الدور التأمري للتحالف الكردستاني على وحدة العراق واستقراره!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2115 )

عندما يذكر التحالف الكردستاني ـ حزبي البارزاني والطالباني وبعض الواجهات التابعة لهما ـ والذين هما بالاصل ورثة للحركة العشائرية التي قادها البارزاني الاب من اجل توسيع نفوذه القبلي ليشمل مناطق القبائل السورانية والبادينية المستوطنة شمال العراق، يتذكر العراقيون التاريخ المخزي والمناهض للوطنية العراقية، فمن التجند لخدمة السافاك الشاهنشاهي بالضد من حكومة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم الى وضع انفسهم تحت تصرف شركات النفط الاحتكارية العاملة في العراق لتنفيذ اجندتها التامرية بالضد من اي توجهات عراقية لتقليم اظفار هذه الشركات التي كان لها دور فاعل في صنع الحياة السياسية في البلاد ومن وراء الكواليس، الى بناء اوثق العلاقات التخادمية ومنذ وقت مبكر مع الموساد الاسرائيلي ـ منذ عقد الستينات من القرن الماضي ـ للتامر والتجسس واشغال القوة العراقية عن اداء دورها في التصدي للعربدة الاسرائيلية في المنطقة!

الملفت الان ومع تغير الاحوال وحصول هذا التحالف على ما لم يكن يخطر بباله ولا حتى في الاحلام، وخاصة بعد احتلال العراق واعادة صياغته بطريقة تنسجم مع العقليات الطائفية والعنصرية التي وجدت في العراق المحتل مرتعا خصبا لها ولتطلعاتها التقسيمية، وتحديدا بعد ان عمل الاحتلال وبالتعاون معها على تدمير الدولة العراقية وبنيتها التحتية ـ حيث لم يكن الهدف من الاحتلال هو اسقاط النظام السابق فقط ـ حيث يحكم التحالف الكردستاني كل شمال العراق وبدون منازع، ويشارك وبفيتو قوي بالحكم التحاصصي في بغداد، حتى اصبح الشمال ملكية خاصة للحزبين المتحالفين، لهم دستورهم المفصل على مقاييسهم ولهم حكومتهم وبرلمانهم وجيشهم وخزينتهم بل ولهم نفطهم الذي يستثمر وبشكل مباشر ومع الشركات اياها لتخليد حكمهم لمناطق الشمال وتقرير مصير اهاليه، لهم رئيس وسفراء واعلام وتشريفات وشعار ونشيد جمهوري، ولم يكتفوا بكل هذا حتى راحوا يستخدمون اسلوب الهجوم كافضل وسائل الدفاع في علاقاتهم مع بغداد التي يفترض ان تكون علاقاتهم بها علاقة شراكة ابدية، فراحوا يساهمون باشغال الوسط والجنوب بالمشاكل الامنية والعمليات الانتقامية، وبنفس الوقت ونتيجة لفراغ القوة وتماهيهم مع اجندات قوات الاحتلال راحوا يوسعون من مناطق حكمهم بحيث تطاولوا على المحافظات المجاورة للمناطق التي يسيطرون عليها، متذرعين بحجة الهوية القومية لسكان هذه المناطق وبالمبالغة القصوى بحجم عمليات التهجير القسري الذي جرى في بعض المناطق بابعاد امنية ايام النظام السابق، وكانت النية المسبقة لاحتواء هذه المناطق باعداد كبيرة من ميليشياتهم المدعومة والمسلحة اسرائيليا، خاصة وان غياب الجيش العراقي نتيجة قرار حله قد جعلها مفتوحة امام عربدات عصاباتهم في نينوى وديالى وكركوك وصلاح الدين، التمدد متواصل رغم عدم وجود توافق عليه مع شركائهم في الحكم، حتى انهم عملوا على الضغط ومحاولات تكريد واحتواء بعض جماعات من الاقليات الاصيلة والتي تقطن هذه المناطق حتى قبل هجرة الاكراد اليها كالاثوريين والتركيف والشبك واليزيديين والكلدان، وقد اشارت التقارير الدولية الى هذه الحقائق وكان اخرها تقرير منظمة الدفاع عن حقوق الانسان حول العالم الامريكية والتي اوردت بالنص ان الاحزاب الكردية تقوم بمضايقة ابناء الاقليات بالترهيب والترغيب لاجل احتوائهم او تهجيرهم!

