحكاية

لركوب البحر ،

سيقرأون كيف أن الغرق

قد يولد داخل السفينة ،

ولعل ذلك ينجي سفينتهم .

إنها لحظة الجمال الأخيرة

قبل هنيهة الغرق

حين أعرف أن مولدي لم يكن عبثا .

أقول لأولئك الذين سيلدهم الشاطيء :

من كان مثلنا

لا يمكنه النجاة

ها نحن أمامكم على هذا اللوح ،

أنظروا جيدا

لتروا كيف غرقنا في هدوء البحر

نصرخ كالخنانيص

كي لا يصيبكم ما لحق بنا .

حانت اللحظة أيها الربان !

رائحة القرود تجاوزت السفينة

قم لترى ما سيفعله فوات الوقت ببحارتك

حينما يرونه أمامهم .

لقد حان دوري لأسخر منكم

أليس جميلا أن تموتوا كقرابين الماشية

تسيل دماؤكم من أجل من يذبحونكم ؟

أنتم أيضا لم تولدوا عبثا ،

سيكون موتكم السخيف

عارا عليكم وحدكم

ولكن عبرة للجميع .

ألقى العجوز لوحه في البحر

فانتفضت الشمس دفعة واحدة

وتراجع الضباب إلى الشواطيء

فتلاشت الغابات

وظهر جبل المغناطيس

ككومة سوداء من الخرق الصخرية .

ومثل نحلة تستطلع هبوطها

دارت السفينة حوله

تصغر الدوائر رويدا رويدا

قطرة ماء

تجف على سطح أملس .

تشبثت بها القبضة الدائرية للغرق

كما يتشبث الخيط بقدم العصفور

يفرد جناحيه

ويطير حول موته هاربا .

استولت الأيدي الخفية على الدفة

فاحتضنها الربان

كما يحتضن الغريق لوحا من الخشب :

عليك اللعنة أيها البحر

لماذا قدمنا لك قرابين الخمر والفاكهة

وقدمتْ لك زوجاتنا الطيب

وأبناؤنا الصلوات !

عليك اللعنة يا جنية البحر !

عليكم اللعنة يا بحارة العار

أين أنتم ؟

قال له الشيخ :

إنهم يستعدون للغرق

يخلعون ملابسهم وأحذيتهم

كأنهم ذاهبون للنوم .

بعضهم يضحك وبعضهم يغني

وبعضهم يكلم نفسه

ما عدا المهرج ،

فإنه يحاول إضحاك الآلهة

لتعفو عنه ،

بينما يتمتم الشاعر

بمدائح لجنية البحر

ويعدها بالزواج .

كاد الربان يبتسم

لولا موجة الكآبة

التي اكتسحت وجهه فجأة

فقال للعجوز :

هل تطمع في مكان المهرج ؟

قال الشيخ :

يمكن للحقيقة أن تكون أسوأ من التهريج

لم أخبرك أن مساعدك الكنعاني

أعلن تمرده عليك في مطبخ السفينة ،

وأن الطباخ يمده بالصحون

ليرميك بها .

لماذا لا تذهب لترى

فأنت ربان السفينة !

لا تدع الكآبة

تفوت عليك ضحكتك الأخيرة .

قال الربان نادبا :

كل شيء أصبح أخيرا حتى البحر

أنظر إلى ابتسامات الموج الناعمة !

قبل قليل

كانت قهقهاته المجنونة

تبعث الرعب ،

وكان الماء يحتضن السّواد

كفوهة الجحيم ،

أنظر إليه الآن

كيف ينسدل في لونه المضيء

كأنه ستارة من حرير دمشق

تترقرق على جسد امرأة نائمة في الشمس.

من أين أتت هذه الدماثة للأشياء

لولا أنها أشياء أخيرة

كنا قد نسينا دماثتها في صخب البدايات ؟

والآن في لحظة انفصال الزمن الأخير

عن جموح الأمكنة الأخيرة

تعلن الرهافة حدود الأشياء الجميلة

التي كان علينا أن ندافع عنها

ونحمي السفينة لأجلها من الغرق .

هل كان لك حبيبة على الشاطيء

تريد أن تعود إليها رغما عن البحر ،

هل كان لك قرية

أو شارع في إحدى المدن

ومظلة صغيرة من الشجر

تخبيء تحتها سريرا من العشب ؟

كان الشيخ يقاوم شجنه الأخير

ولكنه تذكر ما قاله للربان

عن الضحكة الأخيرة

فترك نفسه تترنح في سكرها ،

خرج من صخرة الملح

التي أذابتها كلمات القبطان

وترك لفراشاته النائمة

أن ترف للمرة الأخيرة

على جمرته الصغيرة

المدفونة في الرماد :

لا أعرف الكثير

عن هذا العجوز الذي تراه ،

أعرف الكثير

عما حدث له على الشاطيء ،

وأنه أصابه الوله بالسؤال

ولما خذلته الإجابات كما يبدو

ولاحقه غرق الشواطيء

وعواصف الرمل ،

استولى عليه الغضب مبكرا

وهاجر إلى البحر ليطارد اليابسة .

يقول أنه هنا

تعلم أن يوجد في الحب وينساه

لم يجد في ذاكرة الرمل

سوى هروب القافلة .

وآخر ما سمعت منه

أنه تعلم في البحر

أن يحب ، دون أن يحب أحدا

وأن الحب ليس سؤالا

إنه الجواب الوحيد لكل الأسئلة .

قال الربان :

قلتَ بأنه غاضب

والغضب حضن الكراهية .

قال العجوز :

سألته مرة فأجابني

الغضب يصنع الرفض

ولا يصنع الكراهية

كيف تحب الشاطيء

دون أن ترفض الغرق ؟

ألذي يسرق حب غيره

هو الذي يعرف الكراهية .

سأل القبطان :

ألم تسأله كيف يُسرق الحب ؟

فأجاب العجوز :

سألته فأجابني ،

الطفل حب امه

والرغيف حب الجائع

فكيف تسأل ؟

بدا الربان مندهشا

أنصت قليلا ثم سأل :

هل تسمع ؟

فرد العجوز :

سمعت توجع الخشب

قبلك بثلاثين عاما .

قال القبطان :

أعرف عويل السفينة قبل الغرق

ولكني لا أعرف هذا الأزيز .

قال العجوز :

إنه صوت المسامير الحديدية

وهي تحاول الإفلات من الخشب ،

ولكن الحديد يزداد قوة

والخشب ضعفا ،

دورات معدودة

وتهرع المسامير إلى حضن إمها

وتتناثر السفينة على الماء .

قال الربان متشبثا :

ليكن !

سافرنا في البحرعشرين يوما متواصلة

ونحن قريبون من شواطيء قرطاجة

كنا نقطع المسافة كلها

في ثلاثة وعشرين يوما .

لوح خشبي

مع قليل من الحظ

وربما سفينة عابرة

وينجو الكثيرون منا

وتغرق مع نبوءاتك المريضة .

قال العجوز :

وبماذا تفيدكم النجاة

لقد غرقتم .