الاكثر اثارة هنا ان التحالف الكردستاني ورغم انتقاله من صفة المعارضة الى صفة الحكم فانه ما زال يمارس وبكثافة ذات الممارسات اياها والتي وصفناها بالتاريخ المخزي بالتأمر على وحدة العراق وسيادته واستقراره، والادهى انه يتعامل ويتخادم مع نفس الجهات التي كان يتخادم معها ايام الاب البارزاني، الموساد والسي اي اية واطلاعات الايراني ـ بديل السافاك المنحل ـ وشركات النفط الاحتكارية، والتي ما زال لعابها يسيل على ذكر النفط العراقي الشمالي والجنوبي على حد سواء، وما يميز المرحلة الجديدة هو التنسيقات السرية مع المخابرات الكويتية في التعاون لادامة حالة الفوضى في وسط وجنوب العراق!

نشرت مؤخرا صحيفة فايننشال تايمز الصادرة في لندن تقريرا يحتوي على اعترافات ـ بيتر غالبرث ـ الدبلوماسي الامريكي السابق والمخابرتي المتمرس بالاعمال التجارية بعد ان اعفي من الخدمة الرسمية كسفير في كرواتيا، والذي عمل بعدها كمستشار لدى قادة التحالف الكردستاني منذ فترة ما قبل احتلال العراق، قال غالبرث انه نصح الاكراد بضرورة انتزاعهم لحق دستوري يعطيهم القدرة على التحكم المباشر بعمليات الاستثمار النفطي في مناطقهم وابرام العقود ـ استخراج وتصدير النفط من الحقول الجديدة ـ ليكون هذا النص حجر الزاوية في عملية الاستقلال الاقتصادي عن بغداد واقامة علاقات اقتصادية وبالتالي سياسية مع العالم الخارجي كخطوة مهمة باتجاه اعلان الدولة الكردية واستقلالها!

علما هناك مستشارون اخرون من الموساد وشركات نفطية كبرى متواجدون في شمال العراق يساهمون في ترتيب الاجندة الكردستانية وبما يجعلها متهيئة ميدانيا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا ونفسيا نحو اعلان الدولة وتأمين الاعتراف بها خاصة اذا قامت نتيجة لنزاع عرقي، على اثره يتم الفصل كأمر واقع بالترافق مع السيطرة المحكمة على ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك، لان الصدام الاولي سيستدعي حضور قوات بين الاطراف المتنازعة وابقاء الحال على ماهو عليه حتى تتدخل لجان تحكيم من الامم المتحدة، وحتى ذلك الحين تكون القوات الكردية قد سيطرت على كركوك وجرى استحصال قرار وقف لاطلاق النار!

يبدو ان قادة التحالف الكردستاني سائرون لتطبيق هذا السيناريو وكل الدلائل تسير بهذا الاتجاه، حتى زمن التنفيذ سيكون مترافقا مع المرحلة ما قبل الاخيرة للانسحابات الامريكية المعلنة، وعليه فان ضم كركوك تحديدا سيكون هو الاعلان الرسمي عن قيام الدولة الكردية شمال العراق كأمر واقع لا تستطيع الحكومة الطائفية المتخادمة مع المحتل الامريكي حتى لو ارادت تغييره، لانها لا تملك ادوات التغيير واهمها الارادة الوطنية الجامعة والجيش الوطني القوي القادر على حماية حدود البلاد ووحدتها من تجاوزات عصابات التقسيم المدعومة من الطامعين بالعراق وخيراته